Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

مياه الأمطار .. الثروة الضائعة

فوزي رمضان
صحفي مصري

احتفى بها أجدادنا وكرموها؛ كونها موردًا مهمًّا وثمينًا للثروة المائية، واعتبروها أمطار (خير وبركة). نظر البعض إليها على أنها مجرد نفايات يجب التخلص منها، مآلها الصرف الصحي، دون الأخذ في الاعتبار الشح والفقر المائي الذي يطول المنطقة العربية، خصوصا دول الشرق الأوسط، الأمر الذي نتج عنه النزاعات والحروب، رغم المعاهدات والاتفاقات المبرمة بين الدول المتشاطئة.
مع زيادة نسبة التصحر والجفاف التي تطول مناطق كثيرة، يتوازى معها نسبة الزيادة السكانية المفرطة في العالم العربي، والتي تعد الأعلى في العالم أجمع، فـ340 مليار متر مكعب هي حصيلة الموارد المائية البيئية المتاحة لعالمنا العربي، سواء من مياه جوفية أو أنهار، تستمد جزءا كبيرا من مياهها خارج الحدود العربية، إضافة إلى 2238 مليار متر مكعب من مياه الأمطار، وهي نسبة كبيرة لا يستفاد منها بشكل مباشر سوى 30 % فقط، والباقي يصرف إلى مياه البحار، أو يتسرب إلى باطن الأرض.
ولشح الأمطار في بعض الدول العربية، أو لعدم القدرة على الاستفادة من مياهها، يتصدر العالم العربي دول العالم بنسبة 70% في امتلاكه لمحطات تحلية المياه، رغم التكلفة الباهظة حيث تصل تحلية المتر المربع من المياه إلى 2.2دولار. إذن ليس من الترف أو العقل إهدار تلك الثروة عالية القيمة التي تقذف من السماء إلى تحت أقدامنا، ونركلها نحن في ذات الوقت بأقدامنا إلى عدم الاستفادة.
زيادة في الندم عندما نعرف أن مياه الأمطار فائقة النظافة في بداية سقوطها، حيث تتبخر مياه الأرض دون المواد الكيميائية والملوثات، ومع استمرار هطول الأمطار تتخلص ذاتيا مما يعلق بها من أغبرة وجزيئات ضارة، حتى وإن تسربت خلال مسامات الصخور، واتجهت نحو باطن الأرض.. تشكل المياه الجوفية مصدر الينابيع، والمصدر الوحيد للمياه العذبة بجانب الأنهار التي تتدفق مياهها من تساقط الأمطار الغزيرة على الهضاب المرتفعة.
طبيا.. مياه الأمطار لا تحتوي على مادة الكلور أو الفلوريد، التي تضاف إلى المياه التي نستخدمها لقتل الجراثيم، لكنها قد تسبب المشاكل الصحية للبعض، مثل الصداع والتهاب المعدة. ولأهمية مياه الأمطار تستخدم للتخلص من سموم الجسم وعلاجا لقوة ونمو الشعر، كذلك تساعد على قتل البكتريا والتئام البثور الجلدية حين الاستحمام بها، وتحتوي مياه الأمطار على نسبة عالية من الأوكسجين مقارنة بمياه الصنبور.
بيئيا.. تساعد مياه الأمطار على الحفاظ على النظم البيئية، وتدعم وجود الأسماك والطيور والنباتات المائية، وتستخدم لري النباتات وتنظيف المركبات، والحيوانات وتنظيف الأرصفة والممرات، ما يقلل الضغط على مصادر المياه، ويلعب دورًا مهمًّا ورئيسيًّا في حماية البيئة. ومع تزايد الطلب على المياه نظرا للتطور التقني والتكنولوجي، ومع تزايد النمو السكاني، تبرز أهمية المياه مصدرا للحياة، خصوصا مياه الأمطار ـ الثروة ـ التي نضيعها بأنفسنا.
لذا لجأت دول كثيرة إلى تحقيق الاستفادة القصوى من مياه الأمطار؛ إما بتجميعها وإنشاء بحيرات صناعية، أو بتخزينها داخل خزانات وسدود لحقن المياه الجوفية. في الواقع يحتوي العالم العربي على 27 حوضا لتخزين مياه الأمطار، إضافة إلى نظام الأفلاج المعتمد منذ آلاف السنين في سلطنة عمان والذي يُعد الفريد من نوعه في نقل المياه الجوفية الموجودة في باطن الأرض، أو من مناطق تجميع مياه الأمطار في الأودية عبر قنوات مشقوقة، ومع ذلك ورغم هندسة الري لم يتح لغالبية الدول الاستفادة القصوى من مياه الأمطار.
وكان لزاما على خبراء المياه استحداث طرق سهلة وبسيطة وغير مكلفة لتصريف مياه الأمطار بداية من التخطيط الحضري، منذ مراحل التخطيط الأولى للمدن. لقد بدأ العالم الحديث يدرك أهمية مياه الأمطار، من خلال تصريفها عبر شبكات مستدامة، وتُعد الصين من الدول التي استحدثت نظاما عبقريا في هذا المجال يسمى المدن الإسفنجية.
هذا النظام قائم على تحويل 80% من مساحات المدن إلى ما يشبه الإسفنج في امتصاص المياه، وزراعة أسطح البنايات بالنباتات مع توفير الأرض المخصصة لتخزين المياه، وبناء أرصفة خاصة تسمح بمياه الأمطار بالتغلغل داخلها ولا تدفعها نحو الشارع، والأفكار تتزايد ومستمرة للوصول إلى اقتناص تلك الثروة كاملة، والاستفادة القصوى منها قبل ضياعها في الشوارع، أو عودتها للبحار دون فائدة أو استخدام.


تاريخ النشر: 1 ديسمبر,2020

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/407009

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014