الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وسائل امتداد التركيب في القرآن الكريم ودلالاته (سورة الماعون نموذجا) (3)

وسائل امتداد التركيب في القرآن الكريم ودلالاته (سورة الماعون نموذجا) (3)

د.جمال عبد العزيز أحمد:
.. والتعبير بالجملة الاسمية يفيد الثبات والاستمرار:(هم يراؤون)، كما أن التعبير بالفعل المضارع (يراؤون) يفيد كذلك الاستمرار، فكأنَّ لسانَ حالهم رياءٌ مصحوبٌ برياء، ومراءاة تلو المراءاة، قد تجيَّفت قلوبهم عن الإخلاص، وتنكَّبت طريقه، وسلكت طريقًا أخرى آثمة هي تقديم الأعمال لغير الله، وانتظار المديح، فهم إذا كانوا يصلون يراؤون، ومن ثَمَّ فهم لا تراهم في المساجد عشاءً، ولا فجرًا لقلة المصلين، أما ظهرًا وعصرًا ومغربًا فهم حريصون على السير في أثناء رفع الأذان، يمشون مصطحبين سبحتهم، وتعلو كَحَّتُهُمْ التي بها يُعلنون عن سيرهم إلى بيت ربهم، ومَنْ مثلهم عندئذ: محافظة على الصلاة، وذهابًا في وقت رفع الأذان، والجميع يطلون، وينظرون، ويسمعون، فيرون هؤلاء ماضين إلى بيوت الله فيقولون:(ما شاء الله!، هم محافظون على الصلوات، ماضون إلى المساجد قبل كل الناس)، وهم يسمعون الثناء، فينتشون، ويستحسنون القول من الناس، ويتمنون زيادته، وأن يكثر المشاهدون لهم في سيرهم إلى المساجد، أو لبسهم ملابس الحج التي يدورون بها على الناس، يسلِّمون عليهم، ويعلنون لهم أنهم إلى حج بيت الله سائرون، وعند الذبح لأي نوق أو بقر يرصُّون الناس رصًّا، ليشاهدوا ذبائحهم، ويطلع الناس على أفعالهم، والعياذ بالله تعالى، كلُّ ذلك حققته ياءُ المضارعة في:(يراؤون)، وأكدته اسمية الجملة كاملة:(هم يراؤون)، وكلُّها وسائلُ قد امتد بها التركيبُ، لهدف إبراز صفاتهم، ومعرفة كنههم، ثم يأتي الوصف الأخير الذي هو الضربة القاصمة التي ختم بها القرآنُ الكريم صفاتِ هي التي جعلتهم مكذبين بالدين، وهي:(ويمنعون الماعون)، فالواو لعطف الجمل، وهي وسيلة واضحة من وسائل امتداد التركيب، حيث مَدَّتِ التركيبَ بعطفها جملة على جملة، فزادت من جمال الدلالة، ووضعت تصورًا متكاملا عن الموصوف بها، والجملة كلها معطوفة على جملة الخبر قبلها: (الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون)، والفعل المضارع:(يمنعون) يفيد الاستمرار، وهو بوضعه هذا كناية عن قسوة القلب، وجفاف الإيمان، وندرة الرحمة، فهم مستمرون في منع مَعْنِهم، وكذلك عونهم ومساعدتهم لأيِّ إنسان مستحق لذلك، والماعون مأخوذ إما من (المَعْنِ) وهو الشيء القليل، كالإبرة والمقطف، والمِشَنِّ، والكوب، ونحوها من الأمور القليلة الشأن التي يكثر إعارتها، والاستعانة بها، وإما مأخوذ من العون، وهو العطاء، وتقديم الإعانة لمن يحتاج إليها، فهم يمنعون القليل، والكثير عن مستحقيه من الفقراء، والمعوزين، ومَنْ بهم فاقة شديدة، وقد امتد بها التركيب، فصارت صفات تتبعها صفات، وجملا تتعانق مع مثيلاتها من الجمل، وكلٌّ منها ترسم جزءًا ما في تلك الصفات التي عرفنا من خلالها السببَ في وصفهم بالتكذيب، وهناك جملة من الحقائق التربوية، واللغوية يمكن أن تُستنبَط من تلك السورة الرائعة، على قلة آياتها، وقلة حروفها، أولها أن الظواهر الاجتماعية مهمة جدًّا في حياة المسلم؛ لبيان كمال الإيمان من اهتمام باليتيم، وحض على إطعام المساكين، والصلاة على وقتها، وعدم المراءاة، وعدم فعل الأشياء رياءً، أو طلبًا لسمعة، وانتظارًا لشكر، ومنعًا للزيادة الموجودة عن الحاجة وإعطائها لمن يحتاج إليها، كما أن الإسلام لا يقف عند ظواهر الطاعات من: