الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / نبض طبيب: بين الأخطاء الطبية والمضاعفات
نبض طبيب: بين الأخطاء الطبية والمضاعفات

نبض طبيب: بين الأخطاء الطبية والمضاعفات

د. رقية بنت إسماعيل الظاهرية:
هاجس الأخطاء الطبية يؤرق المرضى والأطباء معا، ويُوجِد توجُّهًا لتأجيج حدوث نتيجة غير مرضية للمريض بطريقة تجعل من الطبيب مذنبًا مع سبق الإصرار دون الأخذ بعين الاعتبار وجود مضاعفات جانبية للتدخل العلاجي.
تناول القضية بطريقة محايدة ومنصفة ليس بالأمر الهين. وبتحصيلي العلمي بين كلية الطب وكلية الحقوق، بدأت أستوعب التوجُّهات والقلق لكلا الطرفين، لكني أؤمن دائما بأن الحديث عن الأخطاء الطبية لا يحمل بالضرورة إدانة أو تحاملًا على الأطباء. وقضية المسؤولية الطبية هي من أساسيات تطبيق العدالة بين الطبيب والمريض من حيث ضمان الحقوق والواجبات، وهي من أساسيات تطوير ممارسة الطب وزيادة الحذر والوعي من أجل الارتقاء بالنظام الصحي، كما أنها تسهم في تعزيز الضوابط الأخلاقية والقانونية لممارسة صحيحة آمنة وموثقة.
للحديث عن الأخطاء الطبية وجب أولًا تعريف الخطأ الطبي بطريقة مهنية وقانونية من ذوي الاختصاص، ودستور العلاقة العلاجية بين المريض والطبيب مبني على أسس مقدسة يمنع فيه التحريف والعبث والاجتهاد بصورة عشوائية.
حيث إنه يتم أحيانًا افتراض الخطأ الطبي بناءً على فهم المريض، أو فهم ذويه أو أشخاص ليست لهم صلة بالتخصص وبدون دلائل وأسس علمية على وقوعه.
ويعرف الخطأ الطبي بأنه “ما لا تقره أصول مهنة الطبابة وأهل العلم والاختصاص”. ويمكن أن يعرف بأنه “كل نشاط، سواء بالفعل أو الترك، ولا يتفق مع القواعد الطبية، وينتج عنه ضرر، ويحدث بسبب إهمال أو تقصير أو جهل أو عدم بذل العناية اللازمة من قبل الممارس الصحي”. كما أن قانونية الممارسة الطبية تلزم الطبيب بأخذ موافقة المريض، وإشراكه بصنع قرار التدخل العلاجي كعضو فعال، وتوضيح الأعراض الجانبية المتوقعة وتدوينها؛ كون بعض التدخلات الطبية لا تخلو من المضاعفات والأخطار، ولكن للأسف قد يغفل بعض الأطباء عن هذا الإجراء رغم أهميته الكبرى ليس فقط لتوطيد المصداقية والشفافية، بل أيضًا في إشراك المريض وذويه في اتخاذ القرار للإجراء الطبي، وتفادي الخلافات لاحقًا.
وللأسف هناك التباس بين الخطأ الطبي والمضاعفات الجانبية، بتقدم المهارات الطبية قلَّت نسبة المضاعفات كثيرًا، ولكن ما زال احتمال حدوثها أمرًا واردًا، والطبيب ملزم بعلاجها ومساعدة المريض على تخطيها. كما أن المسؤولية القانونية لا تقوم إذا كان الضرر قد وقع بسبب فعل المريض نفسه أو رفضه للعلاج، أو عدم اتباعه التعليمات الطبية المعطاة من قبل الفريق المعالج، أو لأي سبب خارجي ليس له علاقه بالخطأ الطبي.
علم الطب علم متنامٍ وغير محدود، والطبيب استنزف سنوات العمر من أجل رفع المعاناة. وبالرغم من أن الممارس الطبي يُعدُّ من أكثر المهنيين تدريبًا وحماسًا وضميرًا على امتداد سنوات الدراسة، وحرصهم وحذرهم ورغبتهم في تقديم أفضل رعاية ممكنة، لكن ما زالت هناك أخطاء طبية تحدث، وأهم أسبابها الإهمال وقلَّة المهارة والمعرفة أو فشل في النظام. وهنا يتم اتخاذ الإجراءات لتطبيق العدالة وحق المريض للتعويض من صندوق الأخطاء الطبية؛ وذلك بعد إثبات الخطأ والنظر به من قبل اللجان المتخصصة. وأتفق معكم أحيانًا بأن هناك أخطاء طبية غير قابلة للتعويض، خصوصًا عندما تتعلق القضية بفقدان أرواح.
أغلب الأخطاء الطبية غير مقصودة، وهدف الممارس الصحي مصلحة المريض ولا يقصد الإضرار، ويجب أن لا ننسى العامل البشري والقصور في قدرات الإنسان؛ باعتبارهم بشرا يخطئون ويصيبون، ولديهم قدرات محدودة. كما أن الإجهاد والتعب قد يفقد الممارس التركيز، ولكن هذا لا يعفي الطبيب من المسؤولية الطبية، وقد تحدث الأخطاء في جميع المجالات، إلا أن ثمن الخطأ في المجال الطبي قد يكون باهظًا.
ما يحدث أحيانًا أنه مع كل نتيجة غير مرغوبة للمريض، يتم توجيه أصابع الاتهام للممارسين الصحيين بطريقة تجعلهم جناة مع سبق الترصد، ويتم الإساءة للطبيب والتشهير حتى قبل الانتهاء من التحقيق.. فلا يجوز أن تمس سمعتهم الطبية بدون وجْه حق. قال شكسبير: السمعة أكثر الخدع زيفًا وبطلانًا، فهي كثيرًا ما تكتسب دون وجْه حق، وتُفقد دون وجْه حق ..
وللحديث بقية.

طبيبة مختصة في قانون وأخلاقيات مهنة الطب

إلى الأعلى