الأربعاء 20 يناير 2021 م - ٧ جمادى الأخرة ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في مقابسات النبوغ

في مقابسات النبوغ

عادل سعد

لم يسعفنِ البحث عن المبتكرات العربية التي كانت قد تحققت خلال عام 2020 في التقاط منجزات كبيرة يمكن أن تشكل علامات فارقة في المشهد العلمي العالمي العام الزاخر بنسخ عديدة تستحق الانحناء المشفوع بالامتنان الكبير.
لقد أجريت استطلاعًا تحت هذا العنوان مدفوعًا بأمل أن ثمة مبتكرين عربا أنجزوا خلال العام المنصرم ضمن قائمة مبتكرين على امتداد العالم، فلم أجد أية حصيلة نستطيع أن نفاخر بها العالم.
أنا هنا لا أنفي ما لدى المشهد العلمي العربي من بحوث وابتكارات ذات طبيعة اعتيادية، لكنها لم تُحدثْ تغييرات جوهرية يمكن أن ننافس بها عالميًّا.
لا شك أن البيئة الحاضنة هي محركة النبوغ بما تصنع من محفزات له، وهذه الحالة قد صارت ممولًا اعتباريًّا وماديًّا للخبراء من أجل تطوير إمكاناتهم ليس فقط لسكان بلدهم، أي لخدمة حاجاتهم وتطوير الإمكانات المتاحة أو ابتكار لآليات جديدة، وإنما تتولى تلك البيئات أيضًا تقديم إغراءات منقطعة النظير لنوابغ يفتقدون البيئة الحاضنة في بلدانهم، ويجدونها تنتظرهم في بلدان أخرى.
حسب معلومات إحصائية يتجه المئات منهم إلى البلدان المذكورة استثناءً من شروط الهجرة التي تشدَّدت في السنوات الأخيرة، فحسب تقارير إحصائية، فإن مجموع الكفاءات العربية في الولايات المتحدة الأميركية وحدها تصل إلى نسب متقدمة، في حين أن الكفاءات العراقية وحدها تصل إلى 20٪ من الكفاءات في بريطانيا، أما في أوروبا فالكفاءات العربية تحتل نسبة عالية من النخب المهاجرة إلى تلك القارة، وهنا استذكرت ملاحظة للعالم العربي أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999.
لقد لخَّص الدكتور زويل الحقيقة بقوله (الغربيون ليسوا أذكياء والعرب أغبياء، إنما في الغرب يدعمون الفاشل حتى ينجح بينما في واقعنا العربي يحاربون الناجح حتى يفشل)، وقد جاء تلخيصه في معرض رفضه للتصنيف الذي يضع الأجناس البشرية ضمن مدرجات الذكاء والغباء، وفي ذلك أرى أنه أنصف الحقيقة إلى حد بعيد انسجامًا مع إجماعٍ علميٍ يفيد بأن العبقرية تأتي من الجهد المتواصل.
إن القياس ينبغي أن ينصب على البيئة الحاضنة للجهد الموظف في هذا المجال أو ذلك، أما ما الذي جعلني أستعين بما قاله العالم زويل فللموضوع علاقة مباشرة بنتائج مباشرة عن انشغالٍ لافتٍ بمواضيع الدراسات التاريخية وفي القضايا التي لا تتصل اتصالًا مباشرًا بما يؤدي إلى إحداث متغيرات حاسمة في التأهيل التنموي المستدام، وكذلك بانتشار أميبي لمراكز تأهيلية للعناية بكمال الأجسام، وتزاحم مستشارين للعناية الجسدية إلى حد انتشار إعلانات لمستشارين بشؤون الأظافر، وكذلك انتشار دكاكين تبيع مواد كيماوية الصنع على أساس أنها مكملات غذائية وانتشار غير مسبوق لمراكز أخرى ذات طابع لتعليم الفنون القتالية.
لا بأس بهذه التوجهات، وأن يكون هناك مروجون لها، ولكن أن تهيمن هذه الظاهرة بكل ما فيها من خدع للطاقة الفارغة على الواقع الاجتماعي العام، وأن تقع العديد من الأسر في المحظور وتدفع أطفالها إلى تلك المراكز على حساب التنمية العقلية لتنشيط التفكير منذ الصغر، فتلك وقائع تضليلية لعزل الأولويات، مع ملاحظة أننا في العراق تعرضنا إلى نوبة من هذا المحظور في سبعينيات القرن الماضي عند استقدمت جهات سياسية حاكمة آنذاك المصارع العراقي عدنان القيسي من لندن وأقامت له (منصة) مصارعة جُلب لها (أبطال) من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ومن بعض الدول الأوروبية، حيث غطت جولات المصارعة تلك أغلب الأجواء الاجتماعية والنفسية والسياسية، بل وحتى الاقتصادية، وصارت الظاهرة المحرك للمشاغل، وظلت المستشفيات العراقية تستقبل بين الحين والآخر أطفالا ونساء ورجالا عانوا من كسور؛ لأنهم كانوا يقلدون (بطلهم) عدنان القيسي في جولات مصارعة حرة.
على أي حال، ومع استفحال نزعات المصارعات السياسية وتقاسمها نفوذ الأهمية في المشهد العام، وما يتبع ذلك من متطلبات أمنية واقتصادية تقوم على العسكرة الجِهوية فحسب، تظل الغلبة للإهمال في التوظيف النشط للقضايا التي نحن بأشد الحاجة إليها.
الحال لا تنقصنا الجامعات والمراكز العلمية، ولكن ينقصنا الإدراك الفاعل للأسبقيات التي تزيح عن العمل العلمي الإيقاع الروتيني، وتتيح لنا المفاخرة كما تفاخر أرخميدس (لقد وجدتها).
حسب المعلومات المتوافرة عن هذا العالم الإيطالي أنه كان يستيقظ مبكرًا…

إلى الأعلى