السبت 16 يناير 2021 م - ٣ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أصابتني دعوة سعد «1»

أصابتني دعوة سعد «1»

محمود عدلي الشريف ✱
لقد أمرنا الله تعالى بالمحبة في تعاملنا والتسامح، والصدق والأمانة، وإحقاق الحقوق، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأن لا يظلم أحد منا أحدا، ولكن ـ للأسف ـ قد يستهين بعض الناس بدعوة من ظلموهم أو أخذوا حقهم أو تسببوا في إيقاف خير لهم أو منعه عنهم، أو قد لا يلفت ذلك نظرهم، ظنا منهم أنهم بعيدون عن طريق تلك الدعوات، وأنهم لن يصطدموا بها، ولكنها في الحقيقة لا تسير في طريق أحد غيرهم، بل وتترصدهم تأنى إلا أن تدهمهم، مهما طال بهم الزمن، وهذا الأخير هو ما يجعلهم يتوهمون أنهم في مأمن من دعوة المظلوم ، وقد زين له الشيطان وسولت له نفسه وألهاه الأمل وهو يظن أنه يحسن العمل ، وقد يظل على ما هو عليه ـ إلا إذا تاب ـ حتى يأتيه ما كان يظن أنه عنه بعيد وأنه إليه لا يعود وأنه تناسى ونُسي.
ولهذا أحذر نفسي وإياكم إخوة الإيمان من الظلم، ونعوذ بالله منه، فالظلم كما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ) (صحيح البخاري (3/ 129 برقم 2447)، وهو عند مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ (4/ 1996) ورواه غيرهما كثير).
ولهذا حرم الله تعالى الظلم بين عبادة وجعله بينهم محرمًا بل وجعل ذلك التحريم على ذاته جل جلاله ففي (صحيح مسلم (4/ 1994):عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:(يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)، قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وقد تتبلور تلك الظلمات في عقوبات كثيرة سواء في صورة مرض أو ضيق في العيش، أو عقوق في الولد أو مشقة في العمل .. و.. و.. إلى غير ذلك من الصور التي يؤخذ بها الحق لأصحابه، وصدق قال الشاعر الحكيم حينما قال:(لا تَظلِمَن إذا ما كُنتَ مُقتَدِرا .. فالظُّلمُ تَرجِعُ عُقباهُ إلى النَدَمِ .. تَنامُ عَينُكَ والمَظلومُ مُنتَبِهٌ .. يَدعو عَليكَ وعَينُ اللهِ لَم تَنَمِ) وهذه بعض مقتطفات من قصيدة ابن المقري:(لا يظلمُ الحرَّ إلا منْ يطاولُهُ .. ويظلِمُ النَّذلُ أدنى منهُ في الصُّوَل .. يا ظالما جارَ فيمنْ لا نصيرَ لهُ .. إلا المهيمنُ لا تغترَّ بالمَهَلِ .. غداً تموتُ ويقضي الله بينكما .. بحكمةِ الحقِّ لا بالزيغ والمَيلِ).
فالله تعالى ينصر المظلوم وقد وعد سبحانه بذلك، فـعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى اللهُ عليه وسلَّم):(اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، يَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ) (الجامع الصحيح للسنن والمسانيد (32/ 309).
ومن القصص العجيبة التي استجاب الله تعالى فيها لدعوة المظلوم ، وهي قصة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ـ أحد المبشرين بالجنة ـ المجاهد الصابر التقي النقي، الطاهر الذكي، الذي كان كله لله، ذلكم الصحابي الذي دعا له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ـ كما ورد عَنْ قَيْسٍ أَخْبَرَنِي سَعْدٌ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ـ قَالَ:(اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِسَعْدٍ إِذَا دَعَاكَ) (صحيح: أخرجه الترمذي 3751)، وأخرجه أحمد في (الفضائل 1308)، وأخرجه أبو نعيم في (الحلية 1/ 93)، و(سير أعلام النبلاء ط الحديث (3/ 77)، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى:(وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) (العَنْكَبُوْتُ: 8)، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ :(أَنَّ سَعْدًا قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فيَّ (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) (العَنْكَبُوْتُ ـ 8)، قَالَ: كُنْتُ بَرّاً بِأُمِّي فَلَمَّا أَسْلَمْتُ قَالَتْ: يَا سَعْدُ مَا هَذَا الدِّيْنُ الَّذِي قَدْ أَحْدَثْتَ؟ لَتَدَعَنَّ دِيْنَكَ هَذَا أَوْ لاَ آكُلُ وَلاَ أَشْرَبُ حَتَّى أَمُوْتَ فَتُعَيَّرَ بِي فَيُقَالُ: يَا قَاتِلَ أُمِّهِ قُلْتُ: لاَ تَفْعَلِي يَا أُمَّهُ إِنِّي لاَ أَدَعُ دِيْنِي هَذَا لِشَيْءٍ. فَمَكَثَتْ يَوْماً لاَ تَأْكُلُ وَلاَ تَشْرَبُ وَلَيْلَةً، وأصبحت وقد جُهِدَتْ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ يَا أُمَّهُ! تَعْلَمِيْنَ ـ وَالله ـ لَوْ كَانَ لَكِ مَائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا مَا تَرَكْتُ دِيْنِي إِنْ شئت فكلي أو لا تأكلي .. فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ) (حسن: أخرجه أحمد 1/ 181)، و(مسلم مختصرًا 1748)، وهو في (سير أعلام النبلاء، ط: الحديث (3/ 75)، وهو الذي كان يراقب الله تعالى في كل شيء وخاصة المال، الذي يفتن به بعض الناس، إلا أن سعدًا ـ رضي الله تعالى عنه ـ فقد اتقى ربه حتى في ماله، فقد جاء (عَنْ عَامِرِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: مَرِضْتُ عَامَ الفَتْحِ مَرَضاً أَشْفَيْتُ مِنْهُ فَأَتَانِي رَسُوْلُ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَعُوْدُنِي فَقُلْتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ! إِنَّ لِي مَالاً كَثِيْرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ أَفَأُوْصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ قَالَ: لاَ، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ قَالَ: وَالثُّلُثُ كَثِيْرٌ إِنَّكَ أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُوْنَ النَّاسَ لَعَلَّكَ تُؤَخَّرُ عَلَى جَمِيْعِ أَصْحَابِكَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تُرِيْدُ بِهَا وَجْهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ فِيْهَا حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِيِّ امْرَأَتِكَ، قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ إِنِّي أَرْهَبُ أَنْ أَمُوْتَ بِأَرْضٍ هَاجَرْتُ مِنْهَا قَالَ: لَعَلَّكَ أَنْ تَبْقَى حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُوْنَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُم وَلاَ تَرُدَّهُم عَلَى أَعْقَابِهِم لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلَةَ” يَرْثِي لَهُ أَنَّهُ مَاتَ بِمَكَّةَ) (البخاري 3936، ومسلم 1628، 5، والترمذي 2116، وسير أعلام النبلاء. ط الحديث (3/ 82)، فطوبى لسعد ما بشره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وما خصه به من خصوصيات وأوسمة، لم يحظَ بها سواه، فهوـ رضي الله عنه ـ من المؤمنين الذين يدافع الله تعالى عنهم بنفسه.
وإليكم هذه القصة العجيبة التي حدثت عندما ولى أمير المؤمنين سعد بن أبي وقاص إمارة الكوفة، (وَقَدْ دَعَا عَلَى أَبِي سَعْدَةَ أُسَامَةَ بْنِ قَتَادَةَ حِينَ شَهِدَ فِيهِ بالزُّور بِطُولِ الْعُمْرِ وَكَثْرَةِ الْفَقْرِ والتَّعرض لِلْفِتَنِ، فَكَانَ ذَلِكَ، فَكَانَ إِذَا سُئِلَ ذَلِكَ الرَّجل يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ) (البداية والنهاية، ط: إحياء التراث (6/ 184).
.. وسيأتي التفصيل في الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى.

إلى الأعلى