صلاة، وحج، ونحوها، بل يمتد ليشمل كلَّ مناحي الحياة الاجتماعية، التي قد لا يضعها في الاعتبار خلقٌ كثير منا، وأما من النواحي اللغوية فقد امتد التركيب بوسائلَ شَتَّى في تلك السورة، منها الاستفهام، والموصوف المحذوف، والمجيء باسم الموصول الذي يحتاج إلى صلة، والجمل الشرطية المحذوفة التي أبانت عنا الفاءُ التفريعيةُ في مقدمة السورة، ومجيء الجمل في معظمها بكلِ أركانها من فعل، فاعل، ومفعول، وعطف الجمل، وارتباط أشباه الجمل بأفعالها، وتعلقها بها، مما زاد معانيها، وأطال أركانها، وعناصرها الإسنادية الأساسية، وتتابع الصفات والنعوت دونما عطف، وقد قام الحذف في تلك السورة بمعانٍ لا يقوم بها الذِّكْر، فقد تمثل الحذف كثيرًا، ومنه، حذف الموصوف في أول آية:(أرأيت الشخص أو الرجل أو الإنسان الذي يكذب بالدين)، وتمثل كذلك في حذف جملة الشرط ومجيء الفاء التفريعية دليلا على المحذوف:(فذلك الذي ..)، وفي المفعول المحذوف في الفعل: (يحض) أي:(يحض غيرَه أو الناسَ الآخرين على طعام المسكين)، ونحو :(فويل للمصلين)، حيث حذف متعلق الخبر (أي: ويل حاصلٌ، أو متحقق، أو ويلٌ يحصل، ويتحقق للمصلين)، ونحو:(حذف مفعول يراؤون)، وحذف المفعول الثاني في الفعل (يمنعون)، أي: يمنعون الناس خيرهم، وما معهم من الزيادة، فهم منعوا المفعولَ نفسه؛ ليبين بمنعه منعَهم في حياتهم للمحتاجين بعضَ حقوقهم، فقد حُذِف أو مُنِع المفعول، ليبين في الوقت نفسه المنع، والشح، والبخل لدى هؤلاء، وعمل التعلقُ عمله في السورة حيث تعلق شبه الجملة: (بالدين) بفعله:(يكذب)، وتعلقت الفاء الرابطة أو التفريعية بالشرط المحذوف الذي أبانتْ عنه، وتعلقت الجملة التي بعد الواو بما قبلها، وتعلق شبه الجملة:(على طعام المسكين) بالفعل قبله:(يحض)، وتعلقت الفاء في:(فويل للمصلين) بما قبلها، وتعلق شبه الجملة:(للمصلين) بمحذوف هو الخبر، وتعلق شبه الجملة:(عن صلاتهم) باسم الفاعل الآتي بعده:(ساهون)، وهكذا يتضح هذا التعلق الذي امتد به التركيبُ، واكتملت به المعاني، والأوصاف، وَوَضَعَ القرآن الكريم من خلاله رؤية متكاملة للمكذِّب بالدين، وكلُّ تلك العناصر التركيبية أرسَتِ الدلالة القرآنية، وبيَّنت فحواها، وأوضحتْ غرضها، ومرماها، وأوقفتنا على خطورة ذلك المكذب، وأن الأمر ليس سهلا أبدًا، وأن كثيرًا منا واقعٌ في تلك الأوصاف، لا يحسبها مما يُحْتَسَبُ ضمن التكذيب، حيث إنها مسألة اجتماعية، لا فردية؛ ظنا منه أن المسلم يعيش في بُرْجٍ عَاجِيٍّ، لا علاقة له بغيره، والصحيح ـ كما بينتْه الآيات ـ أن المسلم مع مجتمعه كالُّلحْمة الواحدة، هو جزءٌ من المجتمع، والمجتمع كُلٌّ، هو فرعٌ، والمجتمع أصلٌ، هو ظِلٌّ لإخوانه، وهو تابعٌ لكل تلك المنظومة، ويُسهِم في قيامها، وإقامتها، وكلُّ شرائح يجب أن تكون المجتمع بين ناظريْه، وكلُّ صفة فردية، أو اجتماعية فيه تخصُّه، وتهمُّه، وهو داخل فيها، شاء أم أبى، وجاءتِ العباراتُ في بعضها بالجمل الاسمية المفيدة في أصل وضعها الثبات والاستمرار، وفي بعضها بالأفعال المضارعة المفيدة للاستمرار، كما أدَّتِ الحذوفُ معانيَ جليلة أكثرَ من أنْ لو ذُكِرَتْ، وعملَ التعلقُ عملَه في السبك والحبك، والربط، والتآخي بين الجمل، وامتد التركيبُ بصوره، وأنماطه اللغوية التي سبقت الإشارة إليها، وهذه هي لغة القرآن الكريم، وتلك هي سمات الكتاب العظيم، وخصائص كلام الله رب العالمين.

* كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ـ جمهورية مصر العربية

Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى