الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / وفاة رائد الفن التشكيلي الأردني مهنّا الدرّة
وفاة رائد الفن التشكيلي الأردني مهنّا الدرّة

وفاة رائد الفن التشكيلي الأردني مهنّا الدرّة

عمّان ـ العمانية :
يمثّل الفنان مهنا الدرة الذي توفى الأحد الماضي أحد رواد الحركة التشكيلية في الأردن، فقد رسم في وقت مبكر من عمره مجموعة من البورتريهات، وكان من أوائل الرسامين الذين أنجزوا أعمالهم استنادًا إلى معايير المدرسة التجريدية، وشغف الدرّة المولود في عمّان عام 1938 بعالم الألوان منذ طفولته، وهو ما دفع والده إلى إرساله للدراسة في أستوديو “جورج أليف”؛ الرسام الروسي الذي كان يعيش في عمّان، فتعلم منه الدرّة أساسيات الفن وهو في التاسعة من عمره. ثم التحق للتعلّم على يد الفنان الهولندي “ويليام هالوين”، فوضعت هذه التجربة قدمَيه على أول السلّم نحو التخصص الفني، بخاصة بعد أن فُتن بتقنيات استخدام الظل والضوء لإيجاد تركيبة متآلفة بين الحركة والطاقة.
وفي منتصف الخمسينات، التحق الدرة بأكاديمية الفنون الجميلة في روما، وهناك كرّس سنوات إقامته لدراسة فناني عصر النهضة الإيطالية والباروك. وأشار إلى تلك المرحلة في أحد الحوارات قائلًا: “استفدت مما تعلمته من أساتذتي في الفن، ولكن الاستفادة الكبرى كانت في تعلّمي كيفية الخروج من الصندوق؛ لأنّ من المهم أن يتعلّم الطالب نسيان كل ما درسه والانطلاق نحو تجربته الفردية بحرية”.
عاد الدرّة إلى الأردن عام 1958، وبدأ ممارسة تدريس الفنون، أولًا في مدرسة ابتدائية، ثم في كلية المعلمين التي أقامت صداقة تكوينية مع عازف الكمان والرسام الإيطالي “أرماندو برون”. وكان لتلك التجربة أثر كبير في أعماله التي بدأت تظهر فيها العلاقة التكاملية بين الموسيقى والتجريد البصري.
واهتمّ الدرة في تلك الفترة بتقارب الفنون وتمازجها، ووجد في التجريد ما يمكّنه من التعبير عن ذلك باللون. وبحسب الفنان الذي نال جائزة الدولة التقديرية في الفنون (1977)، فإن التجريد يمثّل إيحاء بواسطة اللون، وهو الأقرب للموسيقى والأكثر قدرة على التمازج معها والتعبير عن روحها.
اتسمت أعمال الدرة التي أنجزها في وقت مبكر من حياته بالمزج بين الألوان الزيتية والمائية والحبر، وباستلهام موضوعاتها من بيئة الفلاحين والبدو، وقد اعتمد فيها المدرسة التعبيرية، مستخدمًا الألوان الزاهية والمبهجة والمشبعة، فكانت تعبيرًا صادقًا عن رؤيته الواقعية للحياة وحركة الناس في المكان والزمان.
وفي الستينات، بدأ الدرّة يقترب من المدرسة التجريدية، وقدم أعمالًا تعدّ من بواكير الأعمال الأردنية في التجريد، وهي توثق مجموعة من الأساليب والتقنيات الحداثية من كتل الألوان الهندسية المجزأة، إلى اللوحات المنفذة وفق تنقيط لوني مرن على السطح، وغيرها من أعمال تحاول استكشاف العلاقة الكامنة بين الضوء والحركة.
ويمكن للمتابع أن يلاحظ تنوع المواضيع والتقنيات والأساليب الفنية في أعمال الدرّة، فهناك لوحات تمثل المرحلة الواقعية، وأخرى تعبّر عن المرحلة التعبيرية، ومجموعة ثالثة تنتمي إلى المرحلة التجريدية، ورابعة تنحاز للتكعيبية، وخامسة تشتبك مع التجريبية الحديثة.
وتكشف لوحات الدرة الذي سُمّي مركز تدريب الفنون التابع لوزارة الثقافة الأردنية باسمه، عن فنان التصق بأرضه وظل قريبًا من هموم مجتمعه، وأطلّ على تجربة الحداثة في وقت مبكر من رحلته الإبداعية. إذ تعامل الدرة مع الفن بوصفه تفكيرًا حضاريًا يجمّل الحياة اليومية ويصقل النفس ويهذّبها، فتقاطع في رسالته العميقة هذه مع رؤى كبار الفنانين الذين أمضوا حياتهم يجربون ويقترحون ولا يتوقفون عن التجديد والتطوير في الأشكال والتقنيات والمواد على حد سواء.
يُذكر أن الدرّة تولّى إدارة دائرة الثقافة والفنون بالأردن في الستّينات، وأسس معهد الفنون الجميلة في عام 1970، ثم عمل مديرًا للشؤون الثقافية بجامعة الدول العربية في تونس (1980-1981)، ووضع خلال أعماله هذه خططًا لتأسيس بنية تحتية حاضنة للفنون البصرية في الأردن.

إلى الأعلى