الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / السفينة سلطانة .. ما بين الرؤية الدرامية وأوجه تحديات الإنتاج (1-2)

السفينة سلطانة .. ما بين الرؤية الدرامية وأوجه تحديات الإنتاج (1-2)

الحديث عن رحلة السفينة سلطانة كحدث تاريخي أولا، وكمشروع لفيلم وثائقي أو فيلم درامي أو فيلم يجمع السياقين معا ثانيا حديث شيق، وهو بقدر ما يفتح آفاق الفكر ويلج صفحات ناصعة من التاريخ العماني المجيد، بقدر ما يطلق العنان لأساطين الخيال لتمرح في المجهول من عالم البحر، والزمن الغابر، واللقاء المدهش بين ثقافتين مختلفتين تمام الاختلاف في عصر لم يكن قد دشن بعد حوار الحضارات. ورغم أن مداخلتي هذه ستلتزم منهجا أكاديميا في الطرح، من حيث المبدأ، إذ ستتضمن مقدمة ومتنا وخلاصة ومصادر، إلا انني سأعضد ورقتي بحدثين مهمين وإن بديا شخصيين للوهلة الأولى، إلا أنهما على علاقة وثيقة بالموضوع الذي نحن بصدده.
الحدث الأول اخراجي لعرض مسرحي عن رحلة السفينة سلطانة كتبه الصديق فاروق صالح من جمهورية مصر العربية عام 1993م بمناسبة العيد الوطني الثالث والعشرين للسلطنة، وكان مقيما لسنوات طويلة في السلطنة، وقد ركزت المسرحية آنذاك على الاحداث فوق السفينة منذ انطلاقها من عمان “زنجبار”، حتى وصولها الى نيويورك، كانت هذه المسرحية تجربة حية رسخت هذا الحدث في وجداني وذاتي، ورغم أن التجربة المسرحية كانت يانعة واقرب الى مسرح الهواة منها الى المسرح المحترف، إلا أن أحداث المسرحية وشخصياتها مازالت ماثلة أمام عيني رغم محاولاتي الدءوبة للتحرر منها لصالح رؤية فنية مغايرة وجديدة لهذه الرحلة التاريخية المهمة.
أما الحدث الثاني فيتمثل في زيارتي في مطلع هذا العام لزنجبار، حيث وجدت نفسي وجها لوجه مع قصر المتوني وبيت الساحل والميناء الذي ابحرت منه سلطانة وآبت اليه، وجدت نفسي في أحضان المنجز الحضاري العماني في هذه الجزيرة الذي أهل لاطلاق مثل تلك الرحلة الرائدة، وجدت القصور والدور والمباني الرسمية والموانئ والأسواق والأزقة والحارات والنظم الحياتية التي أسسها العمانيون عبر تاريخهم الطويل في الجزيرة، رأيت السيد سعيد بن سلطان في قصوره ودواوين حكمه وهو يخطط ويرتب للرحلة بنظره الثاقب وحدسه المستنير، عشت المكان والبيئة والأجواء الحياتية التي انطلقت منها السفينة وانطلق منها روادها، تلك الزيارة قربت الرؤية وجعلت المساحات الزمنية بين الحاضر والماضي تتماهى في لوحة تكاملية ثرية زاخرة بوحي الفكر والصور الجمالية المكانية. حتما سيرفد هذان الحدثان في ورقتي هذه رفدا طيبا على ما أعتقد.
أما متن هذه المداخلة فسيمضي في مسارين رئيسيين، كلاهما سيلتزم حدود الانسجام مع العنوان والمضي في سياق المحور المخصص، فالمسار الأول سيبحث في مفردات الدراما أو الرؤية الدرامية في هذا الحدث التاريخي الكبير، حيث يبرز الاحداث والشخصيات ذات الوقع الدرامي البين وذات القابلية على التطويع والتشكيل والتطوير، وفي المسار الثاني ستتعرض الورقة الى التحديات التي قد يواجهها انتاج فيلم درامي عن هذا الحدث التاريخي المهم والحساس في بعض جوانبه، وهو مسار أراه مهما في ندوتنا هذه لأنه يمهد لخطوات ما بعد الندوة مباشرة.
وستكون خلاصة الرأي هي المحطة التي ستنتهي عندها الورقة.

