الجمعة 5 مارس 2021 م - ٢١ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / هنا .. كانت حياة

هنا .. كانت حياة

سعود بن علي الحارثي

كانت هذه القرية ـ التي أتنقل بين أطلالها المتهدمة ـ عامرة، وكانت قبل سنوات قليلة تنبض بالحياة الآسرة الجميلة، ليست في مكون أو جزء أو جنس أو مكان أو مرفق، بل كانت صاخبة نشطة متجددة متحركة في كل حقل ومجال وقطاع، في عدد البشر وتدافعهم وتفاعلهم ومنجزاتهم وتعاملاتهم اليومية وتنسيقهم وتعاونهم فيما بينهم، في التخطيط والهندسة والتصميم والبناء ونظم العمل وتطور الأعراف والقيم والفنون، في البساتين الخضراء بما تحتويه من الشجر والزرع بأصنافه ودرجاته ومسمياته وأغراضه ومواسمه، في الفلج المتدفقة مياهه العذبة على مدار الساعة وسواقيه وتفرعاته ونظام عمله التي تثير الإدهاش، والمسجد الذي يغص بالمصلين العامر بأصوات العباد والزهاد والمعتكفين وطلبة العلم، والسبلة التي تستقطب الناس من كل مكان وتنظم فيها اللقاءات والمناسبات وتعالج المشكلات وتتخذ القرارات وتصدح في جنباتها قراءات طلاب العلم وشيوخه، بيوت الطين ببواباتها الخشبية المتينة وشرفاتها التي تطل على الأزقة والطرق، السوق الذي يتوسط القرية بساحته الواسعة ورواده الكثر، بتقسيماته وتفريعاته ونظمه وآليات العمل فيه، وبمحلاته المزدهرة بالسلع، وتدفقات المنتجات المحلية التي تصله يوميا مما تقدمه يد الحرفيين والمزارعين ومربي الحيوانات والعسل، في المدرسة التي تستقبل كل صباح الفتيات والفتيان لتلقي دروس القرآن والإعراب والبلاغة والتفسير والفقه والحساب، في القيم العامة والعادات والتقاليد والأعراف المتوارثة التي تمثل قوانين راسخة، كل فرد في المجتمع مسؤول عن تطبيقها، حريص على التقيد بها وإلا فإن الفضيحة سوف تلاحقه وتلتصق به مدى الحياة، في دروس العلم وقصائد الشعر وأغراض النحو وقواعد الحياة وآدابها وتجاربها، في فن التعامل مع البشر والطبيعة والتعود على امتهان حرفة وعمل لضمان مورد للرزق والعيش الكريم، القدرة على تحمل المسؤولية وترسيخ قيم العمل والتعاطي مع الظروف والأحداث والتكيف مع الواقع، حياة متكاملة تعمق في سكان القرية وزائريها الراحة والسعادة والطمأنينة والتفاؤل، مجتمع مدني متكاتف ومتماسك ومتعاون، يلف القرية جو من الحزن والألم لوفاة أو مصاب أحد أبنائها، وتلبس أثواب الفرح في الأعياد والمناسبات العامة الدينية والشعبية والوطنية وتتشارك الأفراح مع أي أسرة أو منزل أو فرد دخل عش الزوجية أو رزق بمولود أو تعافى من سقم أو ربح في تجارة أو تجاوز اختبارا مهما من اختبارات الحياة والمعرفة، ويلتف أبناء القرية جميعا كالجسد الواحد لأداء خدمة أو تحقيق هدف يعود بمصلحة أو تغيير منكر أو قيام بواجب أو خدمة لمنشأة ومرفق عامين أو خاصين أو إصلاح لضرر أو نصرة لمظلوم أو تخفيف ألم وحزن عن مكلوم ومريض ومصاب، أو مساعدة شيخ وضعيف ومريض وفقير، كل من في القرية يتشاركون الفرح والحزن، فصاحب الفرح يتضاعف فرحه وتتعاظم سعادته