الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أصابتني دعوة سعد (2)

أصابتني دعوة سعد (2)

محمود عدلي الشريف:
وقف بنا الحديث في الحلقة الماضية عند الصحابي الجليل (سعد بن أبي وقاص)، ذلكم الصحابي الجليل الذي دعا له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) باستجابة الدعوة، ولِمَ لا؟! وقد كان سعد ـ رضي الله عنه ـ أحد العشرة الذين سمّوا للجنة وبشروا بها، وكان يقول: أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة، وأحد أصحاب الشّورى، وكان أرمى الناس، ودعا له النبي (صلّى الله عليه وسلّم) فقال:(اللَّهمّ استجب دعوته، وسدّد رميته)، وجمع له النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أبويه، فقال: ارمِ سعد، فداك أبي وأمي وقال: هذا خالي، فليأت كل رجل بخاله وولّاه عمر بن الخطاب الكوفة، (وكان على الناس يوم القادسيّة، وكان به علّة من جراح ـ كانت به ـ فلم يشهد الحرب، واستخلف خليفة، ففتح الله على المسلمين، فقال رجل من بجيلة:(ألم ترَ أنّ الله أظهر دينه … وسعد بباب القادسيّة معصم .. فأبنا وقد آمت نساء كثيرة … ونسوة سعد ليس منهن أيم)، فقال سعد: اللَّهمّ اكفنا يده ولسانه، فأصابته رمية فخرس، ويبست يده) (المعارف للدينوري ـ 1/ 241)، وعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا جُلُوْساً عِنْدَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم) قَالَ:(يَدْخُلُ عَلَيْكُم مِنْ هَذَا البَابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) فَطَلَعَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، كذا في (سير أعلام النبلاء، ط: الحديث (3/ 75).

وقد كان ـ رضي الله عنه ـ متواضعًا لينًا متسامحًا، ومن أجمل ما ورد عنه في ذلك، ففي كتاب (تجارب الأمم وتعاقب الهمم 1/ 414) وغيره:(أنّ عمر بن الخطّاب ـ رضي الله عنه ـ أتى بمال، فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه. فأقبل سعد بن أبى وقاص يزاحم الناس حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدرّة، وقال: إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض. فأحببت أن أعلمك أنّ سلطان الله لا يهابك)، كما أنه ـ رضي الله عنه ـ من الذين صدقوا الله ما وعدوه، ومن أشهر ما يدل على استجابة دعائه أن أُسَامَةَ بْنِ قَتَادَةَ قد ظلمه بشهادة الزور عليه والقصة عجيبة، لنرى أحداثها .. فإليكم التفصيل .. (ذات يوم شكا أهل الكوفة سعدًا لأمير المؤمنين عمر) ـ والقصة وردت في البخاري ومسلم ـ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ صحيح البخاري (1/ 151)، ومسلم (453) و(159) (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ العِشَاءِ، فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ، قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلاَ يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ) .. اه.

سبحان الله اشتكوا سعدًا وهو الذي كان يتقي الله فيهم، ويعاملهم بما يرضي الله تعالى وقد أقرهم ـ رضي الله عنه ـ بذلك، فقد ورد عن ولده مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ: أَنَّ سَعْداً خَطَبَهُمْ بِالكُوْفَةِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الكُوْفَةِ! أَيُّ أَمِيْرٍ كُنْتُ لَكُم؟ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُكَ لاَ تَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ، وَلاَ تَقْسِمُ بِالسَّوِيِّةِ، وَلاَ تَغْزُو فِي السَّرِيَّةِ، فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ كَاذِباً فَأَعْمِ بَصَرَهُ، وَعَجِّلْ فَقْرَهُ، وَأَطِلْ عُمُرَهُ، وعرضه للفتن. قَالَ: فَمَا مَاتَ حَتَّى عَمِيَ، فَكَانَ يَلْتَمِسُ الجُدُرَاتِ، وَافْتَقَرَ حَتَّى سَأَلَ، وَأَدْرَكَ فِتْنَةَ المُخْتَارِ، فقتل فيها) (سير أعلام النبلاء، ط: الحديث 3/ 78)، فعزله عمر، ثم ولّاه عثمان بعده الكوفة، ثم عزله. واستعمل عليها الوليد بن عقبة. فلما قدم عليه، قال سعد للوليد: يا أبا وهب، أكست بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال الوليد: ما كسنا يا أبا إسحاق ولا حمقت، ولكنّ القوم استأثروا. المعارف (1/ 242).

ومن عجيب أمره ـ رضي الله عنه ـ ما جاء عَنْ قَيْسٍ، قَالَ:(كان لابن مسعود على سعد مال، قال لَهُ ابْنُ مَسْعُوْدٍ: أَدِّ المَالَ. قَالَ: وَيْحَكَ مَا لِي وَلَكَ؟ قَالَ: أَدِّ المَالَ الَّذِي قِبَلَكَ. فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ إِنِّي لأَرَاكَ لاَقٍ مِنِّي شَرّاً، هَلْ أَنْتَ إِلاَّ ابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَعَبْدُ بَنِي هُذَيْلٍ. قَالَ: أَجل وَاللهِ! وَإِنَّكَ لابن حمة. فَقَالَ لَهُمَا هَاشِمُ بنُ عُتْبَةَ: إِنَّكُمَا صَاحِبَا رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَنْظُرُ إِلَيْكُمَا النَّاسُ. فَطَرَحَ سَعْدٌ عُوْداً كَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ! فَقَالَ له عبد الله: قل قولا ولا تعلن. فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللهِ لَوْلاَ اتِّقَاءُ اللهِ لَدَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً لاَ تُخْطِئُكَ) (رَوَاهُ ابْنُ المَدِيْنِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيْلَ، وَكَانَ قَدْ أَقْرَضَهُ شَيْئاً مِنْ بَيْتِ المَالِ).

وعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ:(أَنَّ رَجُلاً كَانَ يَقَعُ فِي عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَجَعَلَ سَعْدٌ يَنْهَاهُ وَيَقُوْلُ لاَ تَقَعْ فِي إِخْوَانِي فَأَبَى فَقَامَ سَعْدٌ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا فَجَاءَ بُخْتِيّ يَشُقُّ النَّاسَ فَأَخَذَهُ بِالبلاَطِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ كِرْكِرَتِهِ وَالبلاَطِ حَتَّى سَحَقَهُ فَأَنَا رَأَيْتُ النَّاسَ يَتْبَعُوْنَ سَعْداً يَقُوْلُوْنَ هَنِيْئاً لك يا أبا إسحاق! استجيبت دعوتك) (المرجع السابق 3/ 79).

هكذا من يكن الله مع من كان معه، فلما حضرته الوفاة ـ رضي الله عنه ـ بكى عليه ابنه مصعب، عَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ:(كَانَ رَأْسُ أَبِي فِي حجْرِي وَهُوَ يَقْضِي فَبَكَيْتُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ مَا يُبْكِيْكَ؟ قُلْتُ: لِمَكَانِكَ وَمَا أَرَى بِكَ قَالَ: لاَ تَبْكِ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُعَذِّبُنِي أَبَداً وَإِنِّي مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ. قُلْتُ: صَدَقَ وَاللهِ فَهَنِيْئاً لَهُ) (المرجع السابق 3/ 83)، و(مات في قصره بالعقيق، على عشرة أميال من المدينة، ودفن بالبقيع مع أصحابه، وكانت وفاته سنة خمس وخمسين، وهو آخر العشرة موتًا). (المعارف 1/ 242).

وهذا يدعونا إلى العدل ونبذ الظلم والمحبة والتسامح بدلا منه ، وأختم ورقتي هذه بهذه القصة التي وردت عن سعيد بن زيد ـ رضي الله عنه ، وهاكم القصة:(عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ حَزْمٍ قَالَ: جَاءتْ أَرْوَى بِنْتُ أُوَيْسٍ إِلَى مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ فَقَالَتْ: إِنَّ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قَدْ بَنَى ضَفِيْرَةً فِي حَقِّي فَائْتِهِ فَكَلِّمْهُ فَوَاللهِ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ لأَصِيْحَنَّ بِهِ فِي مَسجدِ رَسُوْلِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ لَهَا لاَ تُؤْذِي صَاحِبَ رَسُوْلِ اللهِ! مَا كَانَ لِيَظْلِمَكِ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ لَكِ حَقّاً، فَخَرَجَتْ فَجَاءتْ عمَارَةَ بنَ عَمْرٍو وَعَبْدَ اللهِ بنَ سَلَمَةَ فَقَالَتْ لَهُمَا ائْتِيَا سَعِيْدَ بن زَيْدٍ فَإِنَّهُ قَدْ ظَلَمَنِي وَبنَى ضَفِيْرَةً فِي حَقِّي فَوَاللهِ لَئِنْ لَمْ يَنْزَعْ لأَصِيْحَنَّ بِهِ فِي مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَاهُ فِي أَرْضِهِ بِالعَقِيْقِ فَقَالَ لَهُمَا مَا أَتَى بِكُمَا؟ قَالاَ جَاءَ بِنَا أَرْوَى زَعَمَتْ أَنَّكَ بَنَيْتَ ضَفِيْرَةً فِي حَقِّهَا وَحَلَفَتْ بِاللهِ لَئِنْ لَمْ تَنْزعْ لَتَصِيْحَنَّ بِكَ فِي مَسْجِدِ رَسُوْلِ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَأْتِيَكَ وَنُذَكِّرَكَ بِذَلِكَ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يقول:(من أخذ شبرا من الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقٍّ طُوِّقَهُ يَوْمَ القِّيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِيْنَ لَتَأْتِيَنَّ فَلْتَأْخُذْ مَا كَانَ لَهَا مِنْ حَقٍّ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَذَبَتْ عليَّ فَلاَ تُمِتْهَا حَتَّى تُعْمِي بَصَرَهَا وَتَجْعَلَ مَنِيَّتهَا فِيْهَا. ارْجِعُوا فَأَخْبِرُوْهَا بِذَلِكَ فَجَاءتْ فَهَدَمَتِ الضَّفِيْرَةَ وَبَنَتْ بَيْتاً فَلَمْ تَمْكُثْ إلَّا قَلِيْلاً حَتَّى عَمِيَتْ وَكَانَت تَقُوْمُ مِنَ اللَّيْلِ وَمَعَهَا جَارِيَةٌ تَقُوْدُهَا فَقَامَتْ لَيْلَةً وَلَمْ تُوْقِظِ الجَارِيَةَ فَسَقَطَتْ فِي البِئْرِ فَمَاتَتْ) (صحيح، أخرجه مسلم برقم: 1610 و139)، ورواه مختصرًا (البخاري 3198)، وجاء أيضًا في (سير أعلام النبلاء ط: الحديث 3/ 74)..

نسأل الله تعالى أن يرزقنا العدل والمحبة والمودة والتعاون على البر والتقوى، وأن يجنبنا الجور والزور والظلم وأن يحفظنا وإياكم من مكروه وسوء، وأن يجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنا سخاء رخاء مزدهرا أبد الدهر.

*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى