الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / غزة أم القدس أم فلسطين؟

غزة أم القدس أم فلسطين؟

نواف أبو الهيجاء

في بحر العام الجاري سلطت الأضواء على قطاع غزة وقام المحتلون بعدوان الخمسين يوما وأمعنوا تدميرا وتقتيلا، ولكنهم أيضا تلقوا سيلا من الصواريخ الفلسطينية غطت مساحات من فلسطين لم يكن المحتلون يتصورون أن يطولها الغضب الفلسطيني. والأضواء سلطت أيضا خلال العام على المصالحة وقيل إنها قضية مصيرية .. لكن المصالحة وحتى بعد تشكيل حكومة الوفاق لا تزال تترنح. وبعد ذلك قفزت إلى الواجهة الساخنة أحداث القدس. القتل ديدن العنصريين الصهاينة، والرد أصبح حالة فلسطينية تعبر عن تفجر الغضب الفلسطيني ليس على القتل وإحراق الزيتون فقط، بل على مخططات التهويد التي طالت علانية هذه المرة الأقصى ذاته. وقرار الكنيست سن قانون عنصري فاضح هو (يهودية الدولة).
من المنطقي التساؤل هنا: أهي قضية قطاع غزة أم قضية القدس أم الوفاق الفلسطيني أم أن هذه العناوين جميعها فروع ونتائج من (القضية الفلسطينية)؟
إن العدو الصهيوني بارع في إحداث تفرعات وشعب لكي تضيع القضية الأساسية في مجاهيل الفرعيات والنتائج. الأساس هو الاحتلال الصهيوني لفلسطين ما بين عامي 1948 و1967. والأساس أن العدو ينجح في إشغال الأمة كلها والشعب الفلسطيني خاصة في الفروع لتضييع الأصل. ولا شك أن قضية القدس والجاري فيها منذ أسابيع تأخذ أولوية بسبب أهميتها الدينية للمسلمين والمسيحيين ولأن الصهاينة يريدون تهويدها وجعلها (العاصمة الموحدة الأبدية)، ولكن الصحيح أيضا أن القدس مركز الصراع على عروبة فلسطين كونها العاصمة الفلسطينية العربية للشعب الفلسطيني، ومطمح الدولة الفلسطينية لا يستقيم من دون أن تكون القدس الموحدة أيضا عاصمة فلسطين الأبدية.
هذا الصراع يجد تعبيراته باقتحام المتطرفين الصهاينة المسجد الأقصى والعمل على احتوائه تمهيدا (لبناء الهيكل) المزعوم وتهديم الأقصى. لكن ذلك كله اختزال للصراع العربي الصهيوني واختزال للصراع الفلسطيني مع الاحتلال.
إن أكثر من ستة وستين عاما من التشرد والاحتلال والنضال ليست كافية على ما يبدو بنظر الدهاقنة لتركيز الصراع بين عروبة فلسطين ويهوديتها، بدليل أن القوانين الصهيونية يراد لها مع الإجراءات أن تنهب وتحول. تنهب الحق الفلسطيني وتحول الصراع إلى فروع يضيع معها أصل الصراع. حتى في الداخل المحتل منذ 1948 لا يمل المحتلون من ابتداع ما يمكن له أن يفرق الصف العربي الفلسطيني انسجاما مع إرادة وتخطيط وفكرة (الدولة اليهودية) التي أقر الكنيست قانونها قبل عدة أيام. هناك عملية مقصودة لتأجيج صراعات وخلافات فلسطينية ـ فلسطينية تأخذ في كل مرحلة اسما جديدا وشكلا جديدا: بين التيارات والفصائل الفلسطينية (فتح وحماس) كنموذج ـ وبين الهدف المقصود جراء احتدام الصراع على الأرض.
الانسياق الفلسطيني وراء مقاصد المحتلين الصهاينة يشتت الجهد الوطني الفلسطيني الذي في الأساس يريد استعادة فلسطين من براثن الاحتلال والذي اتخذ بدوره أشكالا وصيغا متعددة، ولكنها أخفقت في الحفاظ على وحدة الموقف ووحدة الصف بالرغم من ادعاء جميع الأطراف ـ والفصائل والأحزاب ـ أن الهدف واحد هو تحرير فلسطين.
القضية ليست صراع منظمات وفصائل، ولا هي قضية القطاع المحاصر والمدمر، ولا هي قضية الأقصى، ولا هي قضية التعاون والتنسيق الأمني على وفق اتفافية أوسلو، بل هي قضية عروبة فلسطين فقط .. إنها قضية شعب انتزع من وطنه وشرد وحل في مكانه قطعان من العنصريين والقتلة والغرباء، وقد جهزوا بكل قوة وإمكانية لقلب الحقائق وفرضها على الفلسطينيين والعرب والمسلمين والعالم.

إلى الأعلى