السبت 27 فبراير 2021 م - ١٥ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الصحفيون والبحث عن المتاعب أو الموت

الصحفيون والبحث عن المتاعب أو الموت

كاظم الموسوي

تصدر المنظمات المحلية والإقليمية والدولية المهتمة بشؤون الصحافة والصحفيين، كل عام، تقارير تتضمن إحصاءات عن أرقام الضحايا من الصحفيين، في مهنة البحث عن المتاعب، كما سميت الصحافة سابقا وكسلطة رابعة وكشف الحقائق وتتبعها في عملها اليومي. (هل بقيت كذلك بعد هذه الأرقام السنوية؟!). ومن خلال متابعاتي لها كنت قد كتبت عنها في اهتمام، حيث إن أرقام هذه المنظمات تختلف حسب برامجها أو متطلبات عملها! ومراقبة نشاطاتها تكشف توجهاتها والأهداف من تقاريرها أو بياناتها. وهي في كل الأحوال تخضع للمقارنة مع غيرها من منشورات المنظمات الأخرى. كما أنها لا تستطيع في ثورة التقنية الإعلامية، أكثر من تسليط الأضواء على بعض ما تستهدف أو ترغب الإعلام عنه والتثقيف له وربما قصد التشويه والتضليل فيه. وقد تقع أو تستغل لأهداف أخرى تفضحها مواقف معلومة لها أو مصادر معينة تتدخل في توجهاتها. وتظل رغم كل ذلك مصدرا من مصادر معرفة أخبار هذه المهنة، ولكن لا بد من الحذر والانتباه والتدقيق في محتوياتها وطبيعتها. وأحيانا تعمل بـ”مصداقية” معينة سعيا منها لكسب رأي عام لها وبهدف تسريب غايات مبيتة لها في أوقات أخرى. ويتوجب متابعة مثل هذه المنظمات التي تحمل أسماء إعلامية مدافعة عن حقوق الإعلاميين في شتى الاختصاصات ومختلف الوسائل التي تطورت مع ثورة التقنية الإلكترونية والاتصالات والتواصل الاجتماعي، لأن تحت تلك الأسماء خبايا وخفايا. ليست جديدة ولا مجهولة تماما. في بريطانيا مثلا تشكلت منظمات عربية عديدة تحمل عناوين حماية الصحفيين أو الدفاع عن الحريات الإعلامية ولإشكاليات وقعت فيها وقدمت إلى المحاكم تبين أنها ممولة من أجهزة مخابرات عربية، ونشرت تفاصيل ذلك وسائل الإعلام البريطانية في حينها. كما أن الأخيرة ليست خالية من متشابهات الأمر ذاته، إذا لم تكن مصادر تدريب لها وتعليم لمسيرتها، بالترابط والتراهن والتخادم المشترك.
منظمة “مراسلون بلا حدود”، ومقرها الرئيسي بباريس، حسب تعريفها تتابع أخبار الصحفيين ولكنها تقع بين فترة وأخرى، كغيرها من المنظمات الشبيهة لها، الإقليمية أو الدولية، دون إبعاد المحلية المعروفة ظروفها، خصوصا التي تكون في ظل أنظمة معروفة في تسلطها واستبدادها، تقع هذه المنظمة تحت ضغوط وتأثيرات جهات رسمية محلية أو دولية وتصدر بيانات تضليلية تدين بها حكومات لمصلحة حكومات أخرى، أو حسب قاعدة: من يدفع للزمار. ويتبين ذلك أكثر في اهتمام وسائل إعلام تلك السلطات أو الجهات بما يصدر عن المنظمة ويفضح أهداف ومرامي بيانات منها، فتراها تكرر نشر أو إذاعة بيان وتغفل آخر حسب تطابقها أو تباينها مع مصالحها وارتباطاتها السياسية والعملية.. وليست كل الأرقام التي تذكرها تكون دقيقة أو كاملة، فهي باعتمادها على مراسلين محددين أو جهات معينة لا تكون دائما وفية للأهداف المهنية والإنسانية لها.
آخر تقاريرها، الذي صدر أواسط الشهر الأخير من العام الماضي 2020 أفاد عن مقتل 32 صحفيا ومتعاونا مع وسائل إعلامية منذ مطلع العام، في تراجع مقارنة بالعام 2019 بسبب كورونا، لكنه لا يزال مقلقا، وفق المنظمة، التي تطالب بإيجاد منصب ممثل أممي خاص بسلامة الصحفيين، منذ سنوات دون كلل. كما أفاد تقريرها أن 387 صحفيا وإعلاميا قابعون إلى غاية نهاية العام في السجون، وهناك 54 صحفيا في عداد المفقودين، غالبيتهم في بلدان عربية وآسيوية.
أما لجنة حماية الصحفيين، التي مقرها بنيويورك، فنشرت يوم (15 ديسمبر/ كانون الأول 2020)، أن عدد الصحفيين السجناء على مستوى العالم ارتفع إلى رقم قياسي خلال عام 2020 مع سعي حكومات إلى التضييق على التغطية الإعلامية لجائحة فيروس كورونا والاضطرابات الأهلية. وجاء في تقرير للجنة، أن هناك ما لا يقل عن 274 صحفيا وراء القضبان وذلك حتى أول ديسمبر/ كانون الأول، وهذا هو أكبر رقم تسجله اللجنة منذ بدأت جمع البيانات في أوائل التسعينيات. وبلغ عدد الصحفيين المسجونين عام 2019 في العالم 250 صحفيا. وأضاف التقرير أن الاحتجاجات و”التوترات” السياسية كانت السبب في الكثير من اعتقالات الصحفيين.
تظل هذه الأرقام في معايير أو اعتبارات معينة تعبر عن مدى انتهاك للقانون الدولي والتقصد في قتل الصحفيين رغم حملهم لما يعرف بهم ويشهد لهم، أو منع حصولهم على مصدر معلومات والتحرك الآمن في المناطق الساخنة وأثناء النزاعات وإنكار كفالة الحق في الحرية الفردية والمهنية. والأبرز في ذلك هو التهرب من اعتبار الصحفيين متمتعين بحماية كاملة بصفتهم مدنيين يؤدون عملهم، فلا يجوز استهداف أي مدني. مشيرا إلى أن استهداف الصحفي الذي يحمل شارة مميزة، تعريفا له، يعتبر مخالفة صريحة للقانون الدولي يرتكبها من يقوم بذلك ومنهم كيان الاحتلال الإسرائيلي الذي لا يحترم أية مواثيق دولية، أو تنظيم ما يسمى إعلاميا بـ”داعش” وهو ما يقتضي ليس الشجب والاستنكار، بل تفعيل القوانين وقواعد العمل الدولية، التي تتشدد على عدم استهداف الصحفيين أثناء تأدية وظائفهم وتحديدا أثناء التظاهرات والحروب، وأن تطالب الاتحادات المهنية والمنظمات الرديفة بإجراء تحقيق دولي؛ لكشف قتلة الصحفيين وتقديمهم للمحاكمة الدولية، واعتبار قتلة الصحفيين “مجرمي حرب”، يجب تقديمهم للعدالة حتى لا يتم استهداف الصحفيين.
قوائم القتلى والضحايا كل عام من الصحفيين خصوصا تفضح الممارسات التي تحصل مع قوانين الصحافة والحريات الصحفية وحرية التعبير من جهة، وتكشف سياسات الحكومات وتطبيقاتها إزاء الإعلام والإعلاميين، وسبل الحماية والدفاع عن أهمية المهنة والعاملين فيها رسميا أو شعبيا أو ناشطين في مجالها، من جهة أخرى.
وتشير من جهة ثالثة حصيلة عام من شهداء الكلمة والصورة وضحايا الحروب والنزاعات بأرقامها ومكانها وزمانها إلى مشعلي الحروب والصراعات والنزاعات، وتصرخ دماء القتلى والضحايا بهم وبمن يشحن أكثر في استمرار الحروب والاحتلال والغزو والدمار.
وصل الحال في الوطن العربي خصوصا إلى بروز ظواهر متعددة أوصلت إلى ما نشرته التقارير الإعلامية، حيث يتعرض العاملون في وسائل الإعلام لأنواع من ضغوط وانتهاكات لا تمس فقط حرية التعبير وقمع الرأي، بل الاعتقال ومداهمة الصحف والبيوت بدون أوامر قضائية وصولا إلى الاختطاف والتعذيب والقتل. تلك الممارسات حولت مهنة البحث عن المتاعب إلى البحث عن الموت، كما اعتبرها كثير من أبنائها بعد كل تلك التقارير.

إلى الأعلى