Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

السينما الكورية تذهل العالم

فوزي رمضان
صحفي مصري

لعقود طويلة سيطرت هوليود على صناعة السينما في العالم، واستطاعت من خلالها نقل ثقافة اليانكي والتفوق الأميركي لملايين البشر، كما استطاعت بوليود الهندية أن تصدر دراما غير المعقول، من خلال المشاهد السينمائية المرتبطة بصراع الخير والشر، ومرورا بالسينما الغربية أو الصينية. لم نك نسمع مطلقا عن السينما الكورية الجنوبية، إلى أن شاهدت بالمصادفة على منصَّة نتفلكس، فيلم (باراسايت) للمخرج الكوري الجنوبي يونج جون، والذي تدور أحداثه حول عائلة كورية جنوبية فقيرة، تحتال لضمان عمل أفرادها في منزل أسرة غنية، وتعرض الأحداث في قالب تشويقي يمتلك شغاف القلوب.
وأنت تشاهد الدراما الكورية تستمتع بالقيم الأخلاقية، التي تلازم القصص الإنسانية، والتي على بساطتها تشعر أي إنسان في العالم بأن تلك القصة قد عايشها أو شاهدها من قبل. حصد هذا الفيلم لأول مرة في تاريخ السينما الكورية أربع جوائز عالمية في عام واحد، كما تُوج بجائزتي الأوسكار والسعفة الذهبية، وقد نقل الفيلم القصة من المحلية المفرطة إلى العالمية الطاغية بنفس المكانة التي تنتج بها الأعمال الفنية الأصيلة في العالم، كما تقدم حكاية حقيقية تشعر كل من شاهد الفيلم أنه صنع له وعنه.
كوريا الجنوبية… البلد الصغير، الذي لا يتعدى سكانه 30 مليون نسمة، يرغمك وأنت تشاهد منتجه الدرامي، أن تعشق ثقافة هذا الشعب المسالم المتمسك بتقاليده وثقافته، وكيف يحببك في النودلز ووجبة الكميتشي المطهوة من الخضراوات والتوابل، ويطبع في ذاكرتك ـ ومن خلال الفن المرئي ـ روعة اللوحات الفنية التقليدية والمنحوتات المتقنة، ويأسرك بفنون الخزف والأزياء المتأثرة إلى حد كبير بالبوذية والكنفوشيوسية، كما يضيف إلى معارفك أن عائلات مثل هيونداي وسامسونج استطاعت ابتكار علامات تجارية غزت من خلاها العالم بأسره.
تلك الدولة التي مزقتها الحروب، وعانت ويلات الاحتلال الياباني، والصراع مع جارتها الشمالية وحتى الآن، لم تكتفِ فقط كونها رابع اقتصاد في آسيا، ويحظى مواطنوها بمستوى دخل مرتفعا، وكما أن صادراتها المتفوقة من السيارات والإلكترونيات والسفن والآلات تغزو الكرة الأرضية، أرادت لنفسها وبإصرار أن تتخلل ثقافتها أدمغة العالم، وكانت ضالتها في المحتوى الدرامي المرئي، الذي غزت به قلوب الملايين، وجعلتهم يعشقونها؛ لأنها لا تنقل لهم الواقع فحسب، بل تخاطب قلوبهم قبل عقولهم؛ لذا تتبوأ الآن المسلسلات الكورية الجنوبية مرتبة أفضل الأعمال الدرامية حول العالم، بما تحمله من دراما وخيال فاقا الحدود.
لم يكن كل هذا التفوق نتاج المصادفة، بل نتيجة الدعم الحكومي القوي لصناعة السينما والمحتوى الترفيهي، الذي ساعد في إطلاق موجة الثقافة الكورية حول العالم، فقد أنفقت الدولة ملايين الدولارات لإنشاء أكاديميات لطلاب السينما، وأوفدت مئات المتفوقين منهم إلى الخارج، حتى وصل الأمر إلى إضافة مواد عن صناعة السينما إلى مناهج التدريس، ووفرت للمدارس كاميرات وأجهزة مونتاج بسيطة لمساعدة الطلاب في تلك المرحلة المبكرة من التعرف على صناعة السينما؛ لذا تحتل كوريا الجنوبية الآن المرتبة الخامسة عالميا في صناعة السينما، وأصبح المحتوى الدرامي علامة بارزة بشكل متزايد خلال المهرجانات العالمية، وأكثر من ذلك حصدت إيرادات الأفلام ما يفوق المليار دولار في 2020، لتتحول كوريا من بلد مستورد لمعظم محتواه الترفيهي والسينمائي من الخارج، إلى دولة مصدرة ومتفوقة كباقي منتجاتها.
ورغم التفاوت في الحجم والتأثير السياسي بحكم موقع كوريا الجنوبية بين الصين واليابان والأزمات بينهما، استطاعت الدولة الكورية إحداث موجة قوية من الثقافة الكورية، اجتاحت كلا من الصين واليابان، وأصبحت محط جذب للمراهقين والشباب، لتؤكد كوريا أن التأثير الثقافي يمكن أن يحدث في بلد صغير مع توافر الإرادة.
يعود الفضل كذلك إلى التجربة الديمقراطية، التي تُعد المتنفس الحقيقي للعمل الفني، ومن خلالها استطاعت كوريا الجنوبية أن تعوض سلاسل انتكاساتها السابقة، وبخطة واضحة وعمل دؤوب نجحت كوريا في النهاية أن تصنع مثالا يحتذى به الآن في صناعة السينما، وأن تتحول من أمة صغيرة تعرضت للنكبات على مدار سنوات طويلة، تستطيع الآن أن تستعيد السيطرة على مقدراتها، وتنشئ بجانب امبراطوريتها الصناعية العملاقة، صناعة سينمائية مبدعة تنافس هوليود في عقر دارها، وتقدم محتوى دراميا عبقريا يأسر القلوب ويحترم العقول.


تاريخ النشر: 26 يناير,2021

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/413079

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014