الخميس 25 فبراير 2021 م - ١٣ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: عُمان رسوخ منهجي في فلسفة التغيير المتسارع

في العمق: عُمان رسوخ منهجي في فلسفة التغيير المتسارع

د. رجب بن علي العويسي

منذ تولِّي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم مقاليد الحكم في البلاد في الحادي عشر من يناير من عام 2020، كانت السلطنة على موعد مع أشرعة تغيير متسارعة، وتوجهات تطويرية محكمة، ومراجعات وتقييمات شاملة وعميقة في مختلف منظومات العمل الوطني، وحازت منظومة الإدارة وحوكمة الأداء الحكومي وتعزيز الاستدامة المالية للدولة على قصب السبق وأولوية الاهتمام في رؤية القيادة الحكيمة وتوجهاتها لبناء عمان المستقبل، وقد جاءت خطابات جلالة السلطان المعظم شاملة جامعة متناغمة مع معطيات المرحلة القادمة في بناء الدولة العمانية ونهضتها، ومعبرة عن الظروف والمتغيرات التي تشهدها الحالة الوطنية والمستجدات الإقليمية والعالمية. فالخطاب التأريخي الأول في الحادي عشر من يناير2020 جاء تجديدا للعهد وترسيخا للثقة، واستمرارا للنهج الحكيم لسلطان عمان الراحل الذي رسم معالم الدولة العمانية وحدد مبادئها وأرسى دعائمها وأعلى بنيانها، وجاء خطاب عمان المستقبل في الثاني والعشرين من فبراير 2020 حاملا معه أجراس الإنذار بالتغيير، ووضع النقاط على الحروف حول شكل التغيير القادم الذي تحتاجه عمان المستقبل ويهيئ لرؤيتها “عمان 2040″ ممكنات القوة التي تضمن قدرتها على تحقيق أولوياتها وتنفيذ أجندتها وبرامجها بالصورة المأمولة منها، وفق أشرعة عمل تتجه إلى حوكمة الأداء المؤسسي، وتطوير نظم الإدارة، وتعزيز مبادئ التنافسية والإنتاجية، وترسيخ قيم العمل والشفافية الإدارية، وتأكيد نُهج المحاسبة والتقييم والمساءلة، وصولا إلى النزاهة التي لا بدّ أن تسود كافة قطاعات العمل، وأن تكون أساسا ثابتاً راسخا لكل توجهات السلطنة، وعبر مراجعات مقننة للتشريعات والقوانين وتطوير آلية اتخاذ القرار الحكومي ومراجعة أداء الشركات الحكومية لضمان كفاءتها الأدائية وتحقيق الإنتاجية وغيرها من ممكنات القوة لصناعة مستقبل مشرق يحقق طموحات وتطلعات أبناء عمان؛ كما جاء خطاب العيد الخمسين للنهضة العمانية في الثامن عشر من نوفمبر مجسدا لمرتكزات بناء عمان المستقبل، ومعبرا بصدق عن جدية التوجه في نقل هذه المرتكزات إلى واقع عملي مؤطر وأدوات عمل مقننة واستراتيجيات أداء واضحة المعالم، وخطط وإجراءات ومبادرات تضمن لهذه التوجهات القوة في ارتباطها بالواقع وتناغمها مع التطلعات واستجابتها للطموحات الوطنية، يلمسها المواطن في حياته اليومية وتتجسد معالمها في روح الإدارة وفقه المواطنة.
