الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أدب السجون “مثالي” يكشف عن “أنصاف الحقائق”

أدب السجون “مثالي” يكشف عن “أنصاف الحقائق”

الناقد عمر عتيق لـ”أشرعة”: الرافضون لقصيدة النثر لا يلتفتون إلى جماليات الموسيقى الداخلية فيها
لا توجد معايير أسلوبية أو فنية للقصيدة الفلسطينية
دمشق ـ وحيد تاجا:
اعتبر الناقد الفلسطيني الدكتور عمر عتيق أن النص الادبي “الخالد” لا يكتسب قيمته من التجديد في المضمون بل من التجديد في آليات البناء والتصوير. وحول دفاعه عن قصيدة النثر قال في حوار مع “أشرعة” إن الرافضين لقصيدة النثر لا يلتفتون إلى جماليات الموسيقى الداخلية في هذه القصيدة، وهي جماليات تتخلق في رحم لغة النص من جينات عدة أهمها ماهية الأصوات المفردة ذات القيمة الإيقاعية العالية.
والدكتور عمر عتيق حاصل على درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (علم البلاغة ) . ويعمل أستاذا مشاركا في جامعة القدس المفتوحة، فرع جنين.
نشر ستة كتب (ظواهر أسلوبية في القرآن الكريم .. ثقافة الصورة .. دراسة أسلوبية في الشعر الأموي .. معجم مصطلحات العروض والقافية .. دراسة دلالية إيقاعية .. مرايا نقدية في الشعر الفلسطيني المعاصر .. علم البلاغة بين الأصالة والمعاصرة) وتحت الطبع كتابان (في قضايا المصطلح .. ومعجم مصطلحات علم البلاغة .. رؤية جديدة).
حصل على جائزة في مسابقة عالمية في الإعجاز اللغوي من الأزهر الشريف.
* لنتفق بداية على تعريف الشعر الفلسطيني اليوم، هل مازال شعر القضية الفلسطينية بغض النظر عن جنسية الشاعر، أم انه أصبح مرتبطا بالشعراء الفلسطينيين تحديدا، وبالتالي ما هي المعايير التي تجعل من قصيدة ما قصيدة فلسطينية ؟
** ما دامت فلسطين عصب القومية العربية في الخطابين الثقافي والأدبي، فإن ظهور قصائد من الأشقاء العرب يجسد الانتماء لقوميتنا وعروبتنا، ومن أبرز الشعراء العرب الذين أفردوا قصائد للمشهد الفلسطيني مظفر النواب واحمد مطر (العراق) ، ونزار قباني (سوريا) وأمل دنقل (مصر) وغيرهم من الشعراء الذين لا يقل اهتمامهم عن الأسماء التي أشرتُ لها. اما بالنسبة للمعايير، فلا توجد معايير أسلوبية أو فنية للقصيدة الفلسطينية، فالمعمار الفني للشعر لا يقتصر على شعر إقليمي، ولكن للقصيدة الفلسطينية خصوصية في المضمون، وبخاصة القصائد التي تعاين حدثا خاصا بفلسطين.
* إذا كان الشعر الفلسطيني يدور حول قضية وطنية تاريخها مستمر منذ قرابة قرن من الزمن فكيف يمكن التعبير عن هذه القضية دون الوقوع في شراك التكرار والقول العائم، بمعنى: كيف يمكن اختزال التاريخي من اليومي، ومتى يكون الشعر جزءاً عضوياً من الهوية الوطنية ؟
** لا أرى في التكرار إشكالية إلا إذا كان التكرار في البناء الفني والأسلوبي؛ إذ أن أي حدث يمكن التعبير عنه بتقنيات فنية مختلفة تكفل تفاعل المتلقي مع النص الذي يحقق تأثيرا وإثارة على الرغم من إعادة المضمون لدى غير شاعر؛ فالنص “الخالد” لا يكتسب قيمته من التجديد في المضمون بل من التجديد في آليات البناء والتصوير. ومن البدهي أن يعبر شاعر ما عن قضية تناولها شعراء آخرون، ولكن التقنيات الأسلوبية لدى ذلك الشاعر هي التي تستحق أن تكون شهادة ميلاد جديدة للموضوع القديم.
