الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المشهد العراقي وغزول فاطمة

المشهد العراقي وغزول فاطمة

عادل سعد

في الظل، بل في الزاوية المعتم عليها من المشهد العراقي العام هناك أكثر من قامة فكرية وسياسية وثقافية آلت على نفسها الانسحاب من هذا المشهد المزدحم بالمعالم الفاقعة إن لم أقل المريبة.
لست هنا بصدد وضع قائمة بأسماء تلك القامات، مع أن ذكرها يشرف من يسرد عناوينها، كما لست مخولًا أن أكون ناطقًا باسم أحد منهم، لكنها المسؤولية الأخلاقية تحتم عليّ أن أطرح ما ينسجم مع المثل العراقي المعروف (من يعرف فاطمة في سوق الغزل؟)، وفاطمة هذه سيدة كانت تعيل أسرتها من مهنة الغزل واشتهرت ببراعتها في تصنيع خيوط على درجة من الدقة والإتقان إلى حد أنها لو عرضت بضاعتها على معيار أوزو العالمي لقياس الجودة لفازت من الوهلة الأولى من دون منازع.
لقد كانت هذه السيدة تنافس نفسها في عملها، لكن بضاعتها من الغزول بارت وعانت الكساد في سوق أخذت تتصدره خيوط لا تتوفر فيها غير عناوين الغش الصناعي، كل جاهها أنها احتلت إعجاب المتبضعين نتيجة الدعاية التي تصاحب تسويقها على إيقاع نظرية جوبلس وزير الدفاع الألماني في عهد هتلر (اكذب، اكذب حتى يصدقك الناس) وهكذا تحولت أغلب الآراء من القناعة بخيوط فاطمة إلى القناعة بخيوط يميزها الطلاء الجاذب تماشيًا مع المثل السويدي الذي يقول (إن الذين تسرهم رؤية النحاس المصقول هم أكثر عددًا من الذين تســـرهم رؤية الذهب الغفل).
على أي حال وبالعودة إلى القائمة التي تتصدرها فاطمة أستطيع أن أتبين للقارئ الكريم العديد من الوجوه تلك القامات، حيث يمكنك أن تجدهم من دون أي عناء خلال تجوالك في شارع المتنبي؛ أي سوق مكتبات بغداد ضمن مزادات الكتب نهار كل جمعة أو في زوايا معينة من مقاهٍ بغدادية قديمة مر عليها نوري سعيد وجعفر العسكري وعبدالمحسن السعدون والجواهري وبلند الحيدري وعبدالوهاب البياتي وحميد سعيد وسامي مهدي وآخرون حرصت بغداد أن يكونوا من أخلص أبنائها، غير أنها الآن تشكو زهدهم وتعالج ذلك بالكثير من التأسي واللجوء إلى الاستذكار في مراجعات أغلبها متشحًا بالحزن والمرارة، ولكن ليس على شاكلة المشهد الشعري للدكتور إبراهيم ناجي في قصيدته المعروفة (الأطلال) التي غنتها أم كلثوم فأصبحت أحد عناوين الطرب العربي المنسي.
لقد اختلط (الحابل بالنابل) في بغداد، وكذلك في مدن أخرى فقد تم التخلي عن الدعة والأمل لصالح مقاربات غريبة مع العنف ولغة القتل وأحاديث التشفي وثقافة النواح وثلاثية الوهم والتوهم والإيهام، الوهم بأن هذا المشهد هو الذي يستحقه العراق، والتوهم أن ما يطرحه المتسيدون في الأضواء هو الصحيح، والإيهام وأقرب دليل عليه ما كشف عنه رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي بوجود 50 ألف جندي وهمي ضمن سجلات وزارة الدفاع، وإذا كان البعض يلوم الاحتلال على جرثومة هذه الأمراض، فإن الحقيقة التي لا يمكن التستر عليها تكمن في الالتباس الذي يعانيه المشهد العراقي العام من تضارب حاد ولا أقل تنوع قد تسرب الآن إلى صميم الواقع، الأمر الذي تسبب بوضع جدران عازلة بين القوى الإصلاحية وبين فرصة قد تجدها لتطوير مناهج تؤسس لكتل سياسية قادرة على طرح مشروع وطني عام ينتشل الأغلبية من التشرذم وتفكك الهوية الوطنية لصالح هويات طائفية ومناطقية وإثنية.
الملاحظة المؤلمة المكملة لهذا التشخيص أنك لا تجد أحدا يعترف بأخطائه أو يعترف بمسؤوليته في الاستحواذ على المشهد العام، سواء كان ذلك على صعيد الأشخاص أو الكتل المؤثرة ضمن متلازمة من الضغوط التي لا يهم أصحابها سوى أن يكون المكون الذي ينتمي إليه في موقع الزعم أنه صاحب الخطوة المرجوة لإنقاذ البلاد، وتنشط هذه المتلازمة بصورة أكثر ضغطًا وسط الأحزاب الدينية التي لا تكتفي بتكفير الآخرين، بل والاستمرار في ملاحقتهم تطبيقًا لما قاله المفكر العربي الراحل الدكتور لويس عوض (إنهم يفتشون في ضمائر الناس).
على أي حال ، وأمام ذلك لا تبقى من فرصة حقيقية من أجل إعادة تموضع المشهد العراقي إلا إذا تم الانتصار لمراجعة سياسية حقيقية تضع بالاعتبار الإخلاص للمنطق الوطني والابتعاد عن نزعة الإقصاء والعزل.

إلى الأعلى