أولا: الرؤية الدرامية
إن البحث الذي كتبه السفير هيرمان فريدريك إيلتس سفير الولايات المتحدة الاميركية السابق في جمهورية مصر العربية، عن رحلة السفينة سلطانة والذي ترجم وطبع من قبل وزارة التراث والثقافة في سلطنة عمان تحت عنوان “سلطانة في نيويورك”، مرة أولى في سبعينات القرن الماضي، ومرة أخرى في ثمانيناته، يمتاز أي البحث بعناية سردية ووصفية من قبل الكاتب للاحداث التاريخية مما جعلته اقرب الى القصة الروائية، وكلنا يعرف كم هي القصة أو الرواية قريبة من امكانية التحول الى انتاج سينمائي درامي متميز، والمتأمل في البحث يجد أن الكاتب صير الاحداث في ثلاث مراحل واضحة المعالم:
- مرحلة الرحلة على ظهر السفينة وما تعرضت له من أحداث.
- مرحلة وجود البعثة العمانية في نيويورك وما صادفها من أحداث.
- مرحلة عودة السفينة الى زنجبار والنتائج التي ترتبت على الرحلة.
فهل يمكن تتبع كل مرحلة من تلك المراحل بما لها من طبيعة وظروف ومجريات لتكون مادة فيلمية متكاملة وثائقية أو درامية؟ هذا سؤال يجدر التوقف عنده وسنعرض له لاحقا.
إلا أن الدراما لا تقوم على السرد بل على الفعل، ففي ابسط تعريف لها هي محاكاة لفعل إنسان، كما عرفها أرسطو (حمادة/ ص 113)، ولكننا نريد أن نقول إن الفعل في الدراما هو ليس الفعل العادي التقليدي الروتيني، بل هو الفعل الاستثنائي، أو الذي يحوره الكاتب المبدع ليكون استثنائيا، لذا في هذه الاطلالة سنحاول أن نبرز معالم وصور الدراما من خلال أحداث وأفعال وشخصيات هذه الرحلة التاريخية الفريدة بما ذكر عنها في الكتب والمصادر التاريخية مع الإشارة الى الامكانيات الدرامية الكامنة في طيات كل حدث أو فعل أو شخصية تاريخية.

أ‌- رؤية مستقبلية ثاقبة لحاكم طموح
لا شك أن الشخصية الأبرز في تلك المرحلة التاريخية الحاضنة لرحلة السفينة سلطانة هو السيد سعيد بن سلطان، سلطان مسقط وزنجبار، فهو العقل المفكر والمدبر وصاحب القرار الأول والاخير للرحلة، وهو بطل تاريخي فوق العادة، بل هو من صناع التاريخ ممن تدهش سيرهم الذاتية القراء دون الحاجة الى التضخيم أو التفخيم الدرامي، وأكاد أن أقول إن في سيرهم ما يكفي لصناعة الدراما، إن لم أقل إنه اشبه بالبطل التراجيدي باعتبار أن وفاته جاءت على إحدى سفن اسطوله البحري “فكتوريا” في احدى سفراته البحرية أثناء رجوعه من عمان الى زنجبار في 19 أكتوبر 1856م (المغيري / ص 158)، ذلك الأسطول الذي كان عنوان مجده واحد أهم منجزات عصره وقد حكم أكثر من نصف قرن، وامتدت ممتلكاته من جنوب الجزيرة العربية الى ساحل شرق أفريقيا، وشمالا شملت جزرا من خليج فارس وبندر عباس (المغيري/ص 159)، وقد قام بداية بإصلاح أمور عمان، وصد الغزوات الخارجية عنها، وتثبيت أركان حكمه الذي شهد صراعات عديدة داخل الأسرة الحاكمة (الشاروني/ ص74 الى ص81)، وقد كان دائم البحث عن أسواق خارجية يوطد بها تجارته ويستورد منها مستلزمات الحرب والدفاع عن بلده، كما كان شريكا مهما لبريطانيا في مطاردة النخاسين ومناهضة تجارة الرقيق (المغيري/ص 140)، ويحسب للسيد سعيد أيضا أنه كرس ثقافة عمانية هي مازالت راسخة حتى اليوم في اعلاء قيمة المواطنة، والولاء والعطاء، والكفاءة، على المذهبية والطائفية والعرقية، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى منها ما أورده (المغيري/ ص140) “وكانت له حاميات من العساكر من العرب والعجم والبلوش” كما استعان بالخبرات القادمة الى زنجبار من مختلف المناطق والطوائف الهندية ناهيك عن الأفارقة والقوى الغربية (المغيري/ ص166)، وقد كتب الكثير عن صفات السيد سعيد بن سلطان وسيرته، ولعلنا في هذا المقام نقتبس بعض ما كتب:
فقد وصفه (المغيري/ 139) بانه “الهمام الباسل، المقدام السياسي الذي ساقته العناية الربانية……. أعني به الرجل الذي هو فوق العادة السلطان السيد سعيد بن سلطان بن الامام أحمد” ممتدحا إياه بأنه “من الطراز الأول من أبناء عمان في الإدارة وعظم الهمة وبعد الصيت في كل تاريخ آسيا العربية” ويضيف (المغيري/ص 158) “أنه كان مقتصدا وغير متظاهر للترف والاسراف”، كما يصفه (المغيري/ص 160، 161) بأنه غاية في حسن الاخلاق ومكارم الأفعال والخصال الحميدة والتواضع” ويورد المغيري في ذات الصفحات أقوال بعض من وصفوا السيد سعيد ممن زاروه وقابلوه، فها هو هارث قبطان احدى البوارج البريطانية يصفه عام 1834، يصفه “أنه كان طويلا، نبيل المنظر، لبيبا، فطنا، حاذقا، حاد البصر، بشوشا، حسن الخلق، جميل الصفات”، كما وصفه الرحالة الإنجليزي برتون بعد مضي سنة على وفاته “أنه كان سياسيا حاذقا، متمسكا بالدين بدون تعصب، أنيسا بشوشا عظيم العواطف، ممتاز الهيئة والشكل، ثم قال: يستحق أن تكتب هذه العبارة على ضريحه، أنه كان قريبا للسلم، وقريبا للحرب، وقريبا لقلوب مواطنيه”.
وهذا في الحقيقة يتسق مع ما أورده (ايلتس/ ص 16) إن من ضمن الألقاب التي كان يحملها السيد سعيد “سعيد حامي الضعفاء والفقراء في مسقط وتوابعها”.
على أننا نختم تلك الاقتباسات بما كتبت جريدة البوست المسائية الاميركية وهي تصف أخلاق السيد سعيد بعد أن أنقذ السفينة الأميركية الجانحة بيكوك، “أنه لا يوجد في العالم المسيحي من يتصف بالاخلاقيات السامية التي أصبح العالم ينظر إليها باعجاب وتقدير مثل ما ظهر في هذه المساعدة من جانب حاكم مسقط”(أيلتس/ ص41).
وبعد أليست شخصية بمثل هذا الثراء والعطاء جديرة بأن تكون مادة درامية عظيمة؟

ب‌- الرحلة كتحد ومغامرة كبرى
تأتي أهمية هذه الرحلة كونها أول تواصل حقيقي بين العالم العربي والولايات المتحدة الأميركية بعد استقلالها وتشكلها كدولة كبرى بين دول العالم (ايلتس/ص 3)، فهي أول سفينة عربية تحمل أول بعثة عربية تصل الى شواطئ أميركا للزيارة والتجارة عام 1840م (ايلتس/ص 14)، طبعا مع الأخذ بعين الاعتبار التواصل الدبلوماسي الأميركي المغربي في القرن الثامن عشر وتأسيس أول قنصلية أميركية في مدينة طنجة عام 1820م، كما تشير بعض المراجع (الشيخ/ص 9).
الرحلة بحد ذاتها كانت مغامرة كبرى لما تمثله من ريادة عمانية بل وعربية، فالسلطانة كانت السفينة الأولى من الاسطول العماني التي تخترق مجاهل المحيط الاطلسي الى نيويورك، ولنبين خطورة مثل هذه الرحلة يكفي أن نشير الى أن السفينة الأميركية “بيكوك” في ذات الفترة الزمنية قد جنحت عند جزيرة مصيرة على السواحل العمانية، ولولا انقاذ الاسطول العماني لها وسحبها الى ميناء مسقط لغرقت على ما للبحرية الأميركية من خبرة متنامية اكتسيتها وهي تجوب العالم كله آنذاك، وبالفعل تعرضت السفينة سلطانة للعديد من العواصف والرياح والأهوال المناخية أثناء ذاهابها وإيابها في وسط البحر بل ولم تنج أيضا من صاعقة بحرية أصابتها وبعض بحارتها في حدث نادر في ميناء نيويورك.
استغرقت رحلة السفينة سلطانة من زنجبار الى نيويورك سبعة وثمانين يوما، تحمل على متنها ستة وخمسين من الرجال الاشداء، ومثقلة بأحمال تبلغ 305 أطنان من الهدايا والبضائع وقد كانت الرحلة متواضعة من حيث توفر وسائل الرفاهية والراحة، لذا فلا عجب أن يصل رواد الرحلة وقد بدت عليهم مظاهر الانهاك والتعب وأن تصل السفينة بأشرعة أصاب التمزق جزءا رئيسا منها (ايلتس/ص 6).
إن الرحلة بحد ذاتها مادة درامية خصبة، فما بالك بالأحداث التي مرت بها من ضعف القبطان الانجليزي وسكره الدائم، وتناقص المؤونة الى حد المجاعة، وخطر التيه في محيط عرف لخطورته في الادبيات العربية ببحر الظلمات.
إن صور الصراع هنا واضحة بينة وقد لا تحتاج الى أكثر من براعة مؤلف درامي أن يستلهمها ويوظفها في إطار شيق.

ت‌- شخصية أحمد بن النعمان كسفير وكمسؤول يقود الرحلة
أحمد بن النعمان الكعبي هو بطل تاريخي واقعي آخر في شخصيته من المآثر ما يخوله لأن يكون بطلا دراميا بكل معنى الكلمة، ويقال إنه بدأ حياته كغلام يخدم على السفن ولكنه اظهر ذكاء وقدرة أهلته الى الارتقاء سريعا في الاعمال البحرية، وهو بالإضافة الى ذلك يتصف بالأمانة والتقوى، وقد التحق في خدمة السيد سعيد بن سلطان في أوائل العشرينات وسافر ممثلا له بمهمات عملية وتجارية الى الصين ومصر وأوروبا قبل أن يرأس السفينة سلطانة الى نيويورك حيث أدى رسالته كسفير للسيد سعيد، وكرئيس للبعثة التجارية الدبلوماسية، وكوكيل تجاري للسيد ولمجموعة من تجار عمان، وقد أدهش الكعبي الأميركيين، كما يذكر ايلتس ، عندما تقدم من رجال الميناء ليعلن لهم بإنجليزية واضحة أنه هو رئيس البعثة والممثل الشخصي للسيد سعيد بن سلطان حاكم مسقط وزنجبار، كما أثار الكعبي اعجاب مضيفيه الاميركيين بلطف حديثه وأدبه الجم، وقد اتخذ الكعبي أثناء الرحلة في ذهابها وأوبتها مواقف حازمة وذكية في آن واحد لاسيما فيما يخص تغير القبطان والتعامل مع البحارة والتعاطي مع الأميركيين وبفضل تلك المواقف مضت الرحلة الى شاطئ النجاة بسلام، ولعل كون الشيخ الحاج أحمد بن نعمان الكعبي، من مذهب الاثنا عشرية الشيعة (االمغيري/ص 169)، وهو قائد البعثة الى أميركا والسكرتير الخاص للسيد سعيد بن سلطان يشي بكم من دلالات ترسيخ فكرة المواطنة على المذهبية منذ ذلك الزمن البعيد في عمان وهو أمر جدير بالفخر والاعتزاز، لا شك أن في إهاب مثل تلك الشخصية جوانب درامية مبهرة إذا ما أحسن صياغتها وأحسن توظيف دلالاتها.

ث‌- الحدث الدراماتيكي بتغير القبطان الإنجليزي
نظرا لقلة الخبرة لدى البحارة العمانيين في مثل تلك الرحلات الطويلة، تمت الاستعانة بالقبطان الانجليزي وليام سليمان، وقد كان هذا القبطان بحد ذاته قصة درامية موازية لا تنقصها الاثارة والدهشة، ففضلا عن كونه حاد الطبع، عصبي المزاج، كان مدمنا على تعاطي الخمور، فعندما وقفت السفينة في جزيرة سانت هيلانة، استغل الفرصة واشترى كمية كبيرة من الخمور (ايلتس/ص10)، وبدا في حالة سكر شديد مستلقيا على فراشه لمدة ثمانية أيام عندما كانت السفينة بأشد الحاجة إليه وهي تخوض أعالي البحار في أخطر مرحلة من مراحل الرحلة، ولولا عناية الله وفطنة أحد البحارة العرب على ظهر السفينة لحصل ما لا تحمد عقباه، الصراع هنا بين القبطان المخمور والبحار العربي الطموح بَين ايضا ويصنع دراما شيقة، ناهيك عن الصراع بين القبطان والسفير أحمد بن نعمان الكعبي، حيث أراد القبطان أن يوحي للأميركيين أنه هو قائد الرحلة والمسؤول الأول عنها، ولكن السفير أحمد بن النعمان تدارك الموقف بحزم، وأوضح للأميركيين أنه هو قائد البعثة وهو مبعوث السيد سعيد بن سلطان، وعموما كان البحارة وطاقم السفينة بعمومهم لا يكنون احتراما للقبطان وليم سليمان مما استدعى تغييره في رحلة العودة كما يشير (ايلتس/ص 76).

ج‌- الحادث الذي يتعرض له البحار العماني عبدالله ووفاته المفاجئة
من الدراما المحببة لقلوب المشاهدين هو ظهور بطل من العامة أو من البسطاء من حيث المكانة الاجتماعية ليتربع على عرش الاحداث بما له من مواهب، وإذا ما كان هذا القول ينطبق على أحد في رحلة السفينة سلطانة الى نيويورك فإنه ينطبق على البحار، الضابط الثاني في السفينة، محمد جمعة، الذي يصفه ايلتس (ايلتس/ ص12): “كان الضابط الثاني محمد جمعة شابا شديد السمرة ضخم الأنف على وجهه علامات قبلية مما ينم عن أصله العربي الأفريقي المختلط، ولكنه يتميز بوجه باسم محبوب لدى الجميع، ولعل مظهره العام كان غير مقبول، ولكن كان يخفي من وراء ذلك ذكاء طبيعيا ورغبة ملحة في أن يوسع أفق معارفه”، ويشي “ايلتس” ضمنيا بدور محمد جمعة في انقاذ السفينة عندما فقد القبطان الإنجليزي وليم سليمان وعيه وقدرته لمدة ثمانية أيام، كما يذكر مواقفه في نيويورك، التي تتسم بأبعاد درامية من حيث التباين الثقافي، وكيف أنه ترقى كي يصبح الساعد الأيمن للقبطان الأميركي درنكر في رحلة العودة، وكيف أنه كان محبوبا وصديقا للجميع، وأخيرا يشير إيلتس الى حادثة وفاته الصادمة وسقوطه المفاجئ في البحر (ايلتس/ص 90)، وقد وظف هذا الحادث في العرض المسرحي “رحلة السفينة سلطانة” الذي أخرج من قبل معد هذا البحث في مشهد أخير في المسرحية عند وصول السفينة الى عمان حيث يتجمع الأهالي في انتظار أحبائهم العائدين من السفر الطويل ومن بيهم عروس محمد جمعة التي فارقها بعد ليلة الزفاف مباشرة، وتكون فاجعتها عندما لا تجده عائدا معهم، فترثيه بمونولوج يختم المسرحية تقول في شطر منه:
وداعا أيها الفارس الذي غاب عني .. وداعا..
لا.. لم تغب عني فمثلك لا يغيب..
يا فارسا يأبى متاهات الغروب..
ستعود معنى.. همة.. وإرادة جبارة..
عزيمة في الدهر تأبى أن تذوب.. إلخ…. (نص المسرحية/ ص65)

ح‌- امرأتان انجليزيتان في الرحلة
كثيرون أولئك الذين يؤمنون بأن الدراما الجيدة لا تكتمل إلا بوجود فاعل للمرأة، وفي تقديري ان أي كاتب إذا ما قيض له أن يعد دراما عن رحلة السفينة سلطانة كان سيختلق حبكة جانبية أو أحداثا ليدخل من خلالها العنصر النسوي، فإذا بالأحداث التاريخية الواقعية للرحلة لم تغفل حتى هذا الجانب، وتشير المصادر الى وجود سيدتين بريطانيتين صاحبتا الرحلة منذ انطلاقتها الاولى من مسقط الى زنجبار، ومن ثم من زنجبار حتى وصولها الى نيويورك، ولا شك أن وجود هاتين المرأتين على ظهر السفينة يوسع رقعة الدراما ويثريها أيما اثراء، المسز روبرت نورثورزي زوجة أحد التجار الانجليز في مسقط ووصيفتها مسز شارلوت طومسون، ولنا أن نتصور موقف المرأتين طوال الرحلة بما تعرضت له من أخطار ومواقف وشح في الطعام واضطرابات في القيادة السفينة.

خ‌- التمازج العماني العالمي في الرحلة
امتازت رحلة السفينة سلطانة ببعدها الثقافي العالمي، وكأنها هيئة أمم متحركة، فبالإضافة الى السفير رئيس البعثة والبحارة العمانيين العرب والربان الانجليزي والمرأتين الانجليزيتين، كان على ظهر السفينة بحارة هنود وآخرون أفارقة، وفرنسيان، والطاهي البرتغالي “جون” الذي اتصف بصفات شخصية ذات بعد درامي معطاء كونه اتصف بالخسة والدناءة والجشع واللصوصية كما يذكر ايلتس، وفي رحلة العودة انضم للرحلة بحارة وقبطان من الأميركيين، إن هذا التمازج والتلاقي الثقافي على ظهر السفينة يعكس دلالة حضارية مهمة لعهد السيد سعيد بن سلطان فضلا عن كونه مادة خصبة للدراما.

د. عبدالكريم جواد

إلى الأعلى