الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: مجلس عمان وتعاظم المسؤوليات

في العمق: مجلس عمان وتعاظم المسؤوليات

د. رجب بن علي العويسي

في مسيرة بناء عمان المستقبل ونهضتها المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، والتوجهات الوطنية الساعية لتنفيذ رؤية “عمان 2040″، وأجندة التطوير المتسارعة التي جادت بها الخطابات السامية لجلالة السلطان المعظم والتوجهات الحكيمة بالاهتمام بدراسة آليات صنع القرار الحكومي بهدف تطويرها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا، واستمرارا للجهود التي بدأت مع إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وحزمة الإجراءات التطويرية التي انتهجتها الحكومة في مسيرة البناء الوطني، وتأكيدا لدور منظومة القوانين والتشريعات في مسيرة التنمية الوطنية وبناء الدولة العمانية المعاصرة “دولة المؤسسات والقانون” تلك التي ستحفظ البلاد وتنظم مسيرتها نحو مستقبل زاهر، وسعيا نحو مواصلة الجهد الوطني لصياغة مستقبل أفضل لعمان وشعبها، وعبر تأكيد مزيد من التناغمية والتكاملية في دور السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية في رسم ملامح العمل الوطني، وتعزيز مسارات التكامل بينها مع الاحتفاظ بالفصل بين السلطات وعدم التداخل والتقاطع بينها، وضمان كفاءة ممارسة الصلاحيات المقررة لكل منها، جاء إصدار قانون مجلس عمان بالمرسوم السلطاني (7/2021) تأكيدا لدور التشريع في بناء الدولة العصرية، وتحقيق مسار التنمية المستدامة وكفاءة أنظمتها الرقابية المتنوعة على أداء السلطة التنفيذية، وحسن توجيهها لتحقيق مصالح المواطنين، ورسم ملامح المرحلة وأهمية حضوره الفاعل في كل منصات العمل التنموي معززا للجهود الوطنية حافظا لها، ضامنا لتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء وتحقيق النزاهة والمساءلة والمحاسبة، داعما للمزيد من الإنجازات النوعية، وفي الوقت نفسه بما يؤصله من أولويات العمل الوطني الساعية إلى إشراك المواطن في كل محطات الإنجاز وحلقات العمل، وتمكينهم من صنع مستقبلهم ومواصلة الجهد الوطني لصياغة مستقبل عمان القادم بما يعود بالخير على الوطن والمواطن، وبالتالي تعاظم الطموحات المجتمعية في دور أكبر لمجلس عمان بغرفتيه الدولة والشورى في التعاطي مع السياسات والإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة في التعاطي مع المستجدات الاقتصادية.
لقد جاءت التعديلات الجديدة في قانون مجلس عمان مستوعبة الكثير من المعطيات والتحولات بما ينسجم مع متطلبات بناء عمان المستقبل ورؤيتها الطموحة “عمان 2040″، وحاملة معها مساحة أمان واسعة تضع المجلس بغرفتيه أمام واقع جديد تتطلب حكمة التعاطي مع معها والتفاعل مع مستجداتها وقراءة ما بين سطورها وفهم مداخلها ومخارجها وتبني مسار أكثر استدامة وفاعلية وارتباطا بالمجتمع واقترابا من سقف توقعاته، وهي مرحلة حساسة بما تحمله من تطلعات وتواجهه من مستجدات وتعيشه من تسارع في مختلف مجالات العمل الوطني، في ظل ظروف اقتصادية صعبة فرضتها جائحة كورونا (كوفيد 19) وانخفاض الأسعار القياسية للنفط، وما يستدعيه ذلك من خطط اقتصادية تتجه إلى خفض الإنفاق الحكومي والحد من العجز في الميزانية وزيادة الدين العام لضمان تحقيق الاستدامة المالية للسلطنة، وبالتالي كيف يمكن لمجلس عُمان في ظل اختصاصاته والصلاحيات المشتركة الممنوحة له أو تلك التي تختص بأحدهما دون الآخر أن ينقل العمل الوطني إلى واقع عملي جديد يستشعر فيه المواطن حجم ما يُبذل من جهد وطني والقيمة المضافة التي يرسمها لصالح جودة حياة المواطن، ليمارس اختصاصاته التشريعية باعتبارها الوظيفة الأساسية التي يجب أن تستحوذ على اهتمامه الرئيسي، حيث يمكن بواسطتها أن يضبط حركة التطور الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع، ويحافظ على حقوق وحريات الأفراد، كونه أقدر على معرفة احتياجات المجتمع والتدخل لمعالجة أية اختلالات قد تتعرض لها متطلبات العيش المشترك بين أفراده، بالإضافة إلى الوظيفة الرقابية على أعمال السلطة التنفيذية، وما أشارت إليه المادة (66) بشأن جهاز الرقبة المالية والإدارية، والذي عليه إرسال نسخة من تقريره السنوي إلى كل من مجلس الوزراء ومجلس الدولة ومجلس الشورى، بالإضافة إلى أدوات المتابعة لمجلس الشورى، وما أشارت إليه المادة (53) بشأن مقترح برغبة من مجلس الدولة.
