الأحد 17 يناير 2021 م - ٤ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / صراع اللقاحات

صراع اللقاحات

د. أحمد مصطفى أحمد:
ليس الصراع دائما بالمعنى السلبي كما هو شائع، فالإنسان يصارع الطبيعة لتحقيق حياة أفضل، والأجسام تصارع المرض لصحة أفضل وهكذا. كما أن الصراع هو من سنن الحياة على الأرض، وغالبا ما يكون من أجل تحسين الأوضاع والوصول لأفضل النتائج. هذا هو الحال الآن مع صراع اللقاحات لفيروس كورونا (كوفيد-19) بين الدول والشركات. ففي الأيام الأخيرة أعلنت أكثر من شركة في أكثر من دولة عن فعالية لقاحات تنتجها زادت عن تسعين في المئة في تجاربها الأخيرة على البشر. وليس الصراع هنا فقط على من ينتج لقاحه أولا، بل أيضا على الأسعار وسهولة التخزين والنقل والتوزيع والتطعيم. وفي كل هذا الصراع خير للبشرية جمعاء.
وحسنا فعلت مجموعة العشرين للدول الغنية بالتزامها بالمساهمة في تكاليف ضمان حصول الدول غير القادرة على اللقاحات لتطعيم سكانها، مع التأكيد على أن ذلك ليس عملا خيريا فقط. بل هو جزء مكمل لجهود وقاية العالم كله من وباء فيروس كورونا، فلن يفيد الدول الكبرى والغنية تطعيم سكانها بينما بقية دول العالم لم تتحصن ضد الفيروس، فذلك يعني أن خطر انتشار الوباء مجددا يظل موجودا. لذا، فهذا الصراع على تطوير اللقاحات وتوفيرها بأيسر الشروط، وقبل ذلك أيضا الصراع على التوصل علميا لتركيبة الفيروس ونسخه المختلفة، وتطوير علاجات لما يسببه من أعراض هو صراع محمود. ويختلف جذريا عن الصراعات المدمرة التي تنبأ بها بعض الكتاب بشطط الفكر مثل “صراع الحضارات” وصراع الاقتصادات وغيرها.
ومنذ بدأ انتشار وباء كورونا على نطاق واسع مطلع هذا العام، كان صراع العلماء والباحثين مع الزمن لفك شفرة الفيروس الجينية وتركيبته الكيماوية للوصول بسرعة إلى معرفة طرق العدوى وكيفية إضراره بالجسم البشري، وبالتالي تجريب طرق العلاج المختلفة، ومحاولة رسم نماذج الانتشار للمساعدة في مكافحة تفشي الوباء. لكن الأهم بالطبع كان العمل على تطوير لقاح للوقاية من الإصابة بالفيروس، ومحاولة تجاوز كل البروتوكولات التقليدية لتطوير اللقاحات واختبارها التي تأخذ عادة سنوات للوصول إلى نتيجة بأسرع ما يمكن. وهذا ما حدث، فبدأت الصين ـ حيث ظهر الوباء للمرة الأولى نهاية العام الماضي ـ بتطوير لقاح وتلتها دول أخرى مثل روسيا وغيرها. لكن في الأسابيع الأخيرة، جاءت الإعلانات المؤثرة من شركات كبرى في أوروبا وأميركا عن نجاح لقاحات ثلاثة على الأقل يمكن أن يبدأ توزيعها بعد أسابيع ما أن تحصل على التراخيص المطلوبة.
أولها ما أعلنته شركة فايزر مع شركة بيونتك الألمانية عن نجاح التجارب الأخيرة للقاحها، ثم ما أعلنته شركة مودرنا الأميركية عن نجاح تجارب لقاحها أيضا بنسبة مساوية تفوق التسعين في المئة، ثم ما أعلنته شركة أسترازينيكا عن نجاح تجارب لقاحها الذي تطوره مع مجموعة باحثي جامعة أوكسفورد البريطانية. وكان الإعلان الأخير متحفظا في نسبة النجاح، بإعلان أنها تتجاوز السبعين في المئة، ذلك لأن الأوروبيين عامة يتحفظون في تجارب الأدوية تحسبا لأي أعراض جانبية قد تظهر بعد التلقيح واسع النطاق ـ وهذه سمة أوروبية حميدة في إجراءات الصحة العامة المتعلقة بالأدوية عموما. وسبق ذلك الإعلان عن لقاحات صينية وروسية وغيرها، بل إن بعض الدول العربية تعمل بالفعل على تطوير لقاحات قد تنتهي من تجاربها عليها العام القادم.
ربما من المفيد هنا التذكير بأن هذه اللقاحات الجديدة ليست مثل اللقاحات التقليدية التي كانت تتضمن حقن الجسم البشري بنسخة ضعيفة من الفيروس كي يتمكن الجسم من إنتاج أجسام مضادة تبقى في مجرى الدم حتى إذا أصيب الإنسان الذي حصل على اللقاح بالفيروس يتمكن جسمه من مواجهته دون أعراض مرضية خطيرة. بل تعتمد هذه اللقاحات على حقن الجسم ببروتين مركب يشبه ذلك الذي يساعد على دخول الفيروس إلى الخلية الحية للاستيلاء عليها وتدميرها في عملية استنساخ نفسه. وتقوم هذه البروتينات بحث الجهاز المناعي للجسم على توليد الأجسام المضادة الخاصة بهذا الفيروس المعين حسب تركيبة البروتين في اللقاح. لكن الأبحاث حتى الآن تشير إلى أن الأجسام المضادة الخاصة بفيروس كورونا الجديد لا تبقى في الجسم البشري طويلا، وتزول بعد شهرين تقريبا. قد لا يعني ذلك الحاجة إلى التطعيم كل عدة أشهر قليلة، لأن هذه اللقاحات الجديدة تستهدف الإبقاء على شفرة بروتينية في الجسم البشري تمثل جرس الإنذار المبكر لتكوين المضادات الحيوية الطبيعية من خلايا الجهاز المناعي في حالة استحثاثه مع التقاط الفيروس. وتلك الخلايات التي تمثل جرس الإنذار تبقى في الجسم لمدد طويلة.
من المهم هنا الإشارة إلى أن صراع اللقاحات قد لا يكون وصل إلى نهايته تماما، حتى بعد بدء التطعيم بتلك اللقاحات التي ثبتت فاعليتها وتم ترخيصها. فاللقاح في النهاية هو وسيلة وقاية ليس من الإصابة بالفيروس، وإنما من قدرته على الإضرار بالجسم بعد التقاط الفيروس. وبالتالي فكافة التدابير التي كان علينا الالتزام بها في الشهور الماضية تظل مطلوبة أيضا، خصوصا تدابير الصحة العامة وتفادي الاختلاط الواسع وارتداء الأقنعة في الأماكن المزدحمة وغيرها. صحيح أن بدء التطعيم باللقاح سيعني تخفيف إجراءات الحظر الحالية إلى حد كبير، وعودة النشاط البشري إلى أقرب ما يكون من الطبيعي، لكن التهاون في إجراءات الصحة العامة لن يساعد على احتواء وباء كورونا بسرعة حتى مع التطعيم باللقاح. فحتى لو بدأ التطعيم مع بداية العام القادم، على نطاق واسع في كل بلاد العالم، فإن تحويل وباء كورونا إلى فيروس موسمي عادي مثل فيروسات الإنفلونزا والبرد العادي قد يحتاج إلى سنوات.

إلى الأعلى