أما الشق الثاني من السؤال والمتعلق بالعلاقة العضوية بين الشعر والهُوية الوطنية فيحيلنا إلى نظرية الالتزام (الفن للحياة) التي تقتضي أن تتماهى ذات الشاعر مع قضايا الأمة أو الوطن، فالشاعر ليس راصدا للحدث فحسب بل إن الشاعر هو الذي يرسم بكلماته طريقا للخلاص، ويُبشر في شعره بمستقبل منشود انطلاقا من أن الشعر كلمة تختزل الحلم وتحدد طريق الحرية، وعطفا على ذلك فقد قال “موشيه ديان الوزير الصهيوني الأسبق” عن شعر فدوى طوقان (ان قصيدة واحدة من شعر فدوى كفيلة بأن تخلق عشرة فدائيين).
* يرى احد النقاد ان الإنجاز الأهم للشعر الفلسطيني الحداثي، تمثل في خروجه من السياسي / الأيدلوجي إلى فضاء الإنساني، ما قولك ؟
** هنالك فرق جوهري بين قصيدة تختزل منشورا سياسيا، وتعبر عن قضايا أيدولوجية مباشرة، وقصيدة مؤسسة على الرمز السياسي والإيحاء الأيدولوجي، فالأولى عاجزة عن الوصول إلى مشارف الحداثة، والثانية قادرة على التحليق في الفضاء الإنساني؛ فالشعر الفلسطيني في الخمسينات والستينات من القرن الماضي كان شعرا سياسيا أيدولوجيا يعتمد على النبرة الخطابية والمباشرة والانفعال، ثم تحول في معظمه إلى فضاء إنساني، وربما يجد القارئ هذا التحول في شعر يوسف الخطيب، فالجزء الأول من أعماله الكاملة ذو نبرة خطابية ومضمون أيدولوجي مباشر، والجزء الثاني أقل أيدولوجية وأكثر انفتاحا لمخاطبة القارئ الإنسان بصرف النظر عن قوميته وأيدولوجيته. وأزعم أن شعر محمود درويش أقرب إلى الفضاء الإنساني من غيره من الشعراء.
* يلاحظ ابتعاد الكثير من الشعراء الفلسطينيين، بشكل خاص، عن الموضوع الفلسطيني في الآونة الأخيرة، وتقوقعهم أكثر فأكثر حول ذاتهم، كيف تفسر هذا التوجه ؟! وهل تمثل عودة الشاعر الى الذات انسلاخا عن مجتمعه وقضيته؟
** يحيلني السؤال إلى دراسة أنجزتها منذ أشهر موسومة بـ(صورة أوسلو في الأدب الفلسطيني) وقد شاركت بهذه الدراسة في مؤتمر علمي عقد في الأردن، ونبهت في هذه الدراسة إلى حالة الشعور بالخيبة والانكسار في القصيدة الفلسطينية بسبب اتفاقية أوسلو التي كانت وعدا كاذبا لم يحقق الحد الأدنى من الثوابت الوطنية التي شكلت المقومات الموضوعية للقصيدة الفلسطينية. ومن أبرز مظاهر الانكسار والخيبة في الشعر الفلسطيني بعد مرحلة أوسلو صورة العودة “الناقصة” في نصوص الشعراء والأدباء الذين سُمح لهم بالعودة إلى فلسطين ، وبخاصة الشعور بالخيبة والانكسار في قصائد محمود درويش وأحمد دحبور اللذين عادا إلى الوطن ولم يجدا وطنا !.
