الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الوصول إلى جوهر التّشكيل

الوصول إلى جوهر التّشكيل

قراءة في تجربة الفنان الأردني محمد العامري

يقصد الفن بحق غاية روحية عندما يحيّد المادة التي يستخدمها ويظهرها ضمن أفق صوفي وحدسي ويجعل من أدوارها أدوارا رمزية تحيل إلى ما يحصل في الداخل، فهي تستخدم كما لو أنها رجع صدى داخلي فهي لا تقول الشيء المادي بل هي توق الى ذلك النابع من الداخل، توقظ لا مادية الشيء، تثير الحدس من خلال إعادة إنتاجها إنتاجا داخليا بما معناه البحث عن سياق جديد يضخم الصدى الداخلي ويظهر بعض الطاقات الروحية الخفية .
فالفنان التجريدي عادة يلجأ إلى تحرير الأثر الفني من المحسوس وهذا شكل من أشكال إعطاء بعد روحي للمادة من خلال تلك الذات المنتجة بما هي مصدر الأشياء في الفن التجريدي وليست الطبيعة التي تمثل مادة بلا معنى لدى الفنان حيث يغيّر مراجعها بالألوان والأشكال من خلال إعادتها إلى أصلها الذاتي والروحي.
وهذا بالضبط ما يحدث مع الفنان الأردني محمد العامري حيث يصدر الأثر الفني عن ذاتيته عن موهبة وإبداع هو بالتالي يعكس حالة ذاتية لأنه في حقيقة الأمر تشكيل ذاتي لمعنى آخر، أثر الذات في المادة بما أن الفن هو تعبير حسي لأفكار الفنان، فالإبداع والإضافة في أعمال العامري متأتية من فكره حيث يسعى من خلال آثاره إلى تحقيق وظيفة ذاتية أو ميتافيزيقية كلما تمكن فكره وروحه من النفاذ إلى المادة، أو بالأحرى عندما يفسح المجال للروح كي تتجلى في المحسوس فالفن هنا يساهم في إعلاء الأشياء والسمو بها فهو إما يدرج روحا في المحسوس أو مادة في الفكر وفي كلتا الحالتين الفن إعلاء. وهذا بدوره ينتج حالة حرة من التداعي الحر حالة تهز الفكر والنظر، أكثر مما تهز الحواس.
فماهية الفن عند العامري هي ماهية خالصة مطلقة تنتج عن ملامسته روحه وقدرته أن يشّكل من خلال آثاره الفنية مناسبة تستكشف فيها روحه وبعضا من وجوهه فيكون من خلال فنه عند ذاته، فجمالية الأثر الفني لديه تتولد في تلك اللحظة التي ننتقل فيها من المحسوس إلى ما بعده وما تنتج عن تلك اللحظة من إثارة، هذه الأخيرة التي لا تحصل لدى متلقي الأثر الفني بمجرد المشاهدة بل بالتأمل من خلال ما ينتشر داخل اللوحة من صور بطريقة معلنة وخفية في آن، حيث يميل العامري من خلال أعماله إلى العودة إلى ذاته إلى الداخل إلى الحيادة الداخلية.
ففضاء لوحات العامري هو فضاء روحي بامتياز خاضع لصور وأشكال وتأليفات تمتع المشاهد وتثيره وتجريدها هو الذي يحركها ويهزها فالعمل الفني التجريدي يحيل دائما إلى الذات إلى الداخل إلى إنسانية الكائن فتتجلى روح الفنان متسامية منطلقة.

