الجمعة 5 مارس 2021 م - ٢١ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / أميركا على المحك.. من فضائح ووتر جيت إلى اقتحام الكابيتول
أميركا على المحك.. من فضائح ووتر جيت إلى اقتحام الكابيتول

أميركا على المحك.. من فضائح ووتر جيت إلى اقتحام الكابيتول

د. محمد بن عوض المشيخي:
تعيش العاصمة الأميركية واشنطن هذه الأيام ظروفا استثنائية غير مسبوقة في تاريخ هذا البلد العظيم الذي يحتل الصدارة في القوة الاقتصادية والعسكرية، بل وحتى في نظامه الديمقراطي الذي يعد نموذجا لمعظم دول العالم. فالذي شاهده الناس عبر شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي يوم 6 يناير من الشهر الجاري كان صادما بكل المقاييس، ليس للأميركيين فقط، بل للبشرية جمعاء. فقد اهتزت صورة الولايات المتحدة في ذلك اليوم الذي اغترف فيه الرئيس ترامب وأتباعه من اليمين المتطرف، الذين يزعمون بأنهم الأحق بأميركا دون غيرهم من الأعراق، أسوأ عمل إجرامي في تاريخ أميركا، وذلك بقيام مجموعة من مناصري الرئيس باقتحام مبنى الكونجرس، واستهداف النواب والشيوخ أثناء اعتماد نتائج فوز جو بايدن بالرئاسة.
ومن أشهر هذه العصابات المتطرفة التي يرعاها الرئيس الأميركي الذي خسر الانتخابات الحالية، ما يعرف بالأولاد الفخورين وكيو أي نون، وغيرها من الميليشيات التي تترعرع في مختلف الولايات الأميركية، والتي يجمعها الاعتداد بالجنس الأبيض، واحتقار كل الأجناس الأخرى وامتلاكها لكل أنواع الأسلحة في إطار القانون الأميركي. لقد صوت مجلس النواب الأميركي بنجاح وبأغلبية مريحة بتاريخ 13 يناير 2021 على عزل ومحاكمة الرئيس الأميركي ترامب، وذلك كخطوة أولى في انتظار تصويت مجلس الشيوخ على العزل والمحاكمة في قادم الأيام. يعد ترامب أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية يتهم مرتين بالخيانة العظمى من مجلس النواب الذي يمثل الشعب الأميركي، الذي يزعم أنه زعيم العالم الحر، والحارس الأمين على ديمقراطيات العالم في الشرق والغرب.
لقد خسر ترامب كل من حوله، فالاستقالات أصبحت بالجملة، خصوصا المستشارين ووزراء العدل والدفاع والنقل والتعليم في حكومة البيت الأبيض.
بدأ الرئيس ترامب بالهجوم على وسائل الإعلام التقليدية منذ تولِّيه الرئاسة قبل أربع سنوات، فاتهمها بالنفاق والكذب، واعتمد كبديل عنها على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا منصة (تويتر) التي أصبحت وسيلته المفضلة. فهو يقول لولا (تويتر) ما كان لي الوصول إلى الرئاسة الأميركية في انتخابات 2016. وبالفعل وصل عدد متابعي ترامب 88 مليون شخص في مختلف دول العالم، وذلك في مطلع هذا العام 2021. لذا وجد غايته في هذه المنصة، حيث يقيل من يريد من أعضاء الحكومة، ويعين آخرين عبر التغريدات المثيرة للجدل، والتي يحرص على نشرها يوميا. وتعد ظاهرة التعيين أو العزل بالتغريد في (تويتر) سابقة انفرد بها الرئيس ترامب. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد حظر (تويتر) نهائيا حساب ترامب، مسجِّلا بذلك سابقة كأول رئيس دولة في العالم يحظر حسابه؛ ثم قامت منصَّات (فيس بوك، ويوتيوب، وإنستجرام) بحظر حسابات الرئيس الأميركي في شهره الأخير في البيت الأبيض؛ وذلك بسبب التحريض والدعوة إلى الزحف على الكابيتول. أما وسائل الإعلام الأميركية فقد وجدتها فرصة للانتقام من ترامب الذي كان يطرد ويحتقر الإعلام والإعلاميين؛ فقد طرد مراسل شبكة (CNN) من إحدى قاعات البيت الأبيض أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس قبل عامين.
ولعل زيارة ترامب الأخيرة للجدار العازل بين المكسيك وأميركا قبل يومين، وقيام وسائل الإعلام بالتعتيم على تلك الزيارة؛ خير مثال على تلك القطيعة التي صنعها الرئيس نفسه، إذ امتنعت القنوات التلفزيونية والإذاعية عن بث كلمته أمام أنصاره على حدود الدولتين، بما في ذلك شبكة فوكس نيوز المقربة من البيت الأبيض.
