الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / متى تشفى البطة العرجاء؟

متى تشفى البطة العرجاء؟

عادل سعد

بقدر انطباقها على البشر أفرادًا، تنطبق على الأمم أيضًا، النصيحة التي أسداها الإمام علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ حين قال (تأكد حين تنكسر لا يرممك إلا نفسك، وحين تنهزم لن ينصرك سوى إرادتك، فقدرتك على الوقوف مرة أخرى لا يملكها سواك). والحال يظل احتمال إزالة الصورة المأساوية لعدد من السياسات مرهونًا بشجاعة الاعتراف المرتبط بالعزيمة على إنضاج قرارات تضع حدا لما يجري وتلمس خطوات إيجابية من شأنها أن توقف نزيف الخسائر في عالم أصبح الترشيد عرَّابًا لا يجوز التفريط به.
الأولوية هنا للبصيرة الجمعية في تلمُّس هذه الخطوات، ولن يتم ذلك إلا من خلال مراجعة جذرية للواقع المعاش وفق قياس القاعدة القرآنية الإيمانية (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، والمؤكد من تشخيصات أمنية وسياسية واقتصادية في بيانات متوالية أصدرها تباعًا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش العام الماضي 2020 أن العديد من الدول لا ينقصها العجز أو المرارة أو الخوف على مستقبلها، إنما ينقصها التحسب للحالات الطارئة، وما يتبعها من مفاجآت مؤلمة مع تباين واضح لصالح حجم المشاكل على ما هو مرصود لها من معالجات في النيَّات، أو المعالجات المستخدمة وقد تفاقمت ضدها مضاعفات جانبية تحولت إلى جزء أساسي من واقعها.
إن العقدة المستعصية تكمن الآن في أن لا أحد من أصحاب القرار في دول بعينها يستحضر له موقفًا تنازليًّا يلتقي فيه بالوسط مع الآخرين، أي لا أحد يكلف نفسه التعاطي بفضيلة التخلص من أسبقياته لصالح أسبقيات الحلول التشاركية وهي عمومًا ليست أسبقيات مجهولةً على الإطلاق.
إن استمرار النزيف الأمني والسياسي والاقتصادي كل السنوات الماضية جعل تلك الدول على حافة انهيار شاخص يلوح أمام الأنظار، وتغذية قوى تستطعم اشتعال الحرائق. وبقراءة ميدانية موضوعية لا فرصة أمام الدول المذكورة لمواجهة استحقاقات تحديات كبيرة تضربها في الوقت الحاضر إلا لملمة أوضاعها وتنشيط ذاكرتها التفاوضية باتجاه حلول تضامنية حتمتها جائحة كورونا التي قال عنها مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق هنري كيسنجر إن هذا الوباء سيغير العالم إلى الأبد، وهو في ذلك محق إذا أخذنا بواقع المستجدات التي أحدثها سلبًا في البيئة والاقتصاد والعلاقات البشرية اليومية والتعاطي المعرفي وحجم المخاوف التي راكمها وثقافة اللجوء إلى الكمامات.
لقد ورث العالم خلال العام الماضي ٢٠٢٠ تفاقمًا غير مسبوق للمشاكل، هذا على صعيد دول تمتلك أوضاعًا اعتيادية وقد وجدت حالها وجهًا لوجه أمام استحقاق التصدي للوباء، وهي الآن تكابد ويلاته، بل وتعترف أن بعض مشاكلها خرجت عن السيطرة، لاحظوا ما يصدر من بيانات عن دول منظومة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية فكيف يستقيم الحال لدول تعيش عمقًا مأساويًّا وهي تحت طائلة دورات متكررة من العنف والاستنفار الأمني والركود الاقتصادي.
إن انتظار نتائج العض المتبادل للأصابع صار انتظارًا باليًا، وهو في كل الأحوال انتظار سيؤدي إلى خسارة جميع الواقعين تحت طائلة هذه المراهنة، وتحضرني هنا نصيحة جيمس بيكر ولي هاملتون في تقريرهما المشترك الذي أوصيا به الرئيس جورج بوش عام ٢٠٠٦ بضرورة التعاطي الواقعي مع القوى الخصم واجتراح حلول متوازنة تبتعد عن نزعات الغالب والمغلوب إذا أرادت الولايات المتحدة الأميركية أن تحافظ على نفوذها، وليس الاستمرار بالقوة المفرطة لتصفية وجود تلك القوى وإزالتها من الخرائط السياسية.
الخلاصة ومن محتوى واقعية المقاصد النبيلة لميثاق الأمم المتحدة، لا يمكن للبطة العرجاء أن تتخلص من العرج الذي أصابها إلا باكتساب مناعة الشفاء وهكذا أن بعض دول العالم تفتقر إلى سياسات واقعية، وهي بعد كل التوترات والمناكفات التي شهدتها في العام الماضي بحاجة ماسة إلى مراجعة تضع بنظر الاعتبار قيم التضامن والمصير المشترك وقلة الفرص المتاحة.
يقول وزير الخارجية الروسية لافروف (لم يعد العالم يملك ترف إدخال الفيل إلى متجر الأطباق).

إلى الأعلى