السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات: كبار شعراء لبنان رحلوا من هذا العالم

كلمات: كبار شعراء لبنان رحلوا من هذا العالم

الشاعر سعيد عقل عاش الشام شعراكلمات كبار شعراء لبنان رحلوا من هذا العالم : الشاعر سعيد عقل عاش الشام شعرا

إعداد: زهير ماجد:
هو القدر الذي أودى بنخبة من كبار شعراء لبنان خلال هذا العام .. كأنما تواعد هؤلاء ان يفارقوا بلدهم نهائيا وهم الذين سكنوه وابدعوا فيه جل ماكتبوه. لاشك انها خسارة لاتعوض، حيث رصدهم الموت فحصدهم، لكنهم تركوا وراءهم زادا ثمينا، ارثا من الكتابات المهمة والتي تنضح بزمن مشرق عاشوه، اثر على كيانهم وعلى معتقداتهم وعلى افكارهم.
ودع الدنيا الشاعر أنسي الحاج قبل شهور والذي كان ابرز حالة شعرية في الستينات والسبعينات وما بعده في لبنان والعالم العربي .. لحقه الشاعر جوزيف حرب صاحب الجملة الشعرية بتكويناتها المفتوحة على انقى عطاءات اللغة .. ثم هاهو جورج جرداق يسقط هو الآخر، تمر بينهم جميعا سحابة من الغناء الجميل لزمن اجمل هي المطربة صباح، لكن الخاتمة كانت قبل ايام الشاعر سعيد عقل احد فحول الشعر الكلاسيكي ، بل ربما آخرهم، فاقفل وراءه هذا الباب وراح.
حاولت مرارا ادراج الشاعر سعيد عقل ضمن سلسلة طويلة من المبدعين العرب في برنامجي التلفزيوني ” دفاتر الأيام ” لكنه كان يصر على ان تكون مشاركته مقابل مبلغ مالي معين، وكان يعلل ذلك ان المبدع الذي ليس له راتب ثابت او لديه اموال فمن اين يعيش وكيف .. وكان محقا .. وفي النهاية انتصر علي، فاضطررت لدفع ما اراده وهكذا كان.
ذهبت الى منزله في منطقة عين الرمانة ببيروت، كان منزلا اقل من عادي، وحين سألته عن ذلك، قال انا لا اسرق ولا اتاجر، لو كنت كغيري لرأيت منزلا فاخرا. كان عمره في ذلك الوقت قد قفز فوق الثمانين، ومع ذلك كان كله حيوية ونشاطا، يقفز كالشباب ويصرخ ردا على اي سؤال بصوته العالي الذي تميز به، وبذلك الشعر الذي كأنه يتحدى .. لفترة قصيرة يظن المرء ان الرجل يزعق، لكن اسلوبه في الكلام درج عليه ولم يخنه ولا مرة.
دارت الكاميرا تلاحقه وكان يبدو نشطا اكثر من اللازم .. مازحته حول نشاطه، فاجاب انها راحة نفسية .. كان يمشي كالطاووس اختيالا، حمل الوردة وراح في كل اتجاه طلب منه، لم يراجعني في أي طلب، قال لي انت دفعت، وأنا سألبي ماتريد وهذا حقك .. لكنني بقيت احترم تلك الهالة التي امامي، الى ان بدأ الحوار عن قصة حياته.
هو من مواليد مدينة زحلة في منطقة البقاع اللبناني عام 1912 اي انه أقدم الكلاسيكيين حتى ان البعض يسميه زعيم نيو كلاسيكية، وبذلك يكون قد عاش مائة وسنتين بالتمام والكمال، دون زواج الا مرة واحدة لم تدم سوى ايام، وبدون اولاد بالتالي .. ورغم الوحدة التي تبدو قاتلة لكثيرين، فانه امضى سنوات عمره يفتش عن افكاره وتداعياتها، يريد ان يصل بها الى التطبيق لكنه عاجز، وليس من سبب سوى ان تلك الافكار بحاجة ان تكون واقعية اكثر .. فهو آمن بتحويل اللغة الفصحى الى عامية لبنانية وأنشأ لذلك صحيفة يومية سماها لبنان .. لكن فكرته تلك ماتت مع الوقت او انها دفنت قبل ان ترى النور .. اما افكاره الأخرى فظلت حبيسة نفسه وعندما تخرج منه في مقابلات وحوارات، فإنها تجد طريقها الى الموت الفوري.
كان متعارفا عليه على المستوى الشعبي انه مجبول بتلك الطريقة من الكلام والتفكير والاطلالة على الاعلام .. لكنه في النهاية من فحول الشعر، استاذ كبير في هندسة اللغة الشعرية وفي طبيعة انتقاء العبارات وفي طبيعة الصور الشعرية.