وتنشرح نفسه لرؤية أبناء مجتمعه يشاركونه البهجة ويسرون لسروره، والمصاب ينفرج همه ويهون عليه حزنه عندما يرى أبناء مجتمعه بجنبه يواسونه ويخففون عنه ويشاركونه أوجاعه ويتألمون لألمه. فالحزن في هذه البيئة الصحية وفي ظل هذه الأجواء الأسرية المتحابة يتوزع ثقله ويتقاسم ألمه الجميع كل فرد يأخذ منه جزءا ويستقطع منه بعضا… أما الآن فقد تحولت الحياة الشاملة الفاتنة البهيجة المريحة إلى موت شبه عام، فذهبت معظم ملامح الحياة من جسد القرية، لم تخلف تلك الحياة المزدهرة النشطة إلا بقايا أطلال وآثار لمقابر موزعة في مخارج ومداخل ما كان يسمى يوما قرية، وجذوع نخل وأشجار يابسة بعد أن كانت باسقة، سواق جفت مياهها وبقايا مزارع بارت أرضها وقلاع تهدمت جدرانها ومنازل سقطت سقوفها وآثار مجد وحضارة تشي بعظمة المكان وشموخه ونبض حياة لم يبقَ منها إلا ذكريات شيوخ تزعج منامهم وتفطر قلوبهم وتثير مشاعرهم وتحرك عواطفهم وتبقيهم أسرى حياة لم تعد موجودة، فقد انتزعوا منها بعد أن ألقت بهم الظروف وتحولات العصر وتبدلاته إلى مكان مقفر في أرض جرداء خالٍ من نبض الطبيعة وإبداع الإنسان وجمال الصنعة وصخب البشر وروحهم المرحة بعيدا عن قلب القرية الذي احتضن طفولتهم وشبابهم ومشاعرهم وصحتهم وقوتهم… ومن يتوقف بضع دقائق مع المكان يجتر الذكريات فسوف تأخذه سنوات قافلة به إلى الماضي القريب، ويستعيد الملامح والمشاهد، كيف كان هذا الموقع ينبض حيوية ونشاطا وحركة، وكيف أصبح خرابا لا حياة فيه؟ ويقلب ما بين أطلاله بصره ويسير بين تلك الآثار سويعات يرصد ويتدبر ويستخلص الدروس من مرحلتين لا يجمعهما عنصر مشترك إلا المكان، مرحلة الحياة ومرحلة الموت. هنا تمكن الإنسان العماني وقبل قرون من الزمن من التغلب على الطبيعة القاسية بجبالها الصلبة وجفافها الحاد، تمكن من تطويع عناصرها، فبنى وشيَّد، وأقام وزرع، وأنشأ مجتمعا متكاملا حسن التنظيم، متناسق البناء متفقا مع ثقافته وخصوصيته وطبيعة منطقته وطقسها، ملبيا لاحتياجاته ومتطلباته، ضامنا لأمنه واستقراره… لقد كان في هذه القرية تاريخ حافل يتسرب من بين أيدينا لم يجد من يسجل ما يدور فيها من مناقشات يومية تعالج وتضبط وتنظم إيقاع الحياة كي لا ينفلت، فتعم الفوضى وتخرج الأمور من السيطرة، ومن نوادر أدبية وأحداث تاريخية وقصص ومواقف واقعية وصور جميلة تجسد ذلك الماضي القريب بكل تفاصيله ومحركاته. فقد كانت في كل خطوة وعمل وقرار وعرف وممارسة رؤية وهدف ومعنى ودلالة، تجربة ودرس وحكمة، في علاج أمراضهم وجبر كسورهم وتقويم حياتهم وإصلاح شؤونهم، والترفيه عن همومهم، وتربية وتهذيب أبنائهم، والإشراف على توفير متطلبات معيشتهم وما يضمن الاعتماد على أنفسهم. فهل فات الأوان وتسرب كل شيء وتلاشى وانتهى؟ أم أن البحث في أنقاض ذلك التاريخ والتقصي عن كبار السن والتفتيش في ذاكرتهم سوف يمكننا من الحصول على بعض من تلك الثروة التي اعتقدنا بأنها قد ضاعت؟ علينا أن نتحرك إذًا وبسرعة فالوقت ليس في صالحنا.

إلى الأعلى