وفي الوقت الذي حدّدت فيه الخطابات السامية مسار الطريق الذي تتجه إليه عمان في مستقبل العهد الهيثمي الزاهر، وتبلورت رؤية العمل، وتأسّس فقه الوعي لدى المواطن، ونضجت روح المسؤولية، وتهيأت الظروف المناسبة لها، وتوافرت الأسباب والمبررات الداعمة لأهمية الإسراع في تأصيل هذه التوجهات ممارسة عملية فاعلة على الأرض؛ شكَّلت التوجيهات السامية الكريمة لجلالة السلطان والمراسيم السلطانية التي جاءت تباعا مع هذه الأحداث والمعطيات، محطة تأمل يستشعر فيها المواطن مرحلة جديدة من العمل الوطني المدروس، ونافذة متجددة لبناء المستقبل واستشرافه، تطل بها عمان على مرحلة جديدة من العطاء عنوانها، الانتقال إلى مستوى طموحات أبنائها وآمالهم وأحلامهم في شتى المجالات، فكان المرسوم السلطاني (75/2020) بشأن الجهاز الإداري للدولة، والمراسيم السلطانية بشأن إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، والأوامر السامية التي عبرت عنها المنشورات المالية منذ بداية عام 2020، واستهدفت خفض الانفاق الحكومي وترشيده وضبطه، ثم خطة التوازن المالي (2020-2024) وما تضمنته من إجراءات ومبادرات نوعية استهدفت تحقيقِ الاستدامةِ المالية للدولة والتهيئة لتنفيذ العديد من المشروعات التنموية الخدمية والإنتاجية على حد سواء، ومع الاعتماد السامي لنتائج التعداد الإلكتروني 2020؛ جاءت الأوامر السامية لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في إقرار إطلاق الرؤية المستقبلية “عمان 2040″ لتصبح نافذة بدءا من عام 2021 وحتى نهاية عام 2040 والتي جاءت خلاصة جهد وطني وتوافق مجتمعي، إيذانا بمرحلة جديدة في بناء عمان المستقبل، تضع الرؤية كمحرك أساسي لأدواتها وأطرها وخططها وبرامجها ومدخلات التطور القادمة في منظومة العمل الوطني، وبالتالي ما يعنيه ذلك من توجهات قادمة تظهر على الأرض، واستراتيجيات نابعة من عمق الرؤية، تجسد محاورها، وتؤصل قيمها، وتعكس تطلعاتها وطموحاتها، وتترجم أدواتها وتعبر عن الشعور الجمعي والمسؤولية المشتركة من قبل مكونات المجتمع بأفراده ومؤسساته دون استثناء كل في موقعه والمهمة الوظيفية والمجتمعية التي يقوم عليها.
لقد أدركت القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المعظم أن الوصول بأشرعة التغيير إلى بر الأمان وتحقيقها لمعايير النضج الفكري، والتأطير العملي لها في واقع العمل، وتجسيدها في سلوك المؤسسات وإنتاجية الأداء الحكومي، وتضمينها في فقه المواطن وقواعد السلوك الاجتماعي بحاجة إلى موجهات ضابطة وأدوات حاكمة وقواعد عمل تعصمها من الزلل وتجنبها الانحراف وتمنعها من الهدر، وتعزز فيها روح الإنتاجية والعطاء والإخلاص والمسؤولية، وتعمل على حمايتها وصونها واستدامة التغيير الذي يحفظ الوطن أرضه ووحدته وثرواته وموارده ومقوماته الحضارية ويحفظ للمواطن حقوقه المشروعة له موظفا الأدوات التي منحها له القانون في التعاطي مع أبجديات التطوير وتنظيم العلاقة مع مؤسسات الدولة، ويبعده عن الارتجالية والتدخلات العشوائية، بالشكل الذي يضمن جعل التغيير عقيدة لإصلاح وطني ومنهج يرسم التحولات القادمة لعمان، ويضمن للأجيال القادمة قدرتها على الاستفادة من رصيد التغيير وعملياته فيما فيه خير الوطن والمواطن، ذلك لأن المغزى من التغيير الذي انتهجته عمان في مسيرتها والذي جسدته رؤية عمان 2040 الوصول بالمواطن إلى مرحلة النضج الفكري والكفاءة الأدائية واستشعار طبيعة العمل القادم في التعاطي مع أبجديات الرؤية والمفاهيم التي تعمل على تحقيقها أو المتعلقات الأخرى التي تضع من الرؤية مساحة واسعة للشراكة والحوار والديناميكية، ويصبح دور المواطن فيها العمل على إعادة إنتاج مسيرة البناء والتطوير بطريقة تضمن تكيفها مع متطلبات عمان المستقبل وتجاوز التحديات الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي باتت تفرض نفسها على الواقع الاجتماعية في ظل ما فرضته جائحة كورونا (كوفيد19)، وتضمن أيضا قدرة هذه الجهود التي تبذلها الحكومة على تحقيق نواتج واضحة المعالم مأمونة المخاطر توفر الحماية للمواطن، وتضمن مشاركته الفعالة فيها وإسهامه النوعي نحوها، وفي الوقت نفسه قدرة الجهود الحكومية على النهوض به، وصناعة الإلهام فيه، وحفز دافع العطاء لديه، وتجديد الحافز وترسيخ المبدأ والعقيدة المهنية القادرة على الاستفادة من الفرص المتاحة له في مختلف الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتنشيط الفرص الهامدة في المؤسسات وإعادة تطويرها بما يحقق الغايات الوطنية الكبرى، وإعادة إنتاج القدرات والمهارات الشخصية للمواطن بطريقة أكثر إلهاما وتأثيرا في واقعه ومحيطه الكوني تظهر نواتجها في كل محطات الإنتاج، وتصبح فلسفة التغيير التي جاءت بها الإرادة السامية لجلالة السلطان المعظم وعبرت عنها تطلعات رؤية “عمان 2040″، في ظل معطيات الحالة العمانية حالة صحية ونهج قويم ومسار تطويري أصيل في بناء الوطن وتحقيق حياة مطمئنة للمواطن العماني، هدفها فهم طبيعة ومستجدات كل مرحلة والظروف التي تعيشها، وتناغمها مع احتياجات أبناء هذا الوطن الغالي وتطلعاتهم المستقبلية.
وبعد عام من التغييرات المتسارعة التي شهدتها منظومة البناء الوطني وتأصلت في فقه الجهاز الإداري للدولة، وفي يوم الحادي عشر من يناير الذكرى الأولى لتنصيب جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم سلطانا لعمان وتوليه مقاليد الحكم في البلاد، جاء المرسومان السلطانيان الساميان رقم (6/2021) القاضي بإصدار النظام الأساسي للدولة، ورقم (7/2021) بإصدار قانون مجلس عمان، تلبية لمتطلبات السلطنة في المرحلة المقبلة ترجمة للجهود النوعية التي بذلتها الحكومة والإجراءات المتخذة في الشأن الإداري والتنظيمي والمالي بما يتناغم مع أولويات رؤية “عمان 2040″ تجسيدا عمليا لروح التغيير التي يجب أن تسري في واقع حياة المواطن وأنظمة الحكم والإدارة وحوكمة الأداء والمحاسبة والقوانين والتشريعات، ليضيفا إلى هذه التغييرات مساحات القوة ومنهجية الكفاءة، وتحقيق مسار الإنتاجية في العمل الحكومي وسلطات الدولة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ترسيخا للنزاهة وتحقيقا للعدالة وتأكيدا لدولة المؤسسات والقانون.
لقد رسم النظام الأساسي للدولة بالمرسوم السلطاني رقم (6/2021) صورة عمان المستقبل، والممكنات التي تضمن لها مواصلة جهودها لصياغة مستقبل أفضل ينعم بالإنجازات، ويعزز من مشاركة المواطنين في صناعة مستقبلهم في إطار المحافظة على الهوية والثوابت العمانية والمبادئ التأريخية والحضارية ومكانة عمان الدولية، لذا جاء النظام الأساسي للدولة ليوجه بوصلة الدولة العمانية، ويحدد معالم التطوير والتحديث والتجديد ليضع كل ما سبق في إطار دستوري واضح وعمل وطني منظم، وتثبيت دعائم ومرتكزات بناء الدولة العمانية في صياغة ملامح التغيير التي تشهدها في مراحلها المقبلة، وفي إطار الحكومة وبناء منظومة فاعلة للإدارة جاء النظام الأساسي للدولة حاملا معه ضمانات تحقيقها في واقع حياة الأمة العمانية وعمل المؤسسات وفقه المواطن والسياسة الداخلية والخارجية التي تصنع الأمان والقوة والاستقرار والكفاءة والمهنية لنهج البناء والتطوير القادمة، خصوصا ما يتعلق منها بالتأكيد على نهج الدولة في إرساء نظام للإدارة المحلية، حيث أفرد الفصل الخامس منه بندا خاصا بذلك تحت المادة (64)، كما أفرد فصلا خاصا لمتابعة الأداء الحكومي ورقابته، جاء الفصل السادس منه وتحت عنوان: المتابعة والرقابة على الأداء الحكومي مادتين، رقم (65) حول إنشاء لجنة تتبع السلطان، تختص بمتابعة وتقييم أداء الوزراء ومن في حكمهم، ووكلاء الوزارات ومن في حكمهم، والمادة (66) حول إنشاء جهاز الرقابة المالية والإدارية، يتبع السلطان، ويختص بالمتابعة المالية والإدارية لوحدات الجهاز الإداري للدولة، وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة.
