الجمعة 5 مارس 2021 م - ٢١ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الدبلوماسية والصياغة اللغوية لقرارات مجلس الأمن (4)
الدبلوماسية والصياغة اللغوية لقرارات مجلس الأمن (4)

الدبلوماسية والصياغة اللغوية لقرارات مجلس الأمن (4)

سعدون بن حسين الحمداني:
يُعد القرآن الكريم بما يحويه من إعجاز بلاغي ولغوي، مدرسة ينهل منها علماء اللغة العربية وخصوصًا في صياغة الجمل الرصينة، المؤثرة، الهادفة ذات المغزى، قال تعالى: )وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..(،)البقرة ـ 30)، وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ…) (البقرة ـ 76).
قراءة ومتابعة بسيطة لقرارات مجلس الأمن نجد الفعل غالبًا يكون مقرونًا بحرف التوكيد (إذ) على سبيل المثال (إذ يؤكد/إذ يلاحظ/إذ يتصرف) وهذا الأسلوب جاء من الصياغة الربانية في القرآن الكريم حيث ذكرت كلمة (إذ) أكثر من 25 مرة في سورة البقرة، ووظيفته التأكيد على قوة الفعل والذي لا يقبل المناقشة أو التغيير.
إن قوة القرار وهويته تأتي من عدد الأفعال وأنواعها ـ الصفات وأماكنها ـ حروف الجرـ الظروف ـ علامات الترقيم ـ الأسماء المركَّبة والجمل المركَّبة، والجمل المعقدة استنادًا إلى المنطق الذي تم بناء وصياغة القرار عليه.
جميع القرارات تبدأ بالفاعل الذي هو (مجلس الأمن) والجملة الفعلية تبدأ بأفعال قد تكون إيجابية مرحبًا بها أم سلبية تنذر بعقوبات.
لذلك علينا تحليل القرار معتمدين على ثلاثة أعمدة رئيسية وهي: (وظيفة علم المعنى في قرارات مجلس الأمن Semantic-Function of the Security Council/علم الكلمة Lexical/علم النحو Syntactic)، وبتحليل أي قرار استنادًا لهذه النظريات اللغوية علينا أن نبدأ مباشرة بإحصاء وعدِّ ما يلي: عدد الأفعال ووظيفتها ـ أفعال (المضارع) ـ أفعال الماضي ووظيفتها ـ عدد الصفات وأماكنها وأنواعها ووظيفتها ـ ظروف الزمان والمكان ـ حروف الجر ـ الأسماء المركَّبة، وغيرها من الأمور اللغوية الضرورية بعيدًا عن المغزى السياسي الذي تم بناء القرار عليه.
وعلى سبيل المثال، إذا أخذنا القرار (661) الصادر في 6/8/1990 واستنادًا للقرار السابق (660) الصادر ضد جمهورية العراق الشقيق لغزوه دولة الكويت الشقيقة، نلاحظ أولًا أن القرار هو جملة واحدة بطول حوالي خمس صفحات بحجم خط 13. وإذا بدأنا بتحليل القرار لمعرفة هل هو إيجابي أم سلبي ومدى قوة القرار نلاحظ ما يلي: عدد الأسماء المركَّبة(16) ـ الأفعال المركَّبة(23) ـ الصفات المركَّبة (صفر) ـ ظروف الزمان والمكان(9) ـ حروف الجر(16) ـ (إذ) وردت أكثر من(6) مرات؛ إذ يعيد، إذ يساور، إذ يتصرف، إذ يلاحظ، إذ يضع، إذ يؤكد ـ الفعل يقرر (7) ـ الفعل يطلب (4).
ويختم القرار بسابقة خطيرة في سياقات الأمم المتحدة وهي فقرة (يقرر أن يبقى البند في جدول أعماله، وأن يواصل بذل الجهود كي يتم إنهاء الغزو العراقي في وقت مبكر)؛ أي بمعنى أن مجلس الأمن قائم بأي وقت يجتمع لإصدار قرار جديد دون الرجوع إلى السياقات المعمول بها، وهي الحصول على الأغلبية من الجمعية العمومية والتصويت عليه.
ومن خلال هذا الإحصاء اللغوي البسيط نلاحظ مدى السلبية وهوية القرار الصادر بسبب الخطأ الفادح الذي قامت به حكومة العراق الشقيق بحيث إن جميع الأفعال هي بصيغة المضارع المستمر، حيث ورد الفعل (يقرر) 7 مرات، والفعل (يطلب) 4 مرات، بمعنى أن العراق لم ينصاع للقرار الأول المرقم:(660) ولم ينفذ ما جاء فيه، ليؤكد القرار الجديد بقوة بحرف التوكيد (إذ يؤكد وإذ يعيد)، لذلك كان من الأفضل على ممثل وحكومة العراق أن يفهم ما يدور خلف الكواليس على دولته من خلال تحليل هوية القرار بسبب غزوه لدولة الكويت الشقيقة، وأن ينصاع منذ الوهلة الأولى لمظلة الأمم المتحدة، ويفهم قوة القرارات السلبية القادمة من خلال التحليل اللغوي الذي تم صياغته والتي تنتظره في حالة عدم تنفيذها والانسحاب من هذه الفعلة الشنيعة، فإن ما ينتظره أقوى وأكبر من هذا القرار، وفعلا جاء قرار شن الحرب حسب الفصل السابع، ثم الحصار الاقتصادي الذي دام أكثر من 12 سنة.
وفي الختام على ممثلي الدول في الجمعية العمومية وقبل التصويت أن يقرأوا ما بين السطور، ويدركوا أهمية التحليل اللغوي والترجمة بنفس الوقت لأي قرار صادر، وأن يتمعنوا كثيرًا في عدد الأفعال وأنواعها والأمور التي تم التطرق إليها بالمقالات السابقة، بعيدًا عن المنطق السياسي والتعنت الشخصي؛ لكي لا يضع بلده في موقف محرج أثناء التصويت على القرار.

دبلوماسي سابق

إلى الأعلى