آثار العامري واقعة لونية وخطية
آثار العامري الفنية هي تمركز لوني وخطي متداخل تخفي وراءها عبارات تولد نسيجا بصريا ملونا، قرافيزمات خطية توحي بأشباه كتابة مستعجلة، تعامل من خلال لوحاته بشكل مغاير مع الأفقية حيث أخرج ألوانه وخطوطه من البياض الذي يلفها لتتصدر المشهد فتعدد الأشكال والألوان بطريقة مسترسلة يلغي كل تعثّر أو اضطراب كأنها أجسام تبحر في زرقة الخط المتمازج بالأسود.
خطوط منحنية مغلقة لتصنع إيقاعا حركيا مشطّا في محاولة للهروب من التعامل التقليدي مع اللون والخط بالنزوع إلى الهروب نحو التلقائية واللاتحديد وهكذا شحن فضاءاته الملونة بذبذبات متغيرة وتطويعها حسب فكره لتجاوز حدود المعنى وشكّله كواقعة لونية تنصهر داخل تراكيب لا محدودة تساعد على الإبحار في ثنايا الشبكة وتستدرجنا إلى تفكيك فتحات المتاهة اللونية والخطية بصريا. حالة تأهب قصوى للوصول إلى خفايا النفس المبدعة من وراء هذا السكون الملهم الذي يلف سطح اللوحات، لفحات صوفية تعانق الفضاء في عزلة وتخمر الكائن. هذا السكون وجماليات حركته ودلالتها الذهنية والروحية والتشكيلية كامن أساسا في الخط كشكل قائم الذات وفي اللون كأداة للفنان.
خطوط رقيقة وبقع لونية تعانق المحمل فتتوالد أشكال هندسية وغنائية في حركة دائرية كأنها دعوة للانعتاق من الحدود ودفعا بهذا الخط اللامتناهي، وهذا اللون المجرد من ماديته هو أسلوب العامري التجريدي الذي يضطرب حينا ويلتف حينا آخر ويمتزج فيه الخط باللون ليغوص بنا في مجالات الرمز والدلالة ثنائية التوتر والهدوء بين خط و لون.
العمل حلبة راقصة، رقصة الوجود والفناء أساسها خطوط وألوان تبحث عن حقيقة وجودها في ما وراء الظواهر والمعتاد كأنها هيئات أخذت في التكوين، متحررة من قيود المادة ومحدثة بدورها مسارا مرتعشا ينبئ بوحشة مطلوبة أو ربما خلوة وتوحّد الكائن من خلال التواءات والتفافات تلك الحركية غير المعلنة في نسق خطي ولوني سريع لا تحكمه قوانين قديمة ولا ينبئ بخضوعه لقوانين جديدة، أعمال جامعة لمسارات الخط واللون المناسبة لتكوّن ازدواجية الانفتاح والانغلاق الكامنة في الذات ومنها في الحركة المتصلة باسترسالات الخط.
يأخذ العامري محمله المسطح ليصبح ذا عمق وليكتب عليه اشتغال فكره، باشتغاله على مركز معين يحصر الإطار حين يسرع في الحركة ينطلق من تشكيلات تبدو لنا بسيطة، نقطة، مركزا وكأنه يبني منطقة الوسط أهيم بين أشكال مختلفة، أحسه يطمح إلى الوصول بها إلى مرحلة النقاء الكامل لإعطائنا تلك الانطلاقة الوهمية في الفضاء، هل يعيد إنتاج المعتاد أم هو بصدد إنتاج اللاملموس في ذلك المعتاد؟
اختيارات العامري غير بريئة رامزة نزوع غير معلن نحو حركة صوفية ترتقي بالمتذوق إلى مستوى تشكيلات إبداعية دون الشعور بالغرابة، تخلق بعدا ثالثا للوحة المسطحة حيث تخترق خطوطه ومساحاته اللونية الصريحة الحقل البصري للمتلقي من خلال تلك الحركية المستبطنة لكل من الخط واللون حيث يصبح كل منهما رموز وإشارات دون دلالة أو معنى مباشر، يحاول العامري تغيير منطق الأشياء ومظاهرها المرئية من خلال التركيز على معانيها الرمزية.
فتصبح طبيعة مكونات لوحة محمد العامري من لطخ وبقع أو كتل ومساحات ذات دلالات جديدة لا نتعرف بيسر إلى طبيعتها، فالخطوط يمكن أن تتحول إلى لطخة إذا كانت عريضة واللون يمكن أن يكون خطا إذا كان سميكا، تلاعب بحقائق الأمور، مدّات استدارات تداخلات بين الأحجام والكتل هي بمثابة واقعة لونية يستعرض من خلالها العامري ما في جرابه من خبرات السنين.

لحظات الإبداع .. لحظات حب، موت وصلاة
لحظات الفعل لدى العامري هي لحظات من عشق وخشوع وفناء ،هو بصدد توليد منطق جديد للصورة فكل شيء يسكنها وهي بصدد طرده إلى الخارج ليلامس الحضور ولقاء النوايا الخفية.
الفكر هو المرسوم هو اعتراف ضمني بانهزامه أمام الفن هو نوع من التمرد والخضوع ، جرأة ودقة وعمق، الفكر المرسوم في أعمال الفنان هنا هو فكر مخبأ في بواطن الذات والأشياء فيصبح معه المقترح الفني ذا قداسة لأنه أداة من أدوات الكتابة والتعبير عن الدواخل وهذا ما يرتفع به ويسمو لأنه يصبح بمقتضاه حاملا لرسالة إبداعية نابعة من صدق الدواخل.
العامري يعمل على إفراغ مواده من صيغها القديمة والمتداولة ويستدعي من خلالها أدوات أخرى أكثر عمقا وأكثر دلالة في جوهرها هي عبارة عن طقوس عبادة خاصة وكامنة في الروح تمتد فقط هناك في العمق، لتصبح هذه الأدوات مخصوصة في التنظيم والتركيب والإضاءة بمثابة مادة محركة ومؤثرة ومتحكمة ، حركة الأحجام ليست كتلا مادية بل هي فضاءات حيّة وهي التي تنمّي اللوحة والإحساس، بل أن اللون يحيي المادة وحركة اللون تظهر الموضوع أو تحييه عندما تغطيه أو تلبسه ثوبا أو معنى فهي تذوبه داخل ما يسميه مالفيتش بالطاقة المثيرة للوجود اللامشخص أي الوجود الناقد لمواضيعه المادية فهي حركة تنتج وجها صوفيا وتصويريا هو يمثل طاقة وذبذبة لها من الكثافة والصلابة ما يجعلها قادرة على ترجمة الوجود الجمالي أي الوجود المثير، بمعنى أوضح أثر العامري هو الذي يوجد في الألوان وليس العكس.
يوغل العامري في الرمزية للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه وهذا اختيار بما أن وظيفة الرمز على حد رأي ليفي ستروس هي جعل الإنسان يعقل ذاته والعالم من حوله، فالرمز معقد ولا يدرك إلا بفهم الفكرة التي يرمي إليها الفنان وهذا ناتج عن ارتباط تلك الرموز الفنية عادة بالذات المبدعة. لهذا نرى في أعمال العامري نزوعا بالفن نحو كل ما هو متخيل أكثر من العمل على موضوع بذاته أو هو أقرب إلى تبني نظرية خاصة في رؤية للعالم والأشياء ،هو يجرد كل شيء من حقائقه السابقة والمسلمة آثاره هي على حد رأيه تمارين لمحو المسلمات، الفنان هنا في مواجهة الطبيعة هو بصدد تكوين فكرة عن العالم الخارجي أو بالأحرى بصدد اختصار حقائق الموجودات الغائبة في رموز معينة للتخلص من المعطى الموضوعي لها ويذهب بها من خلال الرمز إلى أبعد من ذلك ليصبح أداة إنتاج شيء جديد لكشف خفايا الذات الإنسانية أو ربما للاقتراب من جوهر الوجود.
يوحي العامري من خلال أشكاله وألوانه إلى أشياء لها دلالات باطنية يتوحد من خلالها الفنان مع ذاته فينتج أثرا هو أقرب إلى “تخميرة” وجودية تترجم غياب الفنان عن هذا العالم نحو آخر صوفي يمكّننا من رؤية وجود في الأشياء كما يقول كاندنسكي ” الفنان يتسامى بالطبيعة الميتة ويماثل بينها وبين المواضيع الحية فهو يعامل هذه المواضيع معاملة الإنسان لأنه يتمتع بموهبة رؤية الحياة الداخلية حيثما نظر”(كاندنسكي –الروحي في الفن-الصفحة 97)

دلال صماري
فنانة وناقدة تشكيلية تونسية

إلى الأعلى