الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. من جيمس فولي إلى مايكل براون .. حقيقة الديمقراطية الأميركية

شراع .. من جيمس فولي إلى مايكل براون .. حقيقة الديمقراطية الأميركية

خميس التوبي

تتكاثر البراهين الدالة على حقيقة الديمقراطية الأميركية التي لا تزال الولايات المتحدة تتباهى بها، محاولة تسويقها على أنها الأقدم والأنصع في تاريخ الديمقراطيات القديمة والناشئة، ومن أجل نجاحها في عملية التسويق هذه ما فتئت تغطي ديمقراطيتها بستار تعمل جاهدة على جعله ناصعًا من الخارج ليبدو للرائي وفق ما تريده أن يراه، فانخدع السواد الأعظم لا سيما في منطقتنا بأن الديمقراطية الأميركية هي أعظم الديمقراطيات على الإطلاق، وتوهموا بأن سياسات الولايات المتحدة وتدخلاتها في شؤون الدول إنما هو لصالح شعوبها لتجني من ورائها الخير العميم والعدالة والمساواة والقيم والأخلاق وغيرها، وبالتالي فإن الولايات المتحدة حين تتدخل وتشن الحروب وتغزو الشعوب لا لشيء سوى حبها لهذه الشعوب وحرصها على أن تنهل من معين الديمقراطية الأميركية وتنعم بنعيمها وترفل في أثوابها، دون أن يدري هؤلاء الموهومون أنهم بانخداعهم هذا قد تحولوا طوعًا إلى قطيع ضمه “الكاوبوي” إلى قطعان الأبقار والثيران التي يسوقها في براري تكساس وأوكلاهوما وغيرهما.
ومن بين هذه البراهين ازدواجية الخطاب السياسي وازدواجية المعايير للولايات المتحدة في تعاملها مع القضايا الخارجية وقضايا الشعوب، حيث فائض النفاق السياسي والأخلاقي يوجه لإغراق الخصوم، ففي الوقت الذي تشن فيه الولايات المتحدة حروبها الغاشمة لتدمير دول تحت طائلة نشر الديمقراطية والحرية وحماية المدنيين، تغض الطرف عن انتهاكات غير مسبوقة في مجال حقوق الإنسان والحريات الدينية والفكرية والديمقراطية، بل إنها تنتصر لهذه الانتهاكات وغيرها من جرائم الحرب والأعمال الإرهابية وتعدها في إطار “الدفاع عن النفس”، كما هو الحال في تعاملها مع جرائم الحرب التي يرتكبها صباح مساء حليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني وعملاؤها وخدمها الذين يسهلون لها تدخلاتها ويحققون لها مصالحها. وفي الوقت الذي تعد فيه قائمة للإرهاب وقائمة للحريات، وتضع فيهما من تشاء من الدول التي لا تقاسمها سياساتها وتدخلاتها وتقف على مسافة بعيدة منها، وترفضها رفضًا تامًّا، تنسى أن بيتها من زجاج وتتناسى سبقها التاريخي في القضاء على الهنود الحمر أصحاب الأرض الأميركية الحقيقيين، وتدير ظهرها عن ما تموج به الأرض الأميركية من عنصرية مستشرية تعيد الولايات المتحدة إلى عصر الأبارتهيد وما قبل عصر إبراهام لنكولن، فلم تكن حادثة قتل الشرطي الأبيض دارين ويلسون للشاب الأسود مايكل براون في فرجسون بولاية ميزوري، وقرار القضاء الأميركي بعد ثلاثة أشهر من المداولات في هيئة المحلفين عدم ملاحقة الشرطي القاتل قضائيًّا بزعم “عدم توفر سبب كافٍ لملاحقته”، وكذلك قيام شرطي أبيض بقتل رجل أسود في ولاية أريزونا، واعتقال المئات من المتظاهرين المطالبين بالعدالة والحرية والمساواة في الحقوق والزج بهم في السجون والمعتقلات، لم تكن تلك الحوادث إلا دليلًا على الصورة المهترئة للديمقراطية الأميركية التي بها يتم دك أسوار السلم والأمن الدوليين، وإبادة الشعوب وتدمير أوطانها ونهب ثرواتها على النحو الذي نراه ماثلًا بالدليل المادي الملموس في العراق وليبيا وجارٍ في سوريا، حيث تحالفت الديمقراطية الأميركية مع الإرهاب وبنت معه علاقة عضوية تاريخية، وجعلت منه جسر العبور لتنفيذ الاستراتيجيات والأجندات والأهداف والغايات، وسخرت له البيئات الحاضنة، وهيأت له أشكال الدعم كافة من سلاح ومال وعملاء وأدوات إرهاب إجرام وتكفير تقوم بعملية التدمير والإبادة والنهب باسم الديمقراطية الأميركية، وفوق ذلك بنت لهذا الإرهاب تحالفًا يتولى عملية تقديم الدعم والرعاية لإرهاب “داعش” الذي كان قطع رأس الصحفي الأميركي جيمس فولي ذريعة من الذرائع لهذا التحالف “الإعلامي” المشبوه، لتمكين الديمقراطية الأميركية من تحويل الدول العربية المستهدفة وفي مقدمتها سوريا والعراق إلى أطلال.
نفاق وازدواجية وكذب وتضليل وتدليس وفبركة ودجل وتحايل والتفاف على القرارات الدولية وعمالة وخيانة وفتن، تضرب به العدالة الدولية والأمن والسلم الدوليين، وتباد الشعوب وتدمر الدول وتنهب ثرواتها، وكل ذلك باسم الديمقراطية الغربية وتحديدا الديمقراطية الأميركية.
والمؤسف أنه على الرغم من ذلك، لا يزال هناك من لديه الاستعداد الكامل لأن يكون ضمن القطعان للكاوبوي، فاجتماعات سفارات الولايات المتحدة مع الخونة والمندسين والعملاء بالدول المستهدفة متواصلة، وعمليات الإعداد والتدريب لهذه القطعان تمضي بوتائر أسرع في كيفية التحدث وإدارة النقاشات وانتقاء العناوين وإثارة مواضيع لها تفاعلاتها المجتمعية والتي تمس بصورة أو بالأحرى تهز أركان المجتمع وترج كيانه، وذلك بالاقتراب من الخطوط الحمراء والمحرمات والمنصوص عليها دستوريًّا كالديانات والمذاهب والمعتقدات، ونظام الحكم وولاية العهد والخلافة، ومباشرة العبث بأركان الاستقرار والسلم الأهلي، تحت شعارات كاذبة مثل “حقوق الإنسان، العدالة الاجتماعية، المساواة، الحرية، الدولة المدنية” وغيرها.

إلى الأعلى