اعتنق سعيد عقل في بداية حياته افكار انطون سعادة المؤسس للحزب السوري القومي الاجتماعي وهو من كتب نشيده، ثم هو من كتب نشيد جمعية العروة الوثقى التي انشئت في الجامعة الاميركية في بيروت خلال الثلاثينات من القرن الماضي .. وهو الذي شارك بقوة في الدفاع عن مصر ابان العدوان الثلاثي عليها عام 1956، وهو الذي غنى لفلسطين اعذب الكلمات حين تحول مستشارا لآل الرحابنة وفيروز فكتب لهم فلسطينيات مرحلة الخمسينات من جسر العودة وصولا الى نشيده ” سيف فليشهر” الذي غنته فيروز وفيه دعوة تقول ” الآن وليس غدا اجراس العودة فلتقرع “. ثم كتب اغنية ” القدس في البال ” التي تقول ” مريت بالشوارع / شوارع القدس العتيقة / قدام الدكاكين البقيت من فلسطين / حكينا سوا الخبرية / عطيوني مزهرية / قالولي هيدي هدية من الناس الناطرين”.
/// شآم التي احبها
لكن سعيدا كان عاشقا للشام، مغرما بها، محبا لها فكتب فيها الأجمل تعبيرا والاكثر حرصا على تبيان عواطفه .. كأنما اراد دائما ان يلح في استعادة انتسابه لحزب ملأ ايمانه هي الشام، او ربما لثمرات من الليالي الملاح الشامية، لكن شعره فيها يحمل اوجها كثيرة، ابرزها ايمانه بتاريخ الشام التي صارت الارض وما عليها بالنسبة اليه.
هاهو مثلا في قصيدته ” بالغار كللت ” يقول ” بالغار كللت ام بالنار ياشام انت الاميرة تعلو باسمك الهام ” .. كلام مدخل لفهم طبيعة علاقته بها. بالطبع جميع ماكتبه عن الشام غنته فيروز ولحنه الرحابنة فجاء مرجعا فنيا خالصا. اما قصيدته الشامية الثانية ” نسّمت ” فتكاد ان تنضح بفكره السياسي القديم حين يقول ” نسّمت من صوب سوريا الجنوب قلت هل المشتهى وافى الحبيب”. ويكمل سعيد في شآمياته متنقلا ضمن ابداعات متعددة وكل قصيدة منها لها رونقها ومعناها وبعدها .. فهاهو مثلا في ” قرأت مجدك ” يقول ” قرأت مجدك في صدري وفي الكتب شآم ما المجد انت المجد لم يغب ” .. لمن يقرأ هذا المطلع الا يكفيه ان يحكم على قائله بانه متيم بالمكان المقصود الذي صوره مجدا اذا ماذكر المجد في حضرة المكان ذاك. واما في قصيدته الأخرى ” سائليني ” فتراه يبحث في القصيدة عن مخرج تعبير عن حاجة الشرق الى الشام فيقول ” ظميء الشرق فياشام اسكبي وأملأي الكأس له حتى الجمام/ أهلك التاريخ من فضلتهم ذكرهم في عروة الدهر وسام / أمويون فان ضقت بهم ألحقوا الدنيا ببستان هشام ” . اما بستان هشام فهو ذلك المكان الرحب الذي ملكه هشام بن عبد الملك الاموي وفيه زرع اطيب الزرع وافضل الفواكه وخير ماكان موجودا لدى تلك المرحلة والتي قيل انها لم تكن موجودة الا في بستانه، ولهذا تغنى به باعتباره حالة اسطورية لكنها واقعية. وفي مرة من مرات حنينه الى الشام التي اعتقد انه لم يعد اليها طويلا قال فيها ابياتا من الشعر مطلعها ” مر بي ياواعدا وعدا مثلما النسمة من بردى” وبردى هو النهر الذي يقطع مسافات داخل العاصمة السورية دمشق ليربط بعدها غوطتها بها .. واجمل ماغنت له فيروز ايضا من تلك الشاميات، قصيدة ” شآم ياذا السيف ” التي مطلعها ” شآم ياذا السيف لم يغب / ياكلام المجد في الكتب / قبلك التاريخ في ظلمة / بعدك استولى على الشهب ” .. الى ان يقول وكأنه عاش المرحلة الحالية حيث الازمة السورية التي تلوي قلوب اهل الشام جميعا، فكانت تلك الكلمات التي كتبها في الستينات من القرن الماضي : ” شآم اذا اهلوك على / نوب قلبي على نوب”.
