السبت 27 فبراير 2021 م - ١٥ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / مرارة الفقد.. والأسى
مرارة الفقد.. والأسى

مرارة الفقد.. والأسى

د. يوسف بن علي الملَّا:
يستذكر أحد الأبناء والده والذي وافته المنيَّة بعد إصابته بفيروس كورونا، وتجد الحزن مستطردا في نفسه وهو يستمع مرارا وتكرارا لرسالة صوتية من والده حفظها على هاتفه، يقول له ما يجب أن يفعله هذا الابن (فقط انتظر هناك، افعل ما يفترض أن تفعله. خذ قسطا من الراحة، أكثر من السوائل.. النوم والنوم.. أحبك. وداعا) ـ طول الرسالة 15 ثانية ـ والتي كان قد تلقاها منذ بضع سنوات عندما كان مريضًا بالإنفلونزا.
وتنهَّد هذا الابن بعمق مستطردا: عندما أستمع إلى هذه الرسالة، أسمع لهجة والدي، وأسمع الفكاهة والحيوية التي يمكن أن تجعلني أبتسم حتى عندما كنت مريضًا. لم يترك والدي هذه الرسالة؛ لأنه اعتقد أنني بحاجة إليه ليخبرني ماذا أفعل. لقد أرادني فقط أن أعرف أنه كان يفكر بي. ويكمل هذا الابن قائلا: لقد وجدت الرسالة على هاتفي في الليلة التي مات فيها والدي بسبب مضاعفات فيروس كورونا (كوفيد19) بعد أن كان تم تنويمه مسبقا بالعناية المركزة في أحد المستشفيات. وبين سيل الدموع وهو يتحدث، حرَّك إحدى ذراعيه لتَّخلص من تعب بدا على وجهه الشاحب، وأضاف بنبرة حزن: وأنا كنت على الأريكة في غرفة معيشتي في مكان ما خارج أرض الوطن، فصلت بيننا بضع آلاف من الأميال، وجائحة أصرت على أن أبقى بعيدًا عندما أراد كل شيء بداخلي أن يكون معه.
ولحالات كتلك، لعلَّك معي في أن الكثير منا يشعر بالوحدة في الوقت الحالي حين يحاول التغلب على العديد من الخسائر، ويحاول معالجة أحزانه الشخصية، وهذا بلا شك يصبح جليًّا عندما لا نحصل على الدعم، فيصبح الحزن مشوبًا بالذنب والارتباك. وهنا يعتقد الإنسان أن هناك شيئا خاطئا معه، ويتساءل: لماذا لا يمكننا تجميعه والخروج منه؟
وحقيقة لا يمكن التعبير عن حزننا وتجربته بالكامل، بل العكس نحن بحاجة إلى المزيد من أفراد العائلة والأصدقاء الذين سيدعموننا، ما أقصده أننا نحتاج أن نتعلم كيف نحزن معًا، ولعلَّ ديننا الحنيف كان سباقا في إبراز هكذا معانٍ وقيم. فالحزن ليس رد فعل داخليا بسيطا ينجم تلقائيا عن تجربة الخسارة فقط، بل ـ إن صح لي القول ـ فهو طريقة للتفاهم والتصرف، هو طريقة للتفكير بحزن أو الرد بحزن (على خسارة)، وهي طريقة نتعلمها أولا من والدينا ومن العلاقات الوثيقة الأخرى التي حولنا. ناهيك أن كلًّا من الأفراد (قريبي المتوفي) عانى من الحزن على نفس الشخص ـ معاناة فقدان الزوج أو فقدان أحد الوالدين أو فقدان شقيق أو فقد ابن عم أو فقدان صديق ـ لكنهم فعلوا ذلك بطريقة خاصة، ولعلَّها مميزة بسبب علاقتهم بالمتوفى، ومزاجهم العاطفي، وطبيعة الحزن الخاصة بهم.
من جانب آخر، قد تذكر وتقول كنَّا جميعًا هناك لبعضنا البعض، وفي كثير من الأحيان في نفس الغرفة معا، وهذه حقيقة، ولكن في نهاية اليوم ستكون وحيدًا في تجربة الحزن الخاصة بك، أوليس كذلك؟ حتى لو كنت محظوظًا بما يكفي لوجود أحبائك الذين بقوا بجانبك وأنت تتغلب على خسارة صعبة، فقد لا تزال تجد نفسك تكافح مع الشعور بالوحدة والحزن. ولعلَّك تتفق معي في أن مرارة الفقد والحزن الشديد يفتح الباب أمام الوحدة والعزلة وأمراض نفسية أخرى. فملء تلك المساحة الفارغة، تلك الوحدة، هو تحدٍّ كبير في الحزن وللحزن.
ولعلَّنا عندما نعود للوراء قليلا، نعي أنه مع تطور الجائحة، كان على الناس مواجهة سلسلة من الخسائر كفقدان الشعور بالأمان، والروابط الاجتماعية والوظائف والأمن المالي. ومن الآن فصاعدًا، ربما استوعب الناس أنهم سيتعرضون لخسائر جديدة لا يمكننا التنبؤ بها حتى الآن، ما أقصده عن الحزن والخسائر المستمرة… لأنها حياة. وهذا يقودنا إلى أن نعي بأننا لا نحزن فقط على ما نخسره، ولكن أيضًا على الطرق التي تؤثر بها هذه الخسائر على شعورنا، وكما يقال (يمكنك أن تشعر بالحزن على أي شيء يبدو.. وكأنه فقدان للهوية).
وبشكل ما سنلاحظ بعد فترة من الزمن أنه في حين أن الكثير من الناس سيكونون مرنين في مواجهة التغييرات التي أحدثها فيروس كورونا، فإن هذه الأزمة العالمية ستختبر الآخرين بطرق مختلفة. فمع عودة الأمور إلى طبيعتها، سيعود معظمنا أيضًا إلى شيء من طبيعته، وإن كان قد تغير من خلال المرور بهذه التجربة. ولكن بطبيعة الحال، هنالك فئة من المجتمع من الأشخاص سيتعرضون لاضطرابات مزمنة، وسيحتاجون إلى الدعم في تعافيهم.

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

إلى الأعلى