الثلاثاء 2 مارس 2021 م - ١٨ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الفطنة علاج لكل خلاف «3»

الفطنة علاج لكل خلاف «3»

محمود عدلي الشريف ✱
لا يزال الحديث موصولًا عن الفطنة التي هي هبة من الله تعالى يهبها من يشاء من عباده، فالفطنة ضرب من الذكاء والحكمة أو كمثلها، ولِمَ لا والحكمة وضع الشيء في موضعه من غير زيادة ولا نقصان،(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (البقرة ـ ٢٦٩)،نسأل الله تعالى أن يهبنا حكمة وفطنة وذكاء وحسن تصرف، ولا يزال الحديث عن التابعي الجليل (إياس بن معاوية: ذلكم القاضي الذي أتاه الله تعالى من الفطنة ما جعل التاريخ يتحدث عنه)، جاء في كتاب (زهر الأكم في الأمثال والحكم (3/‏ 11):إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة. كان أعجوبة الزمان في الذكاء وسرعة الجواب، ثم قال أبو تمام: إقدام عمرو في سماحة حاتم .. في حلم أحنف في ذكاء إياس.. ولذكاء إياس وفراسته وفطنته أخبار عجيبة وحكايات غريبة..قيل له يوما: إنَّ فيك عيبين: إعجابًا بقولك وعجلة في الجواب. فقال: أما الإعجاب، أليس يعجبكم ما أقول؟ قالوا: بلى! قال: فأنا أحق بالإعجاب بقولي، وأما العجلة، فكم هذه؟ وأمد أصابع يده فقالوا: خمس قال: عجلتم الجواب ولم تعدوها إصبعًا، إصبعًا. قالوا: وكيف نعد ما نعلم؟ قال: كذلك أنا في الحكم!.
ومن عجيب فطانته التي لابد أن يتنبه إليها كل من هو مسئول أو موظف أو له صديق أو أصدقاء أو له مخالطة مع غيره أو معاملة مع الناس أياً كانت، انظروا إلى هذا الموقف والذي سيحل لكم مشاكل كثيره، (عن سفيان بن حسين: كنت عند إياس بن معاوية، وعنده رجل، تخوفت إن قمت من عنده أن يقع في. قال: فجلست حتى قام، فلما قام ذكرته لإياس، قال: فجعل ينظر في وجهي، ولا يقول لي شيئا حتى فرغت، فقال لي: أغزوت الديلم؟ قلت: لا، قال: فغزوت السند؟ قلت: لا، قال: فغزوت الهند؟ قلت: لا. قال: فغزوت الروم قلت: لا، قال: يسلم منك الديلم، والسند والهند، والروم، وليس يسلم منك أخوك هذا؟ قال: فلم يعد سفيان إلى ذاك) (موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية 2/‏ 187)، انظروا كيف استدرجه درجة درجة حتى أقنعه وجعله لم يعد أبدًا، سبحان الله! ما أحوجنا إلى مثل هذه الفطانة، ما أحوجنا إلى هذا العلم والفهم، ولا يزال الحديث إخوة الإيمان يتوالى حول هذا التابعي الجليل الذي تعلم فعلم والذي تفطن ففطن، حتى عرف بين الناس بهذا العلم والفهم، ومن أعجب ما ورد عنه ما (جاء في تهذيب الكمال: قال الأصمعي عن عدي بن الفصيل البصري: اجتمع إياس بن معاوية وغيلان، عند عمر بن عبد العزيز، فقال عمر: أنتما مختلفان وقد اجتمعتما فتناظرا تتفقا، فقال إياس: يا أمير المؤمنين إن غيلان صاحب كلام، وأنا صاحب اختصار. فإما أن يسألني ويختصر، أو أسأله وأختصر، فقال غيلان: سل، فقال إياس: أخبرني: ما أفضل شيء خلقه الله عز وجل؟ قال: العقل. قال: فأخبرني عن العقل مقسوم أو مقتسم؟ فأمسك غيلان، فقال له: أجب. فقال: لا جواب عندي، فقال إياس: قد تبين لك يا أمير المؤمنين أن الله تبارك وتعالى يهب العقول لمن يشاء، فمن قسم له منها شيئا ذاده به عن المعصية، ومن تركه تهور)(المرجع السابق 2/‏ 188).
وهنا سؤال يطرح علينا نفسه ألا وهو: وهل يمكن لنا أن نكون كذلك؟ والإجابة يسيرة ألا وهي: أجل من الممكن أن نكون كذلك بالعلم والفهم والتدبر والخبرة، فمن فانظروا إلى القاضي إياس وهو يعلمنا استعمال الخبرة، (قال المدائني: إن إياس بن معاوية مر بديك ينقر حبَّاً ولا يفرقه فقال ينبغي أن يكون هرمًا، فإن الديك الشاب يفرق الحب؛ ليجتمع الدجاج فتصيب منه، والهرم قد فنيت رغبته فليس له همة إلا نفسه) كتاب (رسائل الشيخ الحمد في العقيدة (1/‏ 15، بترقيم الشاملة آليًا).
حقًا ـ إخوة الإيمان والإسلام ـ ما أحوجنا إلى هذا الفهم وتلك الخبرة وذلك الذكاء، بل من لم يكتسبه فليقرأ عن أن أصحاب الفطن والفهم وسرعة البديهية، بل ينبغي أيضا أن نعلمه أبنائنا ونعلمهم ذلك كما نعلمهم العلم والحياة.
انظرواـ إخواني الكرام ـ إلى هؤلاء الإخوة الأربعة الذين كانوا فطنًا وأذكياء، وقد تعلموه من أبيهم ـ فهلا علمنا أولادنا ـ تأملوا معي هذه القصة: ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء، وغيره، قال: لما حضرت نزار بنمعد الوفاة، قسم ماله بين بنيه، وهم أربعة: مضر وربيعة وأياد وأنمار، وقال يا بني هذه القبة وهي من أدم حمراء وما أشبهها من المال لابني مضر، وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من المال لابني ربيعة، وهذه الخادم وما أشبهها من المال لإياد ولدي، وهذه البدرة والمجلس لابني أنمار يجلس فيه. ثم قال لهم:إن أشكل عليكم الأمر في ذلك واختلفتم في القسمة، فعليكم ـ برجل يُسمى ـ بالأفعى بن الأفعى الجرهمي. وإنه لما مات ـ أبوهم ـ نزار توجهوا إلى الأفعى، وكان ملك نجران، فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلأ قد رُعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا أعور، فقال ربيعة: وهو أزور، وقال أياد: وهو أبتر، وقال أنمار:وهو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل، فسألهم عن البعير، فقال مضر: أهو أعور؟قال: نعم، قال ربيعة: أهو أزور؟ قال نعم. قال إياد: أهو أبتر: قال: نعم. قال أنمار: أهو شرود؟ قال: نعم، هذه صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له أنهم ما رأوه، فلزمهم وقال: كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته؟! ثم سار معهم، حتى قدموا نجران ونزلوا بالأفعى الجرهمي. فنادى الشيخ صاحب البعير: هؤلاء أصابوا بعيري فإنهم وصفوا لي صفته، ثم قالوا: لم نره أيها الملك، فقال الأفعى: كيف وصفتموه ولم تروه؟ فقال مضر: رأيته رعى جانبا وترك جانبا، فعلمت أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره. وقال إياد: رأيت بعره مجتمعا، فعلمت أنه أبتر، ولو كان ذيالا لمصع به. وقال أنمار:رأيته رعى الملتف نبته، ثم جاوزه إلى مكان آخر أرق منه، فعلمت أنه شرود. فقال الأفعى للشيخ: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه. ثم سألهم من هم؟ فأخبروه، فرحب بهم. ثم قال أتحتاجون إلى وأنتم كما أرى؟ فدعا لهم بطعام وشراب فأكلوا وشربوا، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لولا أنها على مقبرة. وقال ربيعة: لم أرَ كاليوم لحمًا أجود لولا أنه ربي بلبن كلبة! وقال إياد: لم أر كاليوم رجلًا أثرى منه لولا أنه ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه! وقال أنمار لم أرَ كاليوم خبزًا أجود لولا أن التي عجنته حائض! وكان الأفعى قد وكل بهم من يستمع كلامهم، فأعلمه بما سمع منهم .. فكان كما قالوا .. والقصة طويلة نهايتها أنه حكم لهم بوصية أبيهم لم يغير شيئًا.. القصة بكاملها في (حياة الحيوان الكبرى للدميري (1/‏ 51).
ومن هنا نعلم أن الأولاد تعلموا الفطانة من أبيهم وهو ما يحسن للناس تصرفاتهم خاصة في أوقات الغضب أو الشدة أو المفاجأة فما أحوجنا وأولادنا .. وعودا إلى القاضي إياس بن معاوية ـ رضي الله عنهـ الذي أتاه الله الفطنة والحصافة، والحكمة والفهم، (فعَنْ حميد الطويل: إِنَّ إياس بن مَعَاوِية لما استقَضَى، أتاه الحسن فرآه حزينًا فبكى إياس فقال: مَا يبكيك؟! فقال: يا أبا سعيد، بلغني إِنَّ القضاة ثلاثة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النَّار، ورجل مال به الهوى فهو في النَّار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الْجَنَّة، فقال الحسن: إِنَّ فيما قص الله مِنْ نبأ داود مَا يرد ذَلِكَ. ثُمَّ قرأ: أخذ الله عَلَى الحكام ثلاثة: إِنَّ لا يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا، ولا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس. ثُمَّ تلا هذه الآية يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْض الآية، وَقَالَ: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَقَالَ: وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا)(تفسير ابن أبي حاتم ـ محققًا (8/‏ 2458)، ومن حكمه المأثورة عنه ـ رضي الله عنه ـ قال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف) (تفسير البغوي ـ وإحياء التراث (2/‏ 164)، وجاء في (الدر المنثور في التفسير بالمأثور (1/‏ 62):(أخرج ابْن أبي الدُّنْيَا عَن أياس بن مُعَاوِيَة قَالَ: رَأس التَّقْوَى ومعظمه أَن لَا تعبد شَيْئا دون الله ثمَّ تتفاض النَّاس بالتقى والنهى) .. نسأل الله تعالى أن يهبنا الفطنة ويرزقنا راحة البال وحب الخير والقرآن والمساكين، وأن يؤلف بين قلوبنا ويجمعنا على محبته سبحانه.

✱ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى