السبت 16 يناير 2021 م - ٣ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وسائل امتداد التركيب فـي القرآن الكريم ودلالاته «سورة الماعون نموذجا» «2»

وسائل امتداد التركيب فـي القرآن الكريم ودلالاته «سورة الماعون نموذجا» «2»

د.جمال عبدالعزيز أحمد ✽

.. وقد تضمنتِ الآية من وسائل الامتداد الكثيرَ، فمنها جملة الشرط المحذوفة، والفاء هنا تفريعية، قد أشارت إلى أن هناك محذوفا تفرعت عنه، وأبانتْه، حيث إن المعنى: إن كنت تودُّ، وترغب في معرفة صفاته فذلك هو ..، والفاء رابطة للجواب بالشرط، وكذلك تشير إليه، وتربط المفسِّر بالمفسَّر ربطا بإحكام، و(الذي) صفة لموصوف محذوف، تقديره: فذلك الرجل أو الشخص أو الإنسان هو الذي يدعُّ اليتيم، وقد تتالتْ صور الامتداد بجملة الموصول التامة ذات الفعل، والفاعل المستتر جوازًا، والمفعول به، فبدأت الجملة شرطية حُذِفَ صدرُها، وبقي عجزُها، وهو جملة اسمية من مبتدأ وخبر، والخبر احتاج إلى ما يبيِّنه من الصلة، والفعل (يدعُّ) مضارع، قد أفاد الاستمرار في الدَّعِّ، وهو كناية عن قسوة القلب، وخلوه من الرحمة، وحُذِفَ الموصوف للتعجيل بالصفة المنفِّرة من هذا العمل، حيث إنه يدعُّ مَنْ تجب رحمته، والرأفة به، وهو اليتيم، فأولُ وصف هنا يبين لنا قسوة قلب الداعِّ، وأنه لم يؤثر فيه الدين، ولم يورثه الرحمة، بل كان مناقضًا له، عاملا على هدم إيمانه بدعِّه لأكثر الناس بؤسًا، وأشدهم يأسا، وأقربهم تعبا وضَنًى وألمًا، ولذلك استحق هذا الوصف الخطير الذي أخرجه من الدين، ووصفه بأنه مكذِّبٌ للدين، ثم تتتابع الأوصاف المحزنة المقلقة التي قد يتصف بها كثيرٌ، وهو لا يعلم، ممن آمن بالله ربا، ولكن عدَّها أمورًا هينة، لا يحاسب عليها المسلم، ثم هو لا يأبه لها، قال تعالى:(ولا يحض على طعام المسكين)، فهو لا يطعم أولا، ثم هو لا يحثُّ غيره من القادرين الأغنياء على إطعام المسكين ثانيًا، ذلك المسكين الذي أمسكه الجوعُ بالأرض، وألصقه بالتراب لعدم وجدانه الطعامَ، وجمالُ القرآن هنا أنه نَحَّى عن هذا الشخص صفتين اثنتين، الأولى أنه لا يُطعم اليتيم بنفسه، والثانية أنه حتى مجرد الحث والحض للغير على إطعام المسكين ليس عنده، ولا يأتي في باله أصلًا، وهو برهان ودليل على قسوة القلب، وتنكُّبه طريق الدين، ومقاصد الإسلام، وكأنَّ الدين له تعاليمُ، والحياة وسلوكها لها تعاليمُ أخرى، فيفصل بين القول، والفعل، وبين اللسان، والسلوك، وما هكذا الدين، إنما الدين المعاملة، وقد عُطِفَ على الجملة السابقة بجملة لاحقة فعلية، يفيد فعلها المضارعُ استمرارَ عدم الحض، حيث بدأت بفعل مضارع منفي:(ولا يحض)، وفاعله ضمير مستتر كاستتار صاحبه عن فعل الخير، وضموره عن السلوك النبيل، وامتدَّ التركيب؛ ليفضح صاحبه، فقد حَصَّل صفتين من أخطر ما يُوصَف بها إنسان، وكلها ظواهر اجتماعية نزل الدين لإصلاحها، والقيام على تقويمها، وهي لشرائحَ مهمة جدًّا في المجتمع، وقد تَسَمَّتِ السورة، وعُنْوِنَتْ بالماعون، لتعطينا نبذة كاملة عن أهداف الدين، ومرامي الشرع فهي سورة العون، والمعونة، والماعون (على اختلاف الجذر اللغوي حيث يمكن أخذها من العون أو من المعن وهو الشيء اليسير جدًّا) كما في المعاجم، ولكنَّ اسم السورة غاب عمَّنْ وُصِفُوا فيها، وهي نورٌ لمن يقرأ من المسلمين الواعين ألا يقع فيما وقع فيه هؤلاء الموصوفون بالتكذيب، البعيدون عن الأهداف الموضوعة لهذا الدين القويم، ثم ذكر القرآن الكريم وصفًا آخرَ، قلما يخلو منه إنسان، وهو قوله تعالى:(فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون” هم بالفعل مُصَلُونَ، كما أقرَّت الآية الكريمة، غير أن الصفة بعدها أظهرت سلوكهم غير السديد:(الذين هم عن صلاتهم ساهون)، فهم رغم كونهم مصلين، إلا أنهم يسهون عنها، إما بتأخيرها إلى ما بعد وقتها، أو وقت الفضيلة، وإما السهو التام عنها، والإتيان بها سريعًا قبل النوم ، ينقرونها كلها وراء بعضها كنقر الغراب، دونما وعي، ولا فهم، ولا إدراك، فلم يحصِّلوا هدفها، ولا عرفوا قدرها، فنزلت بهم إلى حد الويل والثبور، والهلاك والبوار، والويل هو وادٍ من أودية جهنم، تستغيث منه أودية جهنم ـ في بعض تفسيراته ـ والجملة لاسمية:(فويل للمصلين) مخيفة، حيث تقدَّم فيها المبتدأ منكَّرا؛ لدلالته على الدعاء، وهو هنا دعاء على الإنسان، لا له، و(أل) في (المصلين) موصولة، لكونها داخلة على المشتق، أي للذين صلوا فعلا، وانتهوا من صلاتهم، لكنْ بعد فوات الوقت المحدد، والله تعالى يقول:(إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتًا)، وتنكير (ويلٌ) لبيان بشاعته، ومدى خطورته، وشديد بأسه، وقدَّمه القرآن الكرم هنا لبعث الهول، وبثِّ الفزع في نفْس مَنْ كان في حقه نازلًا، ولِحدِّه وعنده واصلًا، وقد تعلق الخبر شبه الجملة:(للمصلين) بمحذوف، زاد من امتداد التركيب، أي: ويلٌ متحقق حاصل ثابت للمصلين، أو ويل يتحقق ويثبت ويدوم للمصلين، ولكن الآية عاجلتْ، فذكرت مَنْ هم المصلون الذين لهم الويل، فقالت:(الذين هم عن صلاتهم ساهون) أيْ: هم الأشخاص الذين ..، وجملة الصلة اسمية:(هم ساهون)، وقُدِّمَ المتعلق شبه الجملة (عن صلاتهم)، ليبين خور مسلكهم، وضعف عقيدتهم: (عن صلاتهم) ليتهم سَهَوْا عن أموالهم، أو أولادهم، أو عقاراتهم، لكنهم سَهَوْا عن أهم عمود في أعمدة الإسلام، وأهم ركيزة يقوم عليها، وهي الصلاة، فهي عمود الإسلام، وذروة سنامه ـ مع الجهاد بكل معناه ـ فقد زاد التركيبُ امتدادا بشبه الجملة المتقدم على متعلقه اسم الفاعل (ساهون)، وزاد بالوصف (الذين)، وكل من الصلة والموصول هي من تتمة الامتداد؛ حيث إن أصل الجملة واضح، وهي: (ويل للمصلين)، ثم عادت الآية، فذكرت أنهم لا يؤدون الصلوات في مواعيدها، رغم أنهم يصلُّون، فلاشك أن المحافظة عليها في أوقاتها يُورِثهم المحافظة على كل شيء في حياتهم، فالمحافظ على الصلاة منظمٌ، مرتبٌ، مهندمٌ، يعطي كل شيء حقه، ومستحقه، ولا يترك شيئا مائلا إلا ويقوِّمه، ولا مضطربا إلا أقره، أو جعله مستقرا؛ لأن الصلاة علَّمتْه النظام، والنظافة، والترتيب، والنقاء في التعامل، ولو كان وحده ليس معه إلا الله، ولا يراه أحد من البشر فهو كذلك نظيف، ثم جاء الوصف الذي يليه، وهو من الأوصاف التي ترانا في معظمنا واقعين فيها، دون أن ندري، وهو وصف المراءاة، والرياء، وتقديم العمل من أجل الثناء، أو ارتقاب مدح، أو شكر الناس، أو امتداحهم لمن قام به، فقال:(الذين هم يراؤون)، و(الذين) هنا صفة أخرى للمصلين، امتد بها التركيب؛ لبيان مزيد إيضاح للمكذب بالدين في أول السورة، وهو لون من ألوان الإحالة التي هي أقوى عناصر الترابط النصي، والتماسك الدلالي، فهي صفة بعد صفة، وهما يمتد بهما التركيب، ويزداد وضوحا ودلالة، ووصفا تاما للموصوف، والضمير (هم) ضمير غائب، مبتدأ كصاحبه عند ربه غائب، لا وزن له، مادام مرائيا.
و(يراؤون) جملة هي خبر المبتدأ، حيث جاءت جملة مصدَّرة بالفعل المضارع الذي يفيد الاستمرار، فهو مراءٍ في كل وقت، وفي كل مكان، وشأنه الرياء، والعياذ بالله، والمفعول به محذوف، لتذهب النفس في تصوره كلَّ مذهب، فهم يراؤون كل شيء يمكن أن يُراءَى من: بشر قريبين منهم، أو بعيدين عنهم، رائسين لهم، أو مرؤوسين منهم، رجالًا ونساءً، شبابًا وشيبًا، كبارًا وصغارًا، وجهاء القوم، أو من دونهم فقراء، فحذف المفعول، لتحقيق معانٍ لفظية هي اتساق الفواصل، ومعانٍ معنوية ودلالية هي ما ذكرتُه، والحذف هنا للمفعول به، فيه كناية عن حبهم، واستغراقهم للمراءاة، واشتهائهم للرياء، الذي صار لهم سبيلًا، وأمسى لهم منهجًا، ومسلكًا، وطريقًا، وجاء بهم مجموعين (يراؤون) مع نظرائهم، لأن المراءاة تحتاج إلى جمع يُراءَى، ومجتمع يَرَى فيه المرائِي نفسَه، ويحقق معه ذاته الضعيفة، ونفسه المَهِينة.

إلى الأعلى