الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / مفاهيم الدبلوماسية والإعلام الحديث (1)
مفاهيم الدبلوماسية والإعلام الحديث (1)

مفاهيم الدبلوماسية والإعلام الحديث (1)

سعدون بن حسين الحمداني:
من المخجل جدًّا أن يجهل الدبلوماسي أي معلومات عن البلد الذي سوف يعمل فيه لكافة المجالات الاقتصادية، التجارية، السياسية، الدينية، السياحية، السياسية، الإعلامية وحتى الأمنية والعسكرية. وقد تعلمنا منذ بداية عملنا بالسلك الدبلوماسي أنه قبل السفر إلى البلد المبعوثين إليه، علينا أن نسأل ونطلع عن كمية الكهرباء المنتجة (كم ميجا واط) وما هي أنواع المحطات التوليد (نووية، غازية، نفط خام، فحم)؟ لأن هذه كلها دلالات على تقدم البلد من عدمه، بالإضافة إلى عدد السكان والمساحة؛ لأن كمية الكهرباء المنتجة تدلل على قوة الصناعة وعدد المنشآت الصناعية والمستشفيات والمدارس، بالإضافة إلى رفاهية الشعب، لذلك على الدبلوماسي الناجح والمتمرس أن يستقصي المعلومات أعلاه من الجهات الإعلامية الرصينة، وليس من وسائل التواصل الاجتماعي غير المعتمدة رسميا؛ لذلك يُعد الإعلام الحجر الأساس لكل دبلوماسي ناجح.
وقبل الخوض في مفاهيم الدبلوماسية والإعلام، علينا التطرق في مقال اليوم بصورة مختصرة إلى مفهوم الدبلوماسية بكافة مجالاته؛ لأن الاثنين هما عملة واحدة ذات وجهين، وأن الدبلوماسية بأمَسِّ الحاجة إلى الإعلام عكس الإعلام الذي لا يحتاج كثيرا إلى الدبلوماسية، وهذا ما نلمسه الآن؛ لذلك سوف نتكلم عن الإعلام الحديث وأنواعه في المقالات القادمة إن شاء الله.
إن مفهوم الدبلوماسية بصورة عامة لم يطرأ عليه أي تغيير منذ اتفاقية فيينا عام 1961 إلى يومنا الحاضر إلا الشيء البسيط في موضوع ومفاهيم كالمراسم واستقبال كبار الشخصيات، والدعوات، وإتيكيت الموائد، والأعياد الوطنية للبلدان، وكذلك في مجال البروتوكول، وتنظيم الاتفاقيات، والمقابلة بالمثل باللجان المشتركة بالجوانب الاقتصادية، وتجنب الازدواج الضريبي والتهرب المالي، بالإضافة إلى اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرات لحاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة والخدمة، هذا جزء بسيط من التغييرات التي حدثت في القرن الحادي والعشرين، أما مفهوم الدبلوماسية بصورة مختصرة فهو:
إن الدبلوماسية هي استراتيجية وأداة الحكومة لغرض تحقيق أهدافها السياسة الخارجية، والتأثير على جميع الهيئات والدول والمنظمات والمؤسسات الخارجية بهدف كسب تأييدها، وتحقيق أهدافها مما كانت مجالاتها: اقتصادية، سياسة، عسكرية. بعض المختصين في فن وعلم الدبلوماسية يُعد أن مفهوم الدبلوماسية يستند إلى علم وفن المفاوضات؛ لأنه مهنة دقيقة تحتاج إلى كاريزما وشخصية بارعة في فن العلاقات العامة والإقناع، ويذهب قسم من بعض المدارس الدبلوماسية الشرقية بأنها أكثر اعتدالا، حيث تضع رعاية المصالح الوطنية بعيدا عن النظريات التوسعية والتطرف الحزبي والقومي والديني وأيديولوجيات الدولة تحت مظلة القانون الدولي.
الدكتور سموحي فوق العادة في كتابه معجم الدبلوماسية والشؤون الدولية يُعرف الدبلوماسية بأنها “مجموعة القواعد والأعراف الدولية والإجراءات والمراسم والشكليات التي تهتم بتنظيم العلاقات بين أشخاص القانون الدولي؛ أي الدول والمنظمات والممثلين الدبلوماسيين، مع بيان مدى حقوقهم وواجباتهم وشروط ممارستهم مهامهم الرسمية، والأصول التي يترتب على اتباعها تطبيق أحكام القانون الدولي ومبادئه والتوفيق بين مصالح الدول المتباينة كما هي، وفن إجراء المفاوضات السياسية في المؤتمرات والاجتماعات الدولية وعقد الاتفاقات والمعاهدات”.
إن جذور وأصل الدبلوماسية ترتبط ارتباطا وثيقا بالحضارة من عادات وتقاليد وتراث أينما كانت وبأي وقت، ومثال ذلك الحضارة العربية الإسلامية الأصيلة التي تنهل من ديننا الإسلامي كثير من عادات وتراث أمتنا العريقة من أسبقية الحضور والتحية والتواضع والاستقبال.. وغيرها من الأمور بالإضافة إلى بقية الحضارات القديمة الأخرى منها وادي الرافدين والفراعنة والصينية والرومانية، وإذ بحثنا كذلك في الحضارة الهندية لما تمتلكه من عادات وتقاليد عريقة لمختلف الأديان والمذاهب وشرائح المجتمع والتي تُعد أساسا مهما في تطوير الدبلوماسية الهندية الحديثة من خلال قيام الحلقات والدورات المتطورة لكافة المجالات معتمدين على عمق الحضارة الهندية. لذلك فإن مفهوم الدبلوماسية ما هي إلا فن إدارة العلاقات بين الدول واضعين المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وكما هو معروف فإن الدول هي مجموعة من التكتلات السكانية البشرية بمختلف الأديان والثقافات والأعمار بينهم عملية اتصال وتفاعل بأسلوب حضاري متمدن بعيدا عن التطرف الحزبي والديني والعشائري ليصل إلى مجتمع راقٍ يتعامل أفراده وفق أصول وآداب وسلوكيات معتمدين على عمق حضارتهم وتاريخها العريق، وهذه السلوكيات والمظاهر نجدها بالدول المتقدمة التي تجعل هويتها الرئيسية هي الديمقراطية والحرية، وأن التعامل الدبلوماسي الهادئ مع هذه المظاهر والتي تُعد من أرقى صور المجتمع الحضاري المعاصر، وبالتالي فإن الدبلوماسي الذي ينبع من هذه الحضارات يكون مبعوث وممثل حضارته وبلده، لذلك نرى سفارات السلطنة