وبالتالي ما يطرحه هذان الفصلان في النظام الأساسي للدولة في الجانب المتعلق بحوكمة الأداء الحكومي وتعزيز كفاءة الإدارة والرقابة والمحاسبة من تحولات قادمة في مسيرة البناء الوطني الكفء والأداء الحكومي الفاعل، بما يستدعيه من بيئة مؤسسية تحتضنها، وفكر مؤسسي يضمها، وعقيدة مواطن قادر على التكيف معها وتجسيد أرصدة نجاحها في واقع حياته، واستيعاب متطلباتها وفهم مقتضيات عملها وما تعنيه من التزامات وموجهات وأدوات وآليات وأنماط في الإدارة والقيادة وفلسفة العمل المؤسسي، وأسلوب الأداء المتوازن، وتفعيل الاستراتيجيات، وصناعة البدائل وإنتاج الحلول، بما يضع منظومة الجهاز الإداري للدولة أمام مسؤولية التكيف مع هذه المعطيات، وأن تستجيب الممارسة المؤسسية لمحاور التغيير وأشرعة التطوير التي جاء بها النظام الأساسي للدولة لتكون لها شرعة ومنهاجا، وهو الأمر الذي بات يشكل طموحا وطنيا، ويعبِّر عن هاجس المواطن لضمان التثمير في الجهد الحكومي وضمان تحقيقه معايير الجودة والتنافسية والكفاءة، فإن المتتبع لفلسفة التغيير التي جادت بها الرؤية الحكيمة السامية لجلالة السلطان المعظم وجسدتها فصول ومواد النظام الأساسي للدولة، يقرأ فيها مستوى عالٍ من النضج والمهنية والاحترافية، في ظل رسوخ منهجي في فلسفة التغيير المتسارع، فهي قائمة على التدرج وقراءة معمقة لطبيعة الظروف، وتقرأ هاجس المواطن وتستشعر اهتماماته وأولوياته، وتطرح برامجها في ظل شراكة تحتوي الجميع وتحافظ على سقف مساهمة مختلف أطياف المجتمع العماني فيها، للدفع بالهاجس الوطني نحو تجديد الهمة وتعزيز الروح الإيجابية عالية نحو مستقبل الوطن.
ولأنَّ تحقيق نموذج وطني لتجسيد روح التغيير في الإدارة إلى استراتيجيات عمل بحاجة إلى جهد الشريك الاستراتيجي المعوّل عليه نقل هذا التغيير إلى واقع الممارسة الاجتماعية، وعبر المواطن نفسه رهان التغيير وأولوياته وطريق القوة في نجاحه وبنائه، فإن النظام الأساسي للدولة بما حمله في فصول ومواد الباب الثاني من مبادئ سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية، وما أشار إليه مواد الباب الثالث من الحقوق والواجبات العامة التي ضمنت للمواطنين حياة حرة كريمة في ظلال القانون والأمن والحريات؛ يضعه أمام إدراك بطبيعة التحولات القادمة والمسؤوليات التي يجب عليه أن يستحضرها في إطار مشاركته وتمكينه من صنع مستقبله والحفاظ على نسيجه الاجتماعي والحقوق والواجبات والحريات العامة التي عليه أن يتعاطى معها بكل وعي ومهنية ويمارسها بكل ابتكارية وروح وطنية عالية تتجاوز الأنا، وتسمو فوق الاعتبارات الشخصية، فهي ممكنات داعمة له عليه أن يستثمرها بخُلق، ويوظفها بمهنية، ويتعامل معها باحترام ويتفاعل معها بأدب، ويتعايش في ظلها بوجدانه وفكره واضعا الوطن طريقه الذي يجب أن يسلك ومساره الذي عليه أن يتجه، وبالتالي فحري به أن يضع متطلبات هذه المرحلة والتي بعدها موجهات له في فاعلية الدور وكفاءة الممارسة، متفهما للواقع الوطني الذي يعيشه وطبيعة التحديات التي تواجهه، والطموحات التي تتجه الدولة لتحقيقها، ومقتضيات العمل الوطني المعبِّر عن متطلبات المرحلة بما تحمله من سياسات اقتصادية وإجراءات، ليُعلي من شأن مهاراته واستعداداته وفرص النجاح لديه، ويُسوّق لمهاراته وقدراته واستعداداته وإنجازاته، بحيث لا ينتظر أن تقوم الحكومة بكل شيء، وتوفر له كل ما يحتاج؛ بل عليه أن يصنع خياراته بنفسه، ويسوق لذاته، وينافس في محيطه الكوني للحصول على الفرص بجدارة واستحقاق، ويستفيد مما أتاحته له الدولة في بناء ذاته وتطوير مشروعاته ورسم ملامح التغيير الذاتي لمستقبل أكثر بهاء وإشراقة.

إلى الأعلى