الأربعاء 20 يناير 2021 م - ٧ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في ذكرى ميلاد عبد الناصر: عندي خطاب عاجل إليك

في ذكرى ميلاد عبد الناصر: عندي خطاب عاجل إليك

خميس بن عبيد القطيطي

تحتفي الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، وفي سائر أنحاء العالم دائما بمناسبات مئوية الزعيم جمال عبدالناصر أو رحيله أو أي مناسبة كان عبدالناصر جزءا منها وباعثها، وتستمر تلك الاحتفاليات حتى بعد مرور نصف قرن على رحيل عبدالناصر، مما يؤكد على حقائق ودلالات ومعانٍ قد لا يدركها بعض المؤدلجين بإعلام الإسلام السياسي أو المشوهين الذين طالهم إعلام التشويه منذ نصف قرن على رحيله. وللأسف لم يتأمل لهذه الظاهرة الجماهيرية التي لم تأتِ من فراغ، وهنا لن أتحدث عن أعداء الرئيس عبدالناصر فهؤلاء حاولوا مرارا وتكرارا عبر منابرهم وأجهزة إعلامهم نسج الادعاءات والأباطيل والأكاذيب في محاولة لتضليل الرأي العام، والانتقام من هذا الزعيم الذي كان سدا منيعا في وجه قوى الاستعمار ومجتمع (النصف في المائة) من رجال المال والإقطاع والمستفيدين من حقبة العهد الملكي أو الجماعات المنظمة الذين حاربوا عبدالناصر حيا وميتا ودسوا الأباطيل ونسجوا الأكاذيب، واعترفوا بتلك المؤلفات الكاذبة لاحقا، وكذلك الرجعية التي عملت وما زالت تعمل وفق إرادة الاستعمار القديم والحديث، كل هذه المجاميع ورغم قدراتهم الضخمة لم يتمكنوا من زحزحة عبدالناصر قيد أنملة من صدارة المشهد العربي ومن قلوب الملايين؛ فبقي صامدا رغم تقادم الأعوام والسنين وتناسخ الرؤساء والقيادات من بعده حتى اليوم. فلماذا غاب الجميع وظل عبدالناصر وحده خالدا وشامخا في قلوب الملايين رغم كل ذلك الهوس التضليلي وحجم منظومات التشويه والمحاولات المسيئة إلى تاريخه؟!!
ظلت صور عبدالناصر مرفوعة على الهامات في كل مناسبة عربية، سواء كان عبدالناصر جزءا منها أو لم يكن، كذلك لم يستطع الإعلام المعادي تغيير هذا المشهد طوال نصف قرن بعد رحيله، وسيظل إلى أبعد من ذلك؛ لأن هذا الإعلام لا يمكن أن يغير المفاهيم، ولا يمكن أن يقلب الحقائق، ولا يمكن أن يسيء لمبادئ جليلة تمثلت في الحرية والاشتراكية والوحدة والعدالة الاجتماعية ومقاومة الاستعمار، رافقها إحداث ثورات صناعية وزراعية وتعليمية وبناء السد العالي كأعظم مشروع في القرن العشرين، وتجميع القرآن الكريم بأصوات القراء في مصحف مرتل عبر أسطوانات التسجيل ووصوله إلى كافة أنحاء العالم، وقوانين الإصلاح الزراعي ودعم السلع الأساسية وبناء الكثير من المساجد والجسور، وافتتاح مبنى الإذاعة والتلفزيون وبرج القاهرة والكثير من البنى التحتية في مصر، وجلاء قوات الاحتلال الإنجليزي وتأميم قناة السويس وغيرها من المنجزات العظيمة في بلده، كل ذلك جاء بعزيمة وإصرار في تحقيق نهضة وطنية، بالإضافة إلى دعم ثورات التحرر في الوطن العربي والتي ما زالت تدين بهذا الفضل لجمال عبدالناصر إلى اليوم، وتجاوز عبدالناصر الدور المحلي والإقليمي إلى العالمية في تأسيس منظمة عدم الانحياز، والتصدي بقوة وندية لقوى الاستعمار في سبيل تحقيق مشروع وطني وقومي عربي حتى اعترف أعداء عبدالناصر أنهم يكرهون عبدالناصر ولكنهم لا يستطيعون شراءه أو مساومته أو تهديده؛ لأنه بلا رذيلة. والتفت الجماهير العربية حوله في جميع خطاباته فأصبح عبدالناصر مركزا من مراكز القوة العالمية حتى قال عنه الرئيس الأميركي نيكسون: إن العالم يتحكم به ثلاث قوى الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ومصر عبدالناصر، فهناك من الشواهد ما أثبتت ذلك منها وجوده على منبر الأمم المتحدة ليلقي خطابه الذي كان أول خطاب باللغة العربية فوقفت جميع الوفود لتحيته وهو يتقدم لإلقاء خطابه عام ١٩٦٠م، وعندما انسحب عبدالناصر حين أراد مندوب كيان الاحتلال الإسرائيلي إلقاء كلمته انسحب معه عدد كبير من وفود العالم، وكذلك حادثة سفينة كليوباترا التي رست في ميناء نيويورك ومنع اتحاد العمال الذي يتحكم به اليهود تفريغ السفينة من القطن وإعادة شحنها بالقمح للضغط على مصر وشعبها بسبب مواقف عبدالناصر، لم يستغرق الأمر سوى ثلاث ساعات فتوجه عبدالناصر إلى إذاعة صوت العرب موجِّها خطابه إلى اتحاد العمال العرب في مختلف الموانئ العربية ليتوقف الجميع عن تفريغ وشحن كل السفن الأميركية مما أجبر الخارجية والرئاسة الأميركية لإنهاء الأزمة وإعادة تفريغ وشحن سفينة كليوباترا. كل ذلك عندما تمتلك الأمة قيادة محورية قادرة على مخاطبة الجماهير والارتباط معها في مواجهة التحديات الدولية، وهو ما أكدته الجماهير العربية يومي ٩، ١٠ يونيو ٦٧م بعد إعلان تنحيه بعد الحرب عندما خرجت تلك الملايين في مسيرات للمطالبة بعودة عبدالناصر في أضخم استفتاء شعبي على زعيم في التاريخ، وتكرر ذلك المشهد المليوني يوم رحيله ـ رحمه الله. فهكذا كان عهد عبدالناصر الذي أسس لنهضة صناعية وزراعية وتعليمية في مصر، وهكذا هو الحال لأي أمة أرادت النهوض والتقدم لتعيش معززة مكرمة بين الأمم. ونظرا لهذه المنجزات التي حققها عبدالناصر أراد الأعداء محاربته والانتقام منه، وليس غريبا على قوى الاستعمار ذلك، فهي التي زرعت كيان الاحتلال الإسرائيلي في قلب الوطن العربي، وعملت على تقويته على حساب العرب، فلا يمكن أن تسمح بنهضة عربية في أي بلد عربي، لذلك يراد للوطن العربي التبعية والتخلف والتشرذم، لذلك أدرك عبدالناصر تلك الحقيقة فكان قارئا جيدا للتاريخ فكافح طوال (18) عاما منذ ثورة الضباط الأحرار في ٢٣ يوليو ١٩٥٢م ولغاية رحيله في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠م، فجاءت رسالته ـ رحمه الله ـ لتحقيق نهضة وطنية وعدالة اجتماعية وتأميم خيرات بلده لأبنائه وتحقيق مشروع عربي لصالح أمته، اجتهد كثيرا وحقق الكثير من المنجزات، لذلك حاول أعداؤه التخلص منه وكسر شوكته فلم يفلحوا؛ لأنه صادق في نياته، ومخلص تجاه وطنه وأمته، وعرف عنه الزهد والبساطة فلم يجدوا فرصة لإسقاطه، وهكذا سيظل منهج الاستعمار في لعبة الأمم مع كل بلد أو قائد يحاول التخلص من التبعية وأسباب التراجع، ويحاول بناء أمة متسلحة بالعلم والمعرفة وتعتمد على نفسها في دورة حياتها المعيشية، لذلك ستظل معادلة المواجهة قائمة.
عندما تصدر بعض الأصوات النشاز التي تقول: ماذا جنينا من عهد عبدالناصر سوى الحروب؟ نقول: نعم عندما فرضت الحروب كان على العرب التصدي لها، نعم خسرنا في ٤٨م ونجحنا في ٥٦م، ثم خسرنا في ٦٧م، لكننا لم نفشل كانت هناك إرادة حقيقية، ولم ترفع الراية البيضاء، بل أعقبها مزيد من التحدي على الصعيد السياسي الوحدوي العربي، واستمرت عجلة التنمية الصناعية والزراعية والعلمية على مسيرتها مما يؤكده تقرير الأمم المتحدة للتنمية عام ٦٨م بعد الحرب الذي سجل معدلا مرتفعا للتنمية في مصر، وهذا يعني أن مصر رغم الحرب لم تنحنِ، وبقيت صامدة قوية، واستمرت فيها عجلة البناء والتنمية، بل إنها استفادت من دروس حرب ٦٧م فعملت بقيادة عبدالناصر على إزالة آثار العدوان، فسخرت قوى الاقتصاد والتنمية لتعزيز القوات المسلحة، وتم تحديث الجيش وتغيير القيادات والاستعداد للحرب بكل ما أمكن، والاستفادة من دعم الأشقاء في تغيير ميزان القوى. ولأن الأمة العربية كانت تحمل قضية مصيرية فكان العمل بكل عزيمة وإصرار بقيادة عبدالناصر لإزالة آثار العدوان من خلال حرب الاستنزاف الطويلة التي أرهقت كيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي طالب بوقف إطلاق النار وتوقيع اتفاقية سلام مع مصر عبدالناصر، لكن عبدالناصر قالها إن الصراع مع العدو هو صراع وجود لا صراع حدود، ورفع العرب لاءاتهم الثلاث في مؤتمر الخرطوم: لا صلح لا تفاوض لا اعتراف، وما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة، وكان ـ رحمه الله ـ صادقا وأثبتت الأيام ذلك، رغم أن كيان الاحتلال الإسرائيلي كان يبادر بإعادة سيناء كاملة دون قيد أو شرط مقابل تخلي مصر عن دورها القومي العربي في مواجهة الاستعمار، وعدم المطالبة بتحرير كامل الأراضي العربية، لكن لم يكن لقائد مثل جمال عبدالناصر أن يتخلى عن دوره العروبي فأكد على عودة كل الأراضي المحتلة من الجولان إلى القدس والضفة والقطاع وأخيرا سيناء، فكان الإعداد المنظم لجبهات القتال والدعم العربي لها، لذلك تحققت ملحمة العبور عام ٧٣م التي استعدت لها مصر والأمة العربية منذ نهاية حرب يونيو ١٩٦٧م وأجريت التجارب والخطط في عهد عبدالناصر، ورغم الأخطاء التي حدثت لاحقا بعد العبور، إلا أن حرب أكتوبر ١٩٧٣م كسرت مقولة الجيش الذي لا يقهر، وأثبتت أن العرب متى ما اتحدوا وعززوا قدراتهم واعتمدوا على أنفسهم وحققوا مبادئ التعاون والتضامن والدفاع العربي المشترك وتم تفعيل العمل العربي المشترك، ومدوا جسور التعاون في مختلف المجالات فإنهم قادرون على تحقيق الانتصار.
وعندما نعيد تذكير الأجيال بالزعيم جمال عبدالناصر فإننا نستذكر رمزا تاريخيا ترجم معاني العزة والكرامة للأمة العربية، وحقق عددا من المنجزات في بلده وعلى خريطة الوطن العربي والعالم، ورسخ مدرسة فكرية ما زالت قائمة إلى اليوم تعرف باسمه، واستذكاره هنا لتحفيز الأجيال وتعريفهم بتاريخ عظيم لاستنفار معاني ومبادئ القومية العربية والاعتماد على الذات العربية في إقامة نهضة صناعية وزراعية وعلمية في مشروع عربي متكامل اقتصاديا وسياسيا، وتطوير العمل العربي المشترك دائما، لذا سيظل عبدالناصر خالدا في تاريخ العرب؛ لأنه أسَّس لتلك المفاهيم وطبَّقها على أرض الواقع، ولا توجد تجربة بشرية معصومة من الخطأ بطبيعة الحال، لكن يظل عبدالناصر أحد الرموز العربية في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، فلا غرابة أن تكون جنازته أكبر جنازة في التاريخ، وظل معلقا في قلوب الملايين من أبناء الأمة العربية من المحيط إلى الخليج وملهم الأحرار في سائر بلاد العالم، وهذه من محبة الله لتجتمع على محبته هذه الملايين، وعلى المشوهين والمؤدلجين تأمل هذه الحقيقة.

إلى الأعلى