الأربعاء 27 يناير 2021 م - ١٤ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / أوراق الخريف: المواطن المستثمر هل ندعمه حقا؟

أوراق الخريف: المواطن المستثمر هل ندعمه حقا؟

د. أحمد بن سالم باتميرا

شاب عماني طموح، سمع وقرأ أن التوجه هو “أن تكون المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ركيزة أساسية لضمان خلق فرص عمل وتحقيق قيمة مضافة”، وأن مهمة الجهات المعنية هي “تقديم دعم فني فعال ومتكامل لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وإيجاد بيئة إبداعية ومحفزة لرواد الأعمال”، وأن الهدف هو “تمكين وتعزيز دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة”، فتشجع “إسحاق” وأراد تحويل فكرته ومشروعه لواقع على الأرض ليكون قيمة مضافة له وللبلد والمجتمع أيضا.
فكرة مصنع بسيط، ولكنه يعد إضافة لاقتصاد الوطن، فتحول المشروع من فكرة إلى تخطيط مدروس وحراك وزيارات من الشمال حتى الجنوب استمرت لأكثر من ستة أشهر، لمعرفة احتياجات السوق للمنتج الجديد الذي يفكر في صنعه، فبدأ في التنفيذ من خلال توفير سيولة مالية عاجلة للمشروع، وإدخال مستثمر يملك خبرة كافية في هذا القطاع الحيوي لأكثر من 30 سنة، ومع ذلك لم يستطع توفير المبالغ الكافية فاستعان بشريك ثالث صديق عمره، فتحركت المياه الراكدة، وانتهى من الموافقات الحكومية البيئية والتجارية، ثم شراء مكائن وأدوات المصنع والمواد الخام الضرورية.
قرر الشاب إسحاق الإسراع إلى أصحاب الرؤية والهدف والمهمات الصعبة لمساعدته، وهي هيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فوجد الأبواب مغلقة لإشعار آخر بسبب الدمج وإعادة الهيكلة، فاتجه إلى البنوك التجارية والحكومية، فصعق بالشروط والطلبات التي تخدم المؤسسات والمشاريع الجديدة، وتحول الطلب والدراسة الناجحة والمشروع الذي يعد قيمة مضافة للبلد إلى كابوس يزعج الآخرين، وليس دعامة قوية لاقتصاد يبحث عن مؤسسات صغيرة ومتوسطة ناجحة.
لم ييأس المواطن، الذي توقع أن الأمور ستكون مفروشة بالورود، وانطلق بسيارته من بنك إلى بنك على أمل أن يتبنى أحدها فكرته ومشروعه الذي أنجز 70 في المائة منه، وأصبح جاهزا للانطلاق نوعا ما، وينتظر فقط شراء المواد الخام والأيدي العاملة، ومع ذلك اصطدم بالواقع الصعب والقوانين والإجراءات البنكية، والسؤال المتكرر عند كل زيارة هو: هل لديك ضمانات للمشروع؟ وأي مشروع مشروع ناجح ومدروس من ألف للياء..!
فمتى نخرج من العقد والفكر القديم؟! أليس المصنع والأشخاص الذين يتولون إدارته هم الضمانات في بلد الأمن والأمان والعدالة؟ فهم أثمن وأغلى من أي أرض كانت، فبدلا من تبني مشروع إسحاق وغيره لاحتياجات السوق له، تتبنى بنوك مشاريع كومار وزيد المتكررة، ومع ذلك فالاتفاقيات الموقعة مع شركات لها سمعتها وأمانتها وقوتها وحضورها في السوق المحلي تكفي عن أي عقار أو ضمان، ومع ذلك فإن الجميع حافظ الدرس الذي تعلموه (ما هي الضمانات؟)، بسبب أن مسؤول المخاطر في البنك أجنبي فعلى المواطن السلام، والمؤسف أن الأجنبي تمشي أموره دون ضمانات كافية.
إسحاق وأمثاله كثر، ومشاريع عديدة تتحطم بحواجز ومعوقات واشتراطات لا معنى لها، وهي تنتظر الفرج من الجهات المعنية، للدخول السوق المحلي كمنافس للأجانب، لذا من المهم دعم المشاريع الوطنية، وتسهيل أمور المؤسسات الجديدة والمستثمرين من خلال تغيير الأنظمة والقوانين، فالسوق المحلي التجاري والصناعي يحتاج لهذه المؤسسات كحراك وديمومة تساعده ليكون رافدا للاقتصاد الوطني في العهد الجديد.
من المؤكد أن اليد الواحدة لا تصفق، خصوصا بالنسبة البسطاء والجادين من أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تبحث عن آلية وتسهيلات من بنوك ومؤسسات حكومية وغيرها، رغم الدعايات التي تطرحها تلك الجهات وتكلفها عشرات الآلاف من الريالات، وتجعل إسحاق وغيره يتجه لطرق بابها، على أمل الحصول على كعكة صغيرة تمول مشروعه وتغطية نفقاته القادمة، إلا أنه سرعان ما يصطدم بواقع مختلف.
حواجز وصعوبات جمة، وأسئلة ليست لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالمشروعات الصغيرة، وإنما هي عائق لها، فرغم الدراسات المكلفة، والخسائر المتعددة، والبنية الأساسية والقوية للمشاريع على أرض الواقع وإيجارات ومستندات ووثائق تدعم الطلب، يتعثر المشروع بحجة أن الشركة لم تكمل سنتين وليس لديها ضمانات كافية أو عقار!
أليست هذه المؤسسات والشركات الجديدة ستكون قيمة مضافة للاقتصاد الوطني من خلال الضرائب التي سترفد خزينة الدولة منها إذا نجحنا في التعامل معها بعقلية منفتحة وفكر مرن يتماشى مع مرحلة الاقتصاد الحر والإنتاجية وإعادة التصدير، وغيرها من الأمور التي أصبحت مهمة قبل أن تغادر الطيور الناجحة بأرزاقها لمكان آخر من العالم يرحب بالمستثمرين والمشاريع الناجحة دون شروط أو قيود؟
أعتقد أنه آن الأوان لمراجعة القوانين وتغييرها لتكون حاضنة للمؤسسات الناجحة، فلا يعقل أن يظل الوضع على ما هو عليه وتكون هناك عوائق وحواجز وعراقيل لإسحاق وغيره من الشباب العماني الراغب في إقامة مشروعه الخاص، فهؤلاء إذا كان لديهم ضمانات مالية أو عقار أو حسابات بنكية كافية فلماذا يتجهون للبنوك وغيرها..؟!
هناك دول في القارة الآسيوية أصبحت عملاقة، وتمددت وتطورت ونمت اقتصاديا وتجاريا نتيجة كسب المستثمرين وفتح الأسواق للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ودعم الأفكار الناجعة، ففرشت لهم الطرق وسهلت أمورهم وقدمت التسهيلات بضمانات المشروع، بحكم أن قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في غاية الأهمية لما يوفره من إمكانات وخدمات متنوعة ومهمة للمجتمع.
فالظرفية الراهنة تتطلب إطلاق الأفكار والإبداعات والابتكارات الوطنية وكسبها أفرادا أو جماعات، وعلينا التمعن في المشروع وأهدافه والقيمة المضافة له، وليس رفضه لكون العميل لا يملك ضمانات تغطي المبلغ المطلوب، التفكير خارج الصندوق يجلب الأموال، ويرفد الاقتصاد، ويضمن الوظائف لأبنائنا وبناتنا في قادم الأيام.
فسياسة التنويع الاقتصادي والصناعي والانفتاح على الأسواق العالمية، تتطلب مؤسسات صغيرة ومتوسطة، وبمشاريع إسحاق وأمثاله، وأملنا كبير وكبير في صندوق وجهاز الاستثمار العماني ووزارة الاقتصاد والجهات الأخرى لتغيير القوانين لتكون مرنة وجاذبة للمستثمر العماني ونحن متفائلون بذلك.
فالشروط التعجيزية أسهمت في اختلال وضعف المشاريع نوعا ما في البلاد، لذا نأمل بتوفير بيئة عمل صحية للمستثمرين المواطنين والوافدين، وأن نجعل مناطقنا الصناعية تنبض بروح جديدة من الإنتاجية والأعمال الناجحة وبمعدلات أسرع من السابق، مع الالتزام بشروط وقواعد تحافظ على حقوق الطرفين الدائن والمدين وتحت نظر مؤسسات قضائية وقوانين تحمي الجميع وتعطي كل ذي حق حقه.
فعجلة التنمية تحتاج للدوران بقوة وإنتاجية، وأن نكون جزءا من الحل لا جزءا من المشكلة الاقتصادية، فلا المستثمر الوافد عائق لنجاحات المواطن والعكس صحيح، فكل يحتاج للآخر، ولكن يمكن دعم الأفكار الوطنية والجادين من الشباب لبناء مشاريعهم وتسويقها، فالعين في كل مكان من العالم تبحث عن المستثمرين ورجال الأعمال والأفكار والابتكارات الجديدة، وهناك دول ليس لديها شروط، ومن باب الطائرة يستقبلونك، والإغراءات والحوافز لديهم تفوق الخيال، فهذا زمن المنافسة والانفتاح والأمان، وكل ورقة ولها سعرها وقيمتها.
دول تقدم المستندات والموافقات خلال ساعات لأي مستثمر في إطار المنافسة العالمية مع الدعم والتسهيلات دون ضمانات أو تعقيدات، وأصبحت نمورا اقتصادية وسياحية، والبعض ما زال يطرح على إسحاق وغيره أسئلة من نوع ماذا لديك من عقار؟ أو كم صار لشركتك في السوق المحلي؟ ونريد نجلب مستثمرين أو أن يكون لدينا مؤسسات صغيرة ومتوسطة وتنمية مستدامة ووظائف جديدة.. والله من وراء القصد.

إلى الأعلى