قال كلام كثيرا يشبه الشآميات التي تمتعه كما اوضح، بل تكاد تكون لسان حاله في حب الشام، لكنه كان عاشقا لمدن عربية عديدة غناها باحلى ماقيل فيها، فكانت العاصمة الاردنية عمّان واحدة منها تحت عنوان ” عمّان في القلب ” ، ثم مكة التي ملكت وجدانه فكانت ” غنيت مكة اهلها الصيد ” ثم ” بغداد والشعراء والصور ذهب الزمان وضوعه العطر ” .. ثم القاهرة ، مصر العزيزة التي لها اكثر من قصيدة وخصوصا اثناء العدوان الثلاثي عليها. سألته لماذا غنيت العواصم والمدن ولم تغن الرجال فاجاب انهم يتغيرون (الرجال) اما العواصم والمدن فباقية ازلية منذ ان تكونت.
وفي الحديث عن رحلة حياته اكد ولادته في مدينة زحلة التي قيل فيها انها مدينة الشعر والشعراء ،، ففيها تغنى احد شوقي برائعته ” ياجارة الوادي ” والتي غناها عبد الوهاب بصوته، ومنها فوزي المعلوف صاحب قصيدة ” عبقر ” . ومنها ايضا الشاعر ميشال طراد الذي صنع لغته الشعبية الخاصة فكانت الفيروزيات ابرزها ..
سعيد عقل شاعر يمكن لكثيرين ان لايتفقوا معه لكنهم يتفقون عليه كونه أبرز شعراء القرن العشرين وواحد من كلاسيكييه العظام، الى جانب الهرم العراقي محمد مهدي الجواهري .. فهو رفض عدة دكتوراة كانت ستمنحه اياها جامعات لبنانية وعربية عدة، ورفض تعليق الاوسمة على صدره وحتى ان منحت له من اي كان، ورفض المال مع انه بحاجة اليه عندما اعلن جائزة باسمه مالبثت ان تبخرت بعد ان تبخر ماله فرفض ان يقوم اي كان بدعمه ماليا من اجل اكمالها، ورفض السلطة والجاه، ورفض لغة الجسد بكل معانيها، باح بالكثير من الحب لبلاده وللبنانه على وجه التحديد. مات قبل ايام وفي خاطره كل ماتربى عليه، فكان لامال لديه في جيبه ولا في المصرف .. ثمة بضعة كتب على الطاولة وقلم واوراق. عاش فوق المائة، لكنه ظل دائما على شعور بأنه طفل يتدرج على شجرة الارز ملتصقا بها كما كان يقول دائما،
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
من قصيدة له في الشآميات بعنوان ” شآم ياذا السيف ” :
شآم ياذا السيف لم يغب
ياكلام المجد في الكتب
قبلك التاريخ في ظلمة
بعدك استولى على الشهب
لي ربيع فيك خبأته
ملء دنيا قلبي التعب
طابت الذكرى فمن راجع
بي كما العود الى الطرب
شآم اهلوك اذا هم على
نوب قلبي على نوب
انا احبابي شعري لهم
مثلما سيفي وسيف ابي
انا صوتي منك يابردى
مثلما نبعك من سحبي
****
اما في لبنان فكانت له عشرات القصائد التي هي مزيج بين الوطني والوصفي والطبيعة والتاريخ وغيره، وتلك احد النماذج:
ما لي أغنيك؟ أهلي النور منبتهم عالون كالأرز جار الله، ما رغموا
ما نكسوا هامة ً الا لخالقها الا للبنان ما دانوا، وما احتكموا
في اثرهم أنا دنياي الجمال وان باعدت، فالسفح من لبنان والقمم
الا اليك الهي ما مددت يدي أجوع؟ من شرفي خبز ومغتنم
ويوم مر ببال أن تكون لنا يراعة بالهدى والنبل تضطرم
على السنى، وعلى شك القنا ربيت على الزئير، أوانات الحمى أجم
ظننت شعرك فخر الدين، منتهرا ً: “جنود عنجر، هذا يومها الهمم!”
يسخى فيسخون، قلت السيف في يده يسخى وتلتفت القيعان والرجم
حرمون في الأفق يروي عن بطولتهم، صنين يغوى بهم تيها ً وينسجم
لله ما ماد من برج، وزلزل عن سرج، ومن قضموا رمحا ً ومن قحموا
هم الأولى أخذوا عن راسياتهم أن القلاع، وأن الراسيات هم!
حتى اذا قال “كفوا، قد عفوت أنا، بحسبي النصر، ما لبنان منتقم”،
تلاحظت من أساها الخيل، صاهلة ً، وفتتت، كاظمات غيظها اللجم،
لكنما عبسة من حاجبيه طغت، فعادت الخيل كالفرسان تبتسم!…

إلى الأعلى