* بالتالي، وفي ظل البحث عن ذاتية الشاعر وعدم المباشرة، هل تظن أن الشاعر الفلسطيني ستكون له نفس الشهرة وسيكون لشعره نفس الصدى والانتشار، لاسيما وان البعض يقول إن الشعر الفلسطيني شعر مرحلي وسيزول بمجرد انتهاء القضية الفلسطينية؟
** إذا أحسن المتلقي تأمل مضامين القصيدة الفلسطينية يجد أن المضمون ذو طابع إنساني؛ لأن تصوير الشعراء لقضايا الحرية والتحرر والكرامة، ومفردات معجم “حقوق الإنسان” ينفي عن الشعر الفلسطيني صفة “الشعر المرحلي” ، فالشعر يتسع صداه ويكتسب الانتشار إذا عبر عن الهّم الجمعي أو الإنساني ، وما دامت مفردات المعجم الشعري الفلسطيني ذات بعد إنساني فإني أزعم أن مضمون الشعر الفلسطيني باق غير قابل للزوال بشرط أن يُحسن الشاعر اختيار منظومة التقنيات الفنية، وبخاصة تقنية “التناص” التي تتيح للشاعر أن يعبر عن حدث فلسطيني باستدعاء حدث عالمي أو شخصية إنسانية ، كما فعل سميح القاسم في استدعاء شخصية “أوديب” في تصوير محنة الفلسطيني ، والأمثلة كثيرة …
* من المعروف انك من النقاد المدافعين عن النص النثري، فكيف ترى واقع قصيدة النثر الان، لاسيما ان من يهاجمها يقول إنها بلا موسيقى، ويرى أن الشعر هو اللغة المتزوجة زواجا شرعيا طبيعيا جدا من الموسيقى في حين إن النثر يجاور الموسيقى، يقاربها، يتحدث إليها، ولكنها ليست من صميم كيانه بالذات؟
** ومَنْ يجرؤ على القول: إن النثر خال من الموسيقى ؟ أليست اللغة العربية مؤسسة على نظام سداسي من المقاطع الصوتية ؟ أنا قلق من تقسيم النص الأدبي إلى ثنائية الشعر والنثر؛ لأن النص في رأيي هو نص إبداعي سواء كان شعرا وفق قوانين الخليل بن أحمد أو كان نثرا تحكمه الموسيقى الداخلية. إن الرافضين لقصيدة النثر محكومون بمعايير البحور الشعرية وهي معايير مقيدة بالموسيقى الخارجية التي لا تتجاوز الوزن العروضي ونظام القافية. وهؤلاء الرافضون لقصيدة النثر لا يلتفتون إلى جماليات الموسيقى الداخلية في قصيدة النثر، وهي جماليات تتخلق في رحم لغة النص من جينات عدة أهمها ماهية الأصوات المفردة ذات القيمة الإيقاعية العالية. كما أن مسألة استقلال الجنس أو النوع الأدبي عن غيره من الأجناس الأدبية باتت مسألة مشكوكا في استمرارها ؛ لأن النص بدأ منذ وقت طويل يتخلى عن هُويته ، وهو أمر يُعرف بتداخل الأجناس الأدبية.
* يرى الشاعر عثمان حسين بان شاعر “الشعر الحر أو “قصيدة النثر” ليس بحاجة لمعرفة الأوزان الشعرية (العروض) التي تلزم شاعر العمودي أو التفعيلة فهما ـ حسبما يرى ـ شكلان شعريان لهما خصوصيتهما التي لا علاقة لها بالوزن والقافية إلا عفواً، ما رأيك أنت في هذا الامر؟
** لا يخفى أن الشعر العمودي يقتضي الالتزام بالبحر العروضي والقافية الموحدة ، وأن قصيدة التفعيلة (الشعر الحر) – والصواب أن يُسمى شعر تفعيلة – تعتمد على وزن تفعيلة من التفاعيل الثمانية المعروفة مع جواز تغير نوع التفعيلة من مقطع إلى مقطع في القصيدة الواحدة عندما تتحول “الدفقات الوجدانية والمنظومة الدلالية”. أما ما يسمى “قصيدة النثر” فلا تلتزم بحرا عروضيا أو وزن تفعيلة” وعلى الرغم أنني من المدافعين عن النص النثري فلست مع تسمية ” قصيدة النثر” بهذا الاسم ؛ لأن القصيد محكوم بالمعايير التي أشرتُ لها ، وأرى أن تكون التسمية “نص نثري” ، ولا تقدح هذه التسمية بالمستوى الإبداعي للنص المكتوب .
