الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / لا تمالئ

لا تمالئ

د. أحمد مصطفى أحمد:
ليس في كل ما يخص البشر ما هو مطلق، وهكذا الحال مع العمل العام والسياسة ليس بها “أبيض وأسود” بشكل حاسم وإنما درجات عديدة من اللون الرمادي. لكن ذلك لا يمنع أن البشر يسنون قواعد مبنية على التجارب والخبرات، وغالبا ما تكون صحيحة ـ نسبيا على الأقل ـ حتى يتجاوزها الزمن وتتغير بتغير الظروف أيضا. ورغم أن “الحلول الوسط” والمداهنة والتغاضي كلها من الممارسات السياسية، بغض النظر عن الموقف الأخلاقي الصارم، إلا أن الممالأة أمر آخر: فهي ببساطة حسب أكثر من معجم لغوي مساعدة أو مسايرة للجموع. وهذا ما قصدت فيما أريد طرحه، أن الممالأة أحيانا تكون أخطر مما يساعد المرء عليه أو يساير الجمع فيه.
في تصوري أن أخطر ما مرت به بلادنا وأمننا في العقود الثلاثة الأخيرة هو التطرف والتشدد والإرهاب المتسربل بالدين. ولأننا شعوب في أغلبها متدينة بطبعها، ذلك التدين السمح البسيط الذي يظل بين العبد وربه أيا كان دينه أو مذهبه، فإن استغلال الدين لنشر أفكار التطرف والإرهاب جعل كثيرين “يمالئون” هؤلاء المتشددين بشكل غير مباشر بتفادي التصدي لهم أو حتى التوعية بخطرهم، ليس على الدول والمجتمعات فحسب، بل حتى على الدين ـ أي دين ـ نفسه. فهذا التشدد والتطرف والإرهاب هو اختطاف للدين من مئات الملايين من أتباعه العاديين. وليس أخطر من تلك الزمرة المتطرفة الإرهابية إلا من يمالئها، ظنا منه أنه بذلك ينفع دين الله ويرضي ربه. ولعل انكشاف شعوب مثل ما في العراق وسوريا ومصر على خطر هؤلاء على الإنسانية جمعاء، وعلى الدين قبل كل شيء، بممارساتهم الدموية ونفاقهم السياسي وانتهازيتهم المالية والاقتصادية كفيل كدرس لنا كي لا نمالئ.
وبما أن الشعوب تهضم وتتعلم وتراكم حكمة جمعية على مدى طويل من الزمن، فإن على السياسيين في السلطة وخارجها واجبا أشد في عدم الممالأة. وأول ما يتطلبه ذلك هو التزام قاعدة أساسية ببساطة: ألا تنجر الدول إلى أرضية المتشددين. ولعل لنا في أميركا حاليا عبرة حين مالأت السلطة السياسية في السنوات الأخيرة المتشددين من المذهب الإيفانجليكال لتبرز نواة صلبة من تجمعات تشبع العصب الإرهابية سيكون من الصعب تفكيكها أو “هدايتها” سياسيا لفترة طويلة. تلك العصب، وفي القلب منهم جماعات عنصرية تتسربل بمذهب مسيحي هو أبعد ما يكون عن الدين المسيحي السمح، اختطفت الدين وحولت السياسة إلى عنف وفوضى. صحيح أن أوجه الاختلاف بين المجتمع الأميركي ومجتمعاتا عديدة وأحيانا عميقة جدا، لكن وسائل الاتصال التي تطورت في السنوات الأخيرة، خصوصا عبر الإنترنت قللت من تلك الفوارق على الأقل سطحيا.
أما عندنا، فمشكلتنا في مواجهة جماعات التطرف والإرهاب هي أن السلطات غالبا ما تأخذ في الاعتبار تدين جموع الشعب فتتردد في الحسم تجاه هؤلاء المتطرفين والمتشددين. بل للأسف تحاول أحيانا أن تزايد عليهم في إظهار قشور التدين الحياتية، فتبدو وكأنها ليست فقط “تلعب على أرضهم” بل وترتدي زيهم وترفع شعاراتهم. مع أن العكس هو الأجدى والأكثر توعية للشعوب وحسما لتلك الآفة التي أصابت مجتمعاتنا. فاللعب على أرضية هؤلاء بمحاولة إثبات أننا أكثر تدينا منهم وحفاظا على تعاليم الدين، أولا يخدم رؤيتهم المضللة ويعزز مواقفهم المتطرفة، بل يدفهم لتجنيد المزيد من المغرر بهم. ثم إن ذلك يعطيهم، وتابعيهم ومريديهم، فرصة لتفسير الأديان على هواهم ولن يكون أمام الدول إلا مسايرتهم والغرق في الأصولية والتلفيق.
ودون استشهاد بدول أخرى ولا حتى مجتمعات مماثلة، لنتذكر الدرس من جهود بعض الدول في منطقتنا لاستيعاب هؤلاء المتطرفين المتشددين وإدخالهم في برامج إعادة تأهيل سماها البعض “استتابة” والبعض “مراجعة” وغيرها من الشعارات. بالطبع، تحاول الحكومات ألا يكون سبيل المواجهة مع التطرف والإرهاب هو المسار الأمني فقط، ربما خشية ملامة مما تدعى منظمات حقوق إنسان أو ضغوط من قوى خارجية وداخلية. وتلك الحلول الوسط مفهومة سياسيا، وقد تجدي نفعا مع غير هؤلاء المؤدلجين بالضلال والمؤمنين بالعنف سبيلا لتحقيق الغايات. فماذا كانت نتائج تلك البرامج؟ في الأغلب الأعم أنتجت عناصر مشوهة إنسانيا وانتهازية سياسيا وفي غاية الصلف والعنجهية فكريا. أما البقية فقد عادوا إلى ما كانوا عليه وربما أضروا بمجتمعاتهم ودولهم بأكثر مما لو كانوا تركوا في غيهم حتى يقضى عليه أمنيا. فهؤلاء في النهاية لا تنطبق عليهم أي قواعد، لأنهم خارج الناموس الإنساني كله ويحسبون أنفسهم فئات مختارة غير مسؤولة أمام بشر إلا من سلموهم قيادتهم من زعامات الإرهاب والتطرف.
قد تصالح عدوا دخلت معه في صراع وصل إلى الحرب، لكنه في النهاية بلد مثلك أو كيان ما له قواعد ومعايير يمكن الرجوع إليها. لكن هؤلاء الذين لا يعترفون بأي من أمور البشر ويتصورون أنهم يستمدون شرعيتهم من غيبيات (بعض جماعات المتطرفين البيض الأميركيين تتحدث علنا عن قوى السحر وما وراء الطبيعة باعتبارها ناموسا لها) أو تفسيرات مضللة للأديان. فكيف يمكن أن تستخدم قواعد ومعايير في التعامل مع هؤلاء أو تأمل حتى في إقناعهم وهدايتهم؟!

إلى الأعلى