هناك اعتقاد لدى العديد من الساسة والباحثين بأن انهيار أميركا إن حصل، سوف يكون على يد اليمين المتطرف الذي يمثله بعض أجنحة الحزب الجمهوري، الذي يميل إلى الفاشية والتعصب والعنصرية. فهذا الحزب الذي له مكانة متجذرة في التراث الأميركي تراجعت شعبيته في السنوات الأخيرة، فقد خسر الانتخابات في العديد من الولايات التي تُعد معقلا للجمهوريين، خصوصا في جورجيا وأريزونا؛ بسبب قيادة المحافظين الجدد لهذا الحزب، وفي مقدمة هؤلاء ترامب، وبريمر ورامسفيلد، وبالتون وفريدمان، وغيرهم من المتطرفين المساندين للصهيونية، ورغم أن بعضا من هؤلاء قد ترك المنصب في السنوات الماضية، فقد كشفت دراسة حديثة أن 54% من منتسبي الحزب الجمهوري يوالون ترامب أكثر من الحزب. أما السبب الثاني فهو تراجع أعداد الجنس الأبيض من أعضاء الحزب الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الأجناس الأوروبية كالأنجلوـ ساكسون، وكذلك بعض المهاجرين من دول أوروبا، بالإضافة إلى بريطانيا، مقارنة بالزيادة السكانية الهائلة للأميركيين الملونين، وخصوصا المسلمين؛ مما دفع الرئيس الأميركي الحالي إلى منع الهجرة، ووضع قيود على القادمين إلى الولايات المتحدة، خصوصا المسلمين منذ تولِّيه الرئاسة 2017.
وتشير بعض التوقعات إلى أن الحزب الجمهوري لن يسيطر بعد الآن على الرئاسة الأميركية، أو مجلس الشيوخ، أو مجلس النواب، عندما يؤدي الرئيس المنتخب جو بايدن اليمين الدستورية في 20 يناير الحالي. وقد يكون الرئيس القادم من الملونين المهاجرين، مثل نائبة الرئيس المرتقبة كمال هاريس، التي هاجر والداها إلى الولايات المتحدة منذ القرن الماضي.
ومن المفارقات العجيبة بأن ترامب الذي استمرت رئاسته أربع سنوات قد حاول التقرب أو احتواء قادة كوريا الشمالية، وإيران، وأوكرانيا وإثيوبيا، وفنزويلا، ولكنه أخفق وفشل فشلا ذريعا في تحقيق أهدافه، بينما على الجانب الآخر فرض سيطرته على المقدسات في العالم العربي، كمنح الصديق المدلل إسرائيل القدس الشريف، ومرتفعات الجولان، وكانت كلمة معظم القيادات بالمجمل السمع والطاعة لأميركا.
لقد فرح زعماء بالعالم الثالث، خصوصا الأنظمة الدكتاتورية بتشبث ترامب بالرئاسة، ومحاولته المستميتة تزييف الانتخابات الرئاسية بأي طريقة كانت، كأول سابقة في الولايات المتحدة التي تطبق معايير وقوانين محكمة وعادلة في اختيار المتقدمين للرئاسة. فهذه الأنظمة الاستبدادية تخشى التقارير السنوية التي تنشرها الحكومة الأميركية، خصوصا تقرير وزارة الخارجية عن حقوق الإنسان في العالم. فمعظم دول الجنوب تمارس تزييف الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتتمنى أن تشاركها دول الشمال المتقدمة في ذلك، مثل تهافت الحكام على كرسي الرئاسة بأي طريقة كانت، حتى على حساب الأوطان والدساتير والقوانين النافذة في هذه البلدان.
وقد سبق في مخالفة الدستور الأميركي واحد من أقوى رؤساء أميركا على الإطلاق، وهو نيكسون الذي ارتبط اسمه بفضيحة ووتر جيت (Water-Gate)، ذلك المبنى الذي يقع في أطراف العاصمة الأميركية واشنطن عام 1972، إذ أمر نيكسون بوضع أجهزت تنصت على مقر بعض أعضاء الحزب الديمقراطي المنافس، بهدف الاطلاع على الخطط الانتخابية للحزب. ولكن استطاعت صحيفة الواشنطن بوست أن تكشف هذه العملية التجسسية التي تعد خيانة للدستور الأميركي، وبعد مرور أكثر من عامين استقال الرئيس من منصبه قبل إجراءات العزل، وتولَّى نائب الرئيس جيرالد فورد الرئاسة وأصدر عفوا عن نيكسون.
وفي الختام، في إطار تراجع اليمين العنصري المتطرف، من حيث العدد والعدة حان الوقت؛ لتوحيد شمل المسلمين الأميركيين لمساندة القضايا العادلة، كقضية فلسطين ومسلمي بورما، وغيرها من القضايا الإنسانية، ودحر اللوبيات المساندة للصهيونية.

أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

إلى الأعلى