* لفت نظري ان معظم الشعراء الشباب ، وخاصة في غزة ، يلجأون الى قصيدة النثر تحديدا، وكأن التخلص من رواسب الماضي الشعري سيكون عبر هذا الطريق، وعبر هذه القصيدة، ما رأيك، وما هو السبب وراء انتشار قصيدة النثر في غزة؟
** من المرجح أن يكون السبب عدم معرفتهم بالبناء الإيقاعي لشعر التفعيلة، وليس رغبة في التخلص من “رواسب الماضي” ؛ لأن النظام الإيقاعي لشعر التفعيلة ليس مجرد ثقافة موروثة يرغب جيل الشباب بالتخلص منها . ومن المفيد أن أؤكد هنا أن الشكل الفني والإيقاعي لا ينفصلان عن المضمون؛ أي أن الفكرة والإيقاع والشكل عناصر تتخلق معا وتولد معا؛ إذ من المستحيل أن يبحث المبدع عن شكل فني أو قالب إيقاعي لفكرة تمور في ذهنه.
* كيف ترى تعامل الشاعر الفلسطيني مع ثنائية التراث والمعاصرة، والى أي مدى نجح في المزواجة بينهما، وبالتالي إلى أي مدى يمكن أن يساهم التراث الشعري في خلق صيغ جديدة، وهل تتطور الصيغ فعلاً مع تطور العصر؟
** الجمع بين التراث والمعاصرة ظاهرة مائزة في الشعر الفلسطيني، ولا أدّعي أن شيوع هذه الظاهرة سمة تميز الشعر الفلسطيني عن الشعر العربي عامة ، لأن الشعر الفلسطيني امتداد للشعر العربي في البناء الفني والأسلوبي . وإذا أردنا أن نبحث عن خصوصية فلسطينية في سياق الجمع بين التراث والمعاصرة نجد جوانب تراثية تكاد تقتصر على الشعر الفلسطيني بسبب خصوصية الدلالة الرمزية ، نحو توظيف التراث الشعبي في الحالة الفلسطينية وبخاصة قصة مقتل (كليب) الذي كتب وصيته بدمه كيلا تتم المصالحة مع الأعداء ، أو توظيف بعض القصص الدينية وبخاصة قصة يوسف التي ترمز إلى تخلّي الأخوة عن أخيهم، ولا يخفى أن انصهار التراث بالمعاصرة يُسهم في توسيع آفاق التلقي ، والكشف عن البنية العميقة للنص الشعري.
* الحديث هنا يجرنا الى السؤال عن سبب عدم حسم موضوع الحداثة في الشعر أو في الأدب عمومًا بين مثقفينا حتى الآن؟
** حسم موضوع الحداثة في الشعر بحاجة إلى الاتفاق أولا على مفهوم الحداثة نفسها ! هل تكمن الحداثة في التعبير عن موضوعات “جديدة” أم تكمن الحداثة في آلية الكتابة أم تكمن في مناهج النقد وطرق التلقي ؟
* وما رأيك أنت؟
** في رأيي تكمن الحداثة في آليات الكتابة والقراءة، ولا علاقة للموضوع بالحداثة، إذ أن التقنيات البنائية ( الفنية / الأسلوبية ) هي التي تمنح النص سمة الحداثة. والحداثة أيضا في المناهج النقدية المتبعة في قراءة النص ، ولا يخفى أن العلاقة بين التقنيات البنائية وآليات القراءة علاقة عضوية.
* يلجأ معظم الشعراء الفلسطينيين الى استخدام الأسطورة في قصائدهم، أو استلهام الشخصيات التراثية واستنطاقها، لماذا برأيك؟
** بعض الأسباب يعود إلى أن الشاعر بحاجة إلى مرجعية يستمد منها عزيمة وقوة وعنفوانا وغيرها من القيم المفقودة أو النادرة في الزمن الحاضر ، فيستدعي الشخصيات الأسطورية أو التراثية ويتقمصها أو يمتص منها مواقف تحفظ له توازنا نفسيا وفكريا في ضوء معطيات مشبعة بالهزيمة والإحباط والاحتقان ، لذا نرى الشعراء يلوذون بشخصيات أسطورية مثل جلجامش أو تاريخية مثل صلاح الدين . وبعض الأسباب يرتبط بحرص الشاعر على توسيع فضاء التلقي لشعره حينما يستدعي الشخصيات ذات الامتداد الثقافي الكوني .
