الأربعاء 20 يناير 2021 م - ٧ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الاستثمار في البشر

الاستثمار في البشر

:د. أحمد مصطفى أحمد
على مدى نحو عام الآن من وباء فيروس كورونا (كوفيد-19) تجد عناوين الأخبار تركز على قطاعات الاقتصاد المتضررة، وأرقام الانكماش، وأخبار الركود، وخسائر الشركات والأعمال. وكلها نتائج سلبية لأزمة الوباء، وتستحق أن تجد طريقها إلى عناوين الأخبار. لكن جوهر كل تلك الأخبار، وهم البشر من مرضى مصابين أو مصابين متوفين، فإنما تستخم أرقامهم كمؤشر على مدى انتشار الفيروس في بلد أو منطقة ما. وللأسف الشديد تستخدم أحيانا من قبل بعض وسائل الإعلام وكأنها إدارة في صراع ما أو خلاف ما، وكنوع من “الشماتة” المقيتة بطريقة “هذه الدولة أو تلك تشهد مزيدا من الإصابات والوفيات…” وما شابه. أما البشر الذين تقطعت سبل رزقهم بتوقف الأعمال، أو الذين يعانون مباشرة أو غير مباشرة من إفلاس الشركات والأعمال فإنما يظهرون في الأخبار كأرقام ونسب بطالة ومؤشرات على “الوضع الاقتصادي العام”.
حتى في القرارات الاقتصادية والمالية، خصوصا في الدول الكبرى والمتقدمة اقتصاديا، يكون الأساس هو الحيلولة دون إفلاس الشركات والأعمال ومساعدتها على مواجهة التبعات السلبية لأزمة الوباء. أما بالنسبة للبشر فتقديم الأموال مباشرة لهم لتعويض توقف دخلهم قد يحول دون انهيار حياتهم، لكنه لا يحافظ على مقومات تلك الحياة. فسبل الإنفاق غير متاحة في أغلب الأحوال والادخار لمواجهة أوضاع المستقبل لا يفيد؛ لأن أسعار الفائدة عند الصفر. والاستثمار الوحيد الذي ربما يمس البشر مباشرة هو في القطاع الصحي، وتوفير احتياجات الصحة العامة الأساسية ودعم المستشفيات والهيئات الطبية.
كشفت أزمة الوباء، من بين ما كشفت، أن العالم لم يكن مستعدا لمواجهة كارثة طبيعية كهذه، ولم يستثمر بما يكفي في البحث والتطوير ليتمكن من مواجهتها. والأمل الآن أن نستفيد من هذا الدرس وتعود الحكومات، وبالشراكة مع القطاع الخاص، لزيادة مخصصات البحث والتطوير خصوصا في مجال الطب الوقائي والعلاجي، وكذلك في كافة المجالات العلمية الأخرى. ونلاحظ هنا أن الدول التي استثمرت من قبل في مواطنيها، مثل دول الخليج العربية، عبر البعثات التعليمية والأكاديمية في الخارج كان وضعها أفضل بكثير من دول كبرى متقدمة في مواجهة أزمة وباء كورونا. فهذا الاستثمار في المبتعثين الخليجيين للتعليم في الخارج ظهرت آثاره الإيجابية في الأزمة، واستفادت تلك الدول من عائد مهم وكبير على استثماراتها في البشر من مواطنيها.
وهذا درس في غاية الأهمية، وعلى المدى الطويل، لعل العالم كله يستفيد منه ليس فقط لمواجهة أي أزمات مماثلة، ولكن باعتباره ركنا أساسيا من أركان التنمية المستدامة. فالاستثمار في البشر حجر زاوية في أي تطور للبشرية، وقدرتها على الاستفادة من إمكانات الكوكب دون الإضرار بمستقبل موارده لتكفي سكانه. لكن المهم أن يتم ذلك في إطار أشمل وأوسع؛ لأن الاستثمار في البشر لا يقتصر على مشروعات صحية فحسب، بل يتسع ليشمل الاستثمار في التعليم والخدمات الأساسية وحتى في قطاعات كالإعلام والثقافة وغيرها. هذا الاستثمار في البشر باعتبارهم نواة الثروة القومية لأي مجتمع وبلد يحمي أيضا تلك البلدان من أي نتائج سلبية تتعلق بانتقال العمالة من المناطق كثيفة السكان إلى تلك الأقل سكانا أو حتى داخل البلد الواحد في الهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر في إطار الحراك الاجتماعي/الاقتصادي.
صحيح أنه لا يمكن أن يلقى عبء هذا الاستثمار في البشر على الحكومات وحدها، ويحتاج الأمر جهدا جماعيا للمجتمع ككل وفي القلب منه الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص. لكن ذلك يعني أيضا أن يكون للحكومات الدور القيادي في هذا السياق، وبالتالي أن تبني سياساتها على أساس الاستفادة من تنمية مواطنيها على المدى البعيد. وبما أن القاعدة التقليدية أن كل استثمار حكومي عام يمكن أن يجذب عشرة أضعافه من الاستثمار الخاص، شرط أن تكون خطط الاستثمارات العامة مستندة إلى سياسة محكمة، وبالتالي تزيد كلها من النمو الاقتصادي، فالطبيعي أن تأخذ الحكومات في الاعتبار هذا النطاق الأوسع والأشمل للتنمية في الاعتبار عند وضع خططها الاستثمارية. وكل دول العالم مشغولة الآن بالتخطيط لكيفية الخروج من الأزمة وتحفيز التعافي الاقتصادي، وأغلبها يستعد لطرح مشروعات ضخمة في البنية الأساسية ومشروعات ملتزمة بمعايير البيئة والاستثمار في التكنولوجيا الذكية وغيرها. والمهم هنا ألا يغيب عن ذهن واضعي السياسات الاقتصادية والخطط التنموية وحتى إجراءات التعافي العاجل من أزمة وباء كورونا أن التنمية البشرية هي حجر زاوية لكل تلك الخطط والسياسات.
ربما أول ما علينا تغييره من تفكير هو أن الاستثمار في البشر ليس عبئا سلبيا على الميزانيات العامة بمعنى “الدعم وتوفير الخدمات الأساسية” وكأنه بند إنفاق بلا عائد يثقل كاهل الحكومات. بل العكس تماما، فالاستثمار في البشر هو الأساس لتحقيق أهداف أي خطط تنموية وسياسات تطوير وانتعاش اقتصادي. وعلى أبسط تقدير، لننظر كيف أن من استثمروا في مواطنيهم لم يجدوا صعوبة في التزامهم بتعليمات وقرارات الحكومات للحد من انتشار الوباء، ناهيك عمن استثمروا في تعليم وتأهيل مواطنيهم كدول الخليج وجنوا عائد ذلك بمهارات وخبرات علمية وطبية جعلت مواجهتهم لوباء كورونا أفضل من دول كبرى متقدمة كأميركا وإيطاليا وغيرها.

إلى الأعلى