الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / غلاة الصهاينة ينقضون على متطرفيهم!

غلاة الصهاينة ينقضون على متطرفيهم!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

غلاة الصهاينة ينقضون على متطرفيهم. هذا يعني أن الأشد تطرفًا وأكثر عدوانيةً قد ضاقوا ذرعًا بمن هم دونهم تطرفًا وأكثر منهم تعقلًا في إبداء عدوانيتهم. طرد نتنياهو من حكومته تسيبي ليفني ويائير ليبيد. استحقا ذلك لأن تطرفهما بات أقل مما يجب، أو هما يوشِّيانه بمسحة من قليل تعقُّل يعللانه بحرص وحصافة تستوجبه صهيونيتهما، الأمر الذي يقول نتنياهو إنه لم يعد عنده محتملًا. هذا يعني ببساطة أن من هما من أمثال ليبرمان وبينيت باتا الآن الأكثر اعتدالًا في حكومته الراهنة، أو حكومة تصريف الأعمال بانتظار موعد الانتخابات المبكرة التي توافق مع المعارضة على انعقادها في الشهر الثالث من عامنا المقترب. كما يعني أيضًا، أن نتنياهو ما كان ليقدم على ما أقدم عليه لولا اطمئنانه لفوزه المؤكد بتشكيل حكومة ما بعد تشكُّل الكنيست القادم. سيكون له هذا إن لم تحدث المفاجأة ويفضل ناخبو الكيان عليه بينيت… سيكون له، إما متحالفًا مع تنويعات الحراديم، او مع سواهم من فتات متطرف العلمانيين الذين ليسوا بأقل تلمودية منهم، وجميعهم منتج طبيعي لكيان استعماري استيطاني لا ينحو لطبيعته إلا يمينًا، وبالتالي يشكِّل كما هو حاله مفرخة دائمة لغلاته.
عدد نتنياهو الأسباب التي دفعته لأن يطرد ليفني وليبيد شر طردة. رد ذلك إلى ارتكابهما لخطايا ثلاث لم تعد تغتفر، أولاهما، كانت معارضتهما للإصرار على مواصلة الإعلانات عن خطوات تهويدية مستفزة في توقيتات يريانها غير مناسبة، لا سيما في ظل ما تشهده القدس من انتفاضة، يتردد صداها غليانًا شعبيًّا مكبوتًا في الضفة قد لا تفلح قبضة التنسيق الأمني الدايتوني في منع انفجاره، ويتجاوزها إلى المحتل في العام 1948 وغزة المحاصرة، وانعكاس ذلك على أمن الاحتلال. وثانيهما، اعتراضهما على الصيغة الفجة لقانون “القومية” الفاشي، لا اعتراضًا على مضمونه بقدر الحرص على الصورة النمطية الزائفة للكيان الغاصب دوليًّا. وثالثهما، اجتماع ليفني بأبي مازن من وراء ظهره، أو بالأحرى بدون إذن مسبق منه… لم يك نتنياهو سيعدد ما عدده لولا ثقته بأن غالبية سامعيه ممن يتوجه لهم بخطابه في الكيان، هم إما يتفقون معه، أو لا يعارضون ما أنزله من عقاب بمرتكبي هذا الذي لا يغتفر.
يوفِّر راهن المفرخة الصهيونية لنتنياهو وضعًا مريحًا، ذلك، بعد أن وفَّرت له الحالة الفلسطينية البائسة، والواقع العربي المنحدر، والتواطؤ الدولي الفاضح، أفضل البيئات الداخلية الحاضنة والحاضَّة على مزيد من فائض الغلو والزيادة في منسوب التطرف المجاني… ففي مثل هكذا حاله، وحيث لا من وازع يمنع، فليس هناك من رادع يردع، أو ما يستوجب تعقُّلًا مرده خشية، أو تتطلبه حصافة أو حرص، ولا ما يستدعي مداراةً لفجور عدواني سادر لأنه لا يجد من يواجهه… ولنضرب مثلًا:
منذ أمد، حرص نتنياهو على سد كافة المسارب التسووية الموهومة التي جرت محاولات تسويقها، لكنما ظل التسوويون الفلسطينيون والعرب يراهنون على تسليك انسداداتها العصية آملين العودة لطاولة مفاوضاتها العبثية، وظل تهافتهم لبعث رميمها مرتعًا لمعهود النفاق الأوروبي الراقص طويلًا على معزوفة “حل الدولتين” بانتظار أن يخرج الحاوي الأميركي بشائره من تحت قبعته… كان هذا من نتنياهو قبل إقدامه على خطواته العقابية الأخيرة الوائدة لأي أمل في فتح تلك المسارب الصدئة المنسدَّة. وعليه، لم يجد المراهنون الخاسرون سبيلًا للتملص من الوفاء بتهديداتهم الاستدراجية للتفاوض بالتلويح باللجوء للأمم المتحدة سوى إحالتها لجامعة الدول العربية والتلطي تحت عباءتها المهلهلة، فكان مشروع القرار العربي الداعي لسقف زمني لإقامة الدولة الفلسطينية، لكن دونما الاتفاق على صيغته وموعد تقديمه، بمعنى أنها قد أحالت بدورها ما أحيل إليها إلى التشاور مع أولي الأمر في “المجتمع الدولي”، ليس عبر “لجنة الاتصال” إياها، بل باستبدالها بـ”ميني لجنة” تقتصر على الكويت وموريتانيا وثالثهما الأمين العام للجامعة…
من هنا يأتي التحرك البريطاني الفرنسي الألماني لاجتراح مخرج ما عبر نص مختلف عن النص العربي أو يفرغه من مضمونه، ويوفر على الأميركان اللجوء للفيتو، أو يتيح لهم الامتناع عن التصويت، ويفضي إلى ابتداع إخراج ما لجولة تفاوضية قادمة قد يحدد لها سقف زمني، لكنها ستكون في نهاية المطاف مثيلةً لسابقاتها حالًا ومآلًا… بالمناسبة، رمزية الاعترافات الأوروبية بالدولة الافتراضية، وغير الملزمة، أو المؤجلة، أو المعلقة على التفاوض، أو ما ابتدعه البريطانيون للجم الخطوة السويدية، لا تبتعد عن مثل هذا السياق وفي تكامل تصفوي معه، والمدهش أنها تسوَّق الآن كمنجز أوسلوي باهر، والأدهش هو توعُّد رئيس السلطة بأنه إن لم يمرر طلبه في مجلس الأمن لعدم اكتمال النصاب أو بالفيتو، فلسوف يوقِّع المعاهدات الدولية، وسيوقف التنسيق الأمني مع المحتلين، وسيطلب منهم تحمُّل مسؤولياتهم الاحتلالية… إنه هنا يكرر لازمةً سبق وأن رددها، ـ وهو خير من يعلم ـ أن راهن عضوية مجلس الأمن لا تتوفر له فيها أصوات توفر لمناقشة طلبه نصابًا وإن توفر، فالفيتو الأميركي بالانتظار، وأن إيقاف التنسيق الأمني، الذي يتم بإشراف أميركي، يعني خروجه من الربقة الأوسلوية، ودعوته للمحتلين لاستلام المسؤولية يعني حله للسلطة الأوسلوية… فهل هو حقًّا في وارد الإقدام على مثل هذا؟؟!!
…وعود على بدء، الأسباب التي عددها نتنياهو لطرده تسيبي ليفني ويائير ليبيد كافية للجزم بأن لا من خيار أمام الفلسطينيين إلا المقاومة.

إلى الأعلى