* في كتابك (مرايا نقدية في الشعر الفلسطيني المعاصر) تناولت بالبحث كل من الشاعرتين وفاء عياشي وايمان مصاروة، وسؤالي كيف ترى المشهد الشعري في الوسط النسائي الفلسطيني تحديدا ؟
** ربما يكون حديثي هنا “تغريدا خارج السرب” ! لأني أرفض وجود مصطلح أدب نسوي أو نسائي ، ولا أرى لهذا المصطلح مبررا لوجوده وشيوعه في الدرس النقدي ، لأن النص الإبداعي ينتجه مبدع بصرف النظر عن ثنائية الرجل والمرأة . كما أن مصطلح “أدب نسائي” يفتح مجالا افتراضيا لوجود أدب “رجالي” وهو أمر غير معقول . ولا يخفى أن المرأة المبدعة قادرة على الكتابة في موضوعات قد يعجز عنها الرجل ، والعكس صحيح . ولكن لا نستطيع ان نُغفل قدرة المرأة المبدعة على الدخول في أعماق المشهد النسائي ، ولكن قدرتها ومهارتها لا تبرر وجود مصطلح “أدب نسائي” . وحينما أكتبُ عن شاعرة أو روائية فأنا أتعامل مع نص مكتوب يتصف بشبكة من العلاقات اللغوية البنائية ، ولا يعنيني جنس الكاتب أكان رجلا أو امرأة .
* أيضا، من الظواهر اللافتة ان الشاعرة الفلسطينية، كما الشاعرات العربيات بشكل عام، لا تكتب الشعر العمودي وإنما انطلقت إلى النثر والتفعيلة، كما هي بعيدة نسبيا عن خوض غمار النقد الأدبي؟
** اختلف معك في الجزء الأول من السؤال واتفق معك في الجزء الثاني ؛ إذ أن معاينتي لإصدارات شعرية لشاعرات فلسطينيات تؤكد وجود القصيدة العمودية إلى جانب قصيدة التفعيلة والنص النثري وإن كانت القصيدة العمودية قليلة واعتقد أن هذا المستوى الكمي للقصيدة العمودية سمة عامة للإصدارات الشعرية المعاصرة. أما بُعد المرأة عن ميدان النقد فهو أمر يستحق أن نبحث عن أسبابه ، ولكن هنالك محاولات نقدية نسائية على الرغم أنها محاولات لا تتجاوز الدائرة الأكاديمية . ثم ألا توافقني القول: إن قلة وجود ناقدات تكاد تكون مسألة عالمية ؟!
* من الظواهر اللافتة أيضا في الشعر الفلسطيني المعاصر، كما هو حال الشعر العربي ، لجوء معظم الشعراء إلى التراث الصوفي واستخدام العديد من التعابير الصوفية في قصائدهم، ما رأيك؟
** نعم ، ظاهرة لافتة ، ولكنها لا تقتصر على الشعر الفلسطيني ، وأزعم أن لجوء الشاعر إلى الفضاء الصوفي هو محاولة من الشاعر لتتماهى الروح مع الجسد في محراب القصيدة بهدف إعادة صياغة الكون وفق رؤية صوفية بعيدة عن المؤثرات الحسّية ، والأعراف الاجتماعية والثوابت الفكرية .
* إذا تحدثنا عن أدب السجون في فلسطين، كيف تقيم ما كتب من شعر في إطار هذا الأدب، لاسيما ونحن نعيش تجربة متميزة للنضال الفلسطيني في السجون الإسرائيلية هذه الأيام؟
** في حدود ما قرأت يعد أدب السجون أدبا “مثاليا” ، يكشف عن “أنصاف الحقائق” ويحول شخصية السجين إلى بطل مثالي، وفدائي يقترب في صفاته من القديسين، ولا يروق لي هذا المشهد المثالي، إذ ينبغي أن يكون أدب السجون واقعيا. ولكن ما راق لي مؤخرا وأدهشني ما كتبه الأسير كفاح طافش في كتابه (هواجس أسير) الذي أنجزه داخل السجن، وقد كتبتُ رؤية حول الكتاب بعنوان (وهج الحقيقة في كتاب هواجس أسير).
* في ذات الإطار يرى بعض النقاد ان أدب السجون يشهد حالة جزر، فما رأيك، ولماذا؟
** أكاد أجزم أن الإنتاج الأدبي للمعتقلين لم يشهد تراجعا، ولكن انخفض عدد الإصدارات الأدبية للمعتقلين، والسبب في الغالب هو ارتفاع تكاليف إصدار الكتاب في وقت تسجل فيه المؤسسات الثقافية انحسارا وتراجعا عن دورها الثقافي تجاه المعتقلين .
* بالتالي كيف ترى المشهد الشعري الفلسطيني في (أراضي الـ 48 والضفة والقطاع) وأين هو من حيث المضمون والفنية من الشعر في الشتات ؟
** كتبتُ عن عشرة إصدارات لمبدعين (شعراء وكتاب) من فلسطين المحتلة عام 1948 ، ولم أجد اختلافا في المضمون أو الشكل الفني بين تلك الإصدارات والإصدارات في الضفة الغربية أو قطاع غزة ، بل إن من الموضوعات التي تحدث عنها بعض المبدعين في فلسطين التاريخية هي موضوعات من صميم الحياة السياسية والاجتماعية في الضفة والقطاع ، وبخاصة صورة الانتفاضة والمخيمات . وربما الإشارة الوحيدة التي تعد سمة لبعض كتاب فلسطين التاريخية هي مشكلة التجنيد الإجباري للدروز التي تصدى لها أحد الكتّاب.
* أيضا تناولت في كتابك كلا من الشاعرين احمد دحبور وعز الدين المناصرة، وسؤالي ما الذي يميز كل منهما برأيك؟
** أحمد دحبور أكثر ذاتية من المناصرة ، فقد كتبتُ دراسة بعنوان (نبض السيرة الذاتية في شعر أحمد دحبور)، والمناصرة أكثر توظيفا للتراث الفلسطيني وبخاصة اللغة التي تقترب من اللهجة العامية .
* سؤال يطرح نفسه بعد غياب عدد من القامات الثقافية والفكرية الفلسطينية، لماذا لا نرى المشهد الجديد، وما الذي يمنع من ظهور قامات جديدة بحجم هذه القامات التي تسقط؟
** لدينا إشكالية ثقافية، سماها النقاد قديما (عبادة البطل)، ولا تقتصر هذه الإشكالية الثقافية على القامات الأدبية ، بل تمتد إلى القامات السياسية والدينية . وأرى أن الفراغ الذي يتركه رحيل قامة من القامات هو فراغ مؤقت . ومن المؤكد أن حجم القامة الأدبية ـ في الغالب ـ لا ينجم عن الإبداع فحسب ، بل إن دور المؤسسة السياسية أو الثقافية والإعلامية لا يقل أهمية عن دور النص الإبداعي لأصحاب القامات الأدبية، هنالك قامات أدبية باسقة لم تأخذ حقها إلا في محافيل التأبين! وهناك قامات في حقيقتها أقزام !
* سؤال أخير، كيف تنظر الى ما يطرح حول مسألة التطبيع الثقافي مع الكيان الصهيوني ؟
** التطبيع حالة استسلام ترافقها هتافات بالنصر ! لأن خطورة التطبيع تنبع من إعادة صياغة الوعي بالثوابت الوطنية والقومية .وإعادة قراءة التاريخ بما يتفق مع منظور الآخر ، ومن المؤكد أن إعادة فهم التاريخ ستؤدي إلى “تزوير الجغرافيا” . وينبغي أن نفرق بين إشكالية التطبيع في سياقه السياسي، وضرورة المثاقفة التي تقتضي الانفتاح على الثقافات الأخرى شريطة الندّية والاحترام المتبادل بين الثقافات المختلفة .

إلى الأعلى