وعلى الرغم من أن التعديلات الجديدة في قانون مجلس عمان (7/2021) لم تحدث تغييرات واسعة في الصلاحيات التشريعية والرقابية الممنوحة لمجلس عُمان التي يمارسها المجلسين بصورة عامة ومتكاملة أو الأخرى التي يمارسها كل مجلس من المجلسين على حدة، إلا أنها أعطت تفصيلات أكثر حول هذه الصلاحيات ومساحة مرونة وحركة أوسع للمجلسين في استيعاب الواقع الوطني واستشرافه وتوظيف ممكنات الدعم المتوافرة في صناعة الفارق الذي يفترض أن يبدد كل التكهنات ويزيل كل الهواجس والضبابية حول دور المجلس، ويجيب عن التساؤلات والاستفسارات وعلامات الاستفهام التي يطرحها المواطن في هذا الشأن، كما منحت الأعضاء فرصا أكبر لقراءة الواقع الوطني واستيعاب أحداثه، وفرصا أكبر في توجيه بوصلة عملهم وتحديد مسار إنجازهم بما يحقق النفع ويرقى بمسيرة عمل المجلس ويؤسس لمسار القوة في إنتاج الحلول وتنوع البدائل التي تعزز من ثقة المواطن بالمنتج التشريعي والرقابي لمجلس عمان، وهو ما يعني تجسيد روح التشريع وقواعد العمل التشريعي في قناعة وفكر الأعضاء وثقتهم بما تتطلبه المرحلة منهم من توحيد الجهود وتقارب الرؤى والتعايش مع فقه الاختلاف والإيمان بقيمة البحث والتحليل والرصد والتشخيص للوصول إلى دلائل مشهودة تبنى عليها رغبات الأعضاء في تقديم مقترحاتهم ومناقشتها بحسب ما بينه القانون، مراعين في ذلك كفاءة الآراء والمقترحات المقدمة وتناغمها مع الاحتياج الوطني وتكاملها مع الجهود الحكومية المبذولة والسياسات الوطنية المقرة، والتزام الواقعية في تناول القضايا التي تمس المصلحة العليا للوطن والمواطن ومعالجتها في إطار وطني يستوعب البلاد من شمالها إلى جنوبها، والتركيز على القضايا الرئيسية وعدم الانشغال بأمور جانبية قد تعوق التواصل إلى نتائج عملية في المسائل المطروحة للنقاش والحوار، حيث فصلت المواد (47، 48، 49، 50، 52) من قانون مجلس عمان اختصاصات المجلس، المتمثلة في إقرار أو مراجعة أو تعديل القوانين، واقتراح مشروعاتها، ومناقشة خطط التنمية والميزانية العامة للدولة، كما وسعت المادة (35) من استخدام الأداة البرلمانية “مقترح برغبة” حيث أشارت إلى أنه يجوز لمجلس الدولة من تلقاء نفسه دراسة ومناقشة الموضوعات المتصلة بتنفيذ الخطط التنموية وتقديم مقترحاته بشأنها إلى الحكومة، كما يجوز له تقديم المقترحات والدراسات التي تسهم في ترسيخ القيم الأصيلة للمجتمع العماني والمحافظة على منجزاته، وأشارت المادتان (54، 55) إلى اختصاصات أخرى يتفرد بهما مجلس الشورى، بحيث تحال له مشروعات الاتفاقيات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتزم الحكومة إبرامها أو الانضمام إليها لإبداء مرئياته بشأنها، أو كذلك بتلقيه تقارير سنوية من وزراء الخدمات بالجهاز الإداري للدولة حول المشاريع الخاصة بالوزارات وتقديم بيان عن بعض الأمور ذات العلاقة باختصاصات وزاراتهم.
لقد حددت المادة (56) أدوات المتابعة المقررة لمجلس الشورى، والمتمثلة في سبع أدوات وهي البيان العاجل، وطلب الإحاطة، وإبداء الرغبة، والسؤال، وطلبات المناقشة، ومناقشة البيانات الوزارية وأخيرا الاستجواب، كما فصلت المواد (57، 58، 59، 60، 61، 62، 63،64، 65، 66، 67، 68) بعض الأحكام المتعلقة باستخدام أدوات المتابعة المقررة للمجلس، ومن بينها ما أشارت إليه المادة (59) والتي أجازت لمجلس الشورى ـ من تلقاء نفسه ـ إبداء رغبات للحكومة في الأمور المتعلقة بالخدمات والمرافق العامة وسبل تطويرها وتحسسين أدائها، أو فيما يواجه القطاع الاقتصادي من معوقات وتعزيز التنمية، وفصلت المواد (60، 61، 62) من القانون بعض الأحكام المرتبطة بأداة المتابعة “إبداء الرغبة”؛ وعلى الرغم من الشروط والالتزامات التي أفصحت عنها التعديلات الجديدة في القانون، خصوصا في أداة المتابعة الأخيرة “الاستجواب”، وعبر استجواب وزراء الخدمات في الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهم المخالفة للقانون، سواء ما يتعلق منها بتقنين حضور جلسة الاستجواب لرئيس المجلس ونائبيه والأمين العام والأعضاء، وسرية وقائع الجلسة وعدم جواز إفشائها أو التصريح بها أو نقل أي من وقائعها للصحافة أو وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي بجميع أنواعها. أو تقديم الطلب إلى رئيس المجلس الذي يحيله بدوره إلى مكتب المجلس للتحقق من مدى استيفائه الشروط المنصوص عليها في الاستجواب وغيرها من الالتزامات والإجراءات التي فصلها القانون في المواد (70، 71، 72، 73، 74، 75، 76) إلا أن ذلك لم يمنع حق الأعضاء في الاستجواب، في إشارة واضحة إلى ما يمكن أن تقدمه أدوات المتابعة المقررة للمجلس من فرص نجاح قادمة في رسم صورة العمل ومنهجية الأداء، إن أحسن استثمارها وتوظيف مدخلات هذه الأدوات وعملياتها بالشكل الصحيح للوصول إلى منتج يحقق الرؤية، ويبني الفرص، ويمهد الطريق للمحاسبية والنزاهة التي لا بدَّ أن تسود كافة قطاعات العمل، وأن تكون أساسا ثابتا راسخا لكل ما نقوم به، بما يضمن المحافظة على قواعد العمل التشريعي، ويعزز من دور البرلمان في تقديم الدعم والمساندة لأفضل الممارسات الوطنية وإعادة إنتاجها وتصحيحها وتوفير الممكنات الداعمة لنجاحها في المستقبل،، هذا الأمر من شأنه أن يعزز في أعضاء المجلس فضيلة التقصي والبحث والاستفادة من أدوات المتابعة الأخرى، ليكون الاستجواب خلاصة جهد مخلص وعمل مشترك، وتوافق مسؤول، يبني ولا يهدم، يقرّب ولا يبعّد؛ ومع ذلك فإن المشرع منح مساحة أوسع لعضو مجلس الشورى في الاستفادة من كل الأدوات المتاحة، وهي أدوات لها أهميتها وموقعها في الوصول إلى الحقيقة واستيضاح الصورة الفعلية المكبرة للواقع والإجابة عن ما يدور في الأذهان من تساؤلات ونقاشات ولم تقف عند حد الاستجواب؛ كونه الوسيلة الوحيدة الممنوحة للمجلس، بل فتح المجال له للعديد من المواقف والأحداث التي عليه أن يثبت فيه كفاءته وجدارته ومسؤولياته المتعاظمة التي يجب أن يقرأها بعين فاحصة وفهم معمق، وثقة بما يُقدم عليه، مستندا في ذلك إلى شواهد ودلائل إثبات متجردا من سلوك التشفي والأنانية، مترفعا عن مصالحه الشخصية وغاياته الذاتية.
وبالتالي ما تحمله التعديلات الجديدة لشروط استخدام أدوات المتابعة لأعضاء مجلس الشورى من فرص بناء الكفاءة وإنتاج القوة، وتعزيز فرص التمكين، واستحضار أدوات العمل القائمة على البحث والاستقصاء التحليل والمتابعة ورصد الواقع وتوظيف نقاط القوة بما يضمن سير إجراءات العمل وفق مسار منهجي واضح سمته الإتقان والتثبت والوعي والحكمة والاتزان، فيقلل من حالة الاندفاع والصراخ والضجيج أو التشهير مما يتنافى مع أخلاقيات منظومة التشريع وقدسية رسالة البرلمان ودوره في صناعة المستقبل ورسم معالم القوة المعبرة عن روح التغيير التي يمتلكه مجلس عمان وحضوره الفاعل الذي يجسده في شخصية الإنسان العماني وقيمه ومبادئه، وما يحمله من رؤية واضحة وأدوات رصينة وآليات محكمة منطلقا من الثوابت العمانية، وتوفير بيئة تشريعية معززة للحوار، متناغمة مع تطلعات المواطن، مستجيبة لاحتياجاته وتقف بكل مهنية على محطات العمل الوطني وتشارك فيها، وتعمل مع الحكومة والمواطنين على تذليل كل الصعوبات والتحديات التي تواجهها، وبالتالي أن لا يفهم من ذلك التقليل من جهد المجلس بقدر ما هي مرحلة ضبط الأدوار وتقنينها والمزيد من التناغم بين شرائح البيت التشريعي وكفاءة المنتج التشريعي الذي يقدمه بأساليب أكثر اعتدالا وحكمة ورصانة، مرحلة تضع القبة التشريعية أمام مسؤوليات الوفاء بمتطلبات المرحلة التي سيشكل فيها مجلس عمان بشقَّيْه الدولة والشورى مرتكزات تحفظ خيوط التناغم والتكامل بين هذه السلطات جميعها، وتؤسس لدور أكبر للقانون والتشريع في رسم ملامح التحول وترسيخ قواعد البناء الوطني، وعبر ما يمكن أن تثمر عنه أدوار الانعقاد لمجلس عُمان في أجندتها من محطات لإعادة إنتاج القانون وتسريع وتيرة دور التشريع في حفظ هذه التغييرات واستدامتها لانطلاقة أكبر تعزز من إنتاجية الأداء الحكومي وتقف على محطات التحول فيه وفق أولويات رؤية “عمان 2040″، ويبقى الرهان الأكبر على أعضاء مجلس عُمان في تحويل هذه الصلاحيات والاختصاصات إلى منتج تشريعي يصنع الإلهام، ويؤسس لمرحلة الوعي والنضج الفكري المجتمعي، وهو الدور المنوط بالسلطة التشريعية التي عليها اليوم أن تنتج حلول الواقع ومستلزماته عبر منظومة القوانين والتشريعات في مواجهة الطموحات المتعاظمة والتحديات الكبيرة وتطلعات المواطن نحو مستقبل أفضل وحياة أسعد وأجود.

إلى الأعلى