الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / البدائل المستقبلية للنفط

البدائل المستقبلية للنفط

إن إعداد مشروع الموازنات المالية العامة لعام 2015 للدول المعتمدة على النفط يتم حاليا في ظروف غير متوقعة بسبب الانخفاض المفاجئ لأسعار النفط، وما قد ينتج عنه من تداعيات وتأثيرات على الموازنات العامة (لبعض) الدول المصدرة للنفط، وان استمرار انخفاض اسعار النفط لفترات طويلة قد يساهم في حدوث اختلال في التوازنات المالية لهذه الدول، وارتفاع عجز الموازنات العامة لها مما يضع الحكومات النفطية أمام تحدٍ في كيفية الموازنة بين المتطلبات الحتمية والضرورية من الإنفاق العام المتنامي وبين الإيرادات النفطية المتباطئة. وعليه سالت مؤخرا المقترحات والبدائل من المختصيين وغير المختصيين في التفكير وابداء الرأي في كيفية إنقاذ موازنات الدول المصدرة للنفط وركزت أغلب الآراء على كيفية تقليل النفقات الحكومية بطريقة أو بأخرى وبينما ركزت الأخرى على إيجاد الطرق المثلى لزيادة الواردات المالية الحكومية في ظل انخفاض اسعار النفط.
وغابت عن البعض ـ في طرح بدائل عن وردات النفط ـ طرح فكرة الاهتمام بالاقتصاد المعرفي، وكيف يمكن تحول الدول النفطية من الاقتصاد الريعي التقليدي الى الاقتصاد المعرفي، حيث إن الاقتصاديات العصرية اليوم أصبحت تعتمد على المعرفة كمحرك أساسي للإنتاج والنمو الاقتصادي المبني على القيمة المضافة الناتجة من عصارة الفكر البشري المبدع القادر على الإبتكار وتطوير تقنيات التعليم والتدريب حتى أصبحت المعرفة في حد ذاتها ميزة تنافسية تتفوق في كثير من الاحيان على ميزة الهبات الطبيعية.
إذ لم يعد اليوم الامتداد الزمني أو العراقة التاريخية تشكل أهمية لمحددات التنمية الاقتصادية، فالهند مثلا يعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثمائة ألف سنة ولكنها أقل نموا وتطورا من كثير من البلدان الحديثة مثل كندا واستراليا والتي لا يتجاوز عمرهما التاريخي قرنين من الزمن.
وكما ان التنمية الاقتصادية لا تعتمد على العامل الجغرافي والموارد الطبيعية فحسب فسويسرا على سبيل المثال تنتج أفضل انواع الشكولاتة في العالم بالرغم من عدم صلاحية أرضها لزراعة جرام واحد من الكاكاو ومساحتها صغيرة ومناخها لا يسمح لها بالزراعة أو بتربية المواشي لأكثر من أربعة اشهر في السنة، إلا أن سويسرا تنتج أحد أجود أنواع الحليب في العالم، ويمكن أن نأخذ اليابان كمثال آخر، فاليابان قد عصفت بها الحروب، وتعصف بها أيضا الكوارث الطبيعية ورغم ذلك فإنها تشكل اليوم مصنعا عائما ضخما في الصناعات التكنولوجية وتعد ثاني أقوى اقتصاد في العالم بالرغم من أن 80% من أراضيها عبارة عن جبال غير صالحة للزراعة أو تربية المواشي لكنها تستورد المواد الخام وتحولها بفكرها الخلاق الى مواد مصنعة تصدر لكافة أقطار العالم.
يمكننا ضرب مثال آخر في هذا السياق وهو ماليزيا التي كانت عاصمتها كوالالمبور تعرف بعاصمة الطين حتى أواخر السبعينات، تحتل اليوم المركز الثامن عشر في الخارطة الصناعية العالمية حيث يساهم الإنتاج الصناعي بما نسبته 90% من إجمالي الدخل القومي الماليزي ونجد في كل 100 سيارة تسير في شوارع ماليزيا 20 سيارة مستوردة فقط.
وكما هو معلوم فإن بريطانيا لا يوجد بها حقول شاي ولكنها في الوقت ذاته تستحوذ على ما نسبته 63% من صناعة تعليب الشاي وتسويقه ويعود ذلك إلى الفكر المحرك الأول للإنتاج، وعلى العكس من ذلك نجد دولا مثل مصر وباكستان وبعض الدول الإفريقية تنتج حوالي 71% من خام القطن غير أنها لا تستحوذ إلا على القليل من صناعة الملابس الجاهزة. ومن واقع النماذج السابقة يتبين أن تقدم بعض الدول لم يأت بمحض الصدفة بل هو نتاج للإستثمار المعرفي الذي يقوم على إنتاج ونشر وتوظيف المعرفة من أجل الإرتقاء بالإنسان إلى مزيد من التقدم.
إن اقتصاد المعرفة لا يعتمد على عناصر الإنتاج التقليدية الثلاثة (الأرض والأيدي العاملة ورأس المال) بل يعتمد إنتاج المعلومات والإبداع والابتكار وإيجاد قيمة مضافة كعامل إنتاج يفوق عوامل الإنتاج التقليدية كالنفط! إن المعرفة كسلعة لا يمكن لها أن تنضب أو تتلاشى بالاستخدام كما هو الحال في سلعة النفط بل على العكس فكلما استخدمت وطبقت المعرفة في مجال أنتجت الحاجة إلى معارف جديدة لم تكن موجودة من قبل وهكذا يرى الاقتصاديون أن اقتصاد المعرفة هو اقتصاد وفرة وليس اقتصاد ندرة كما هو الحال في الاقتصاديات النفطية.
ان الاقتصاديات القائمة على المعرفة والممتزجة بمد العولمة يشبه في الواقع نجمة السمك (نجمة البحر) ذلك السمك الغريب العجيب الذى له القدرة على الرؤية في النور والظلام معا ولا يمكن التفريق من شكله الخارجي بين الذكر والأنثى ويمتاز بأنه لو فقد أحد أذرعه بأن له القدرة السريعة على إنبات أخرى مكانها خلال أيام بسيطة فقط وله معدتان واحدة في داخله يهضم بها طعامه والثانية يمكنه أن يخرجها خارج جسمه ليصطاد بها فريسته لذا فهو له القدرة على اصطياد فريسة أكبر من فمه بكثير لأنه يصطادها بمعدته وليس بفمه. فهكذا الاقتصاديات القائمة على المعرفة لها القدرة على التكيف في كافة الظروف والمتغيرات فلا تتأثر كثيرا بتقلبات الاسواق العالمية كما هو الحال في الاقتصاديات التقلدية التي تتأثر بحركة أسعار المواد الأولية المكونة لها، ولذا على الحكومات النفطية بذل المزيد من الجهود لنقل الاقتصاديات الريعية الى اقتصاديات تقوم على المعرفة كأحد المخارج الممكنة لتفادي تقلبات أسعار النفط العالمية المستقبلية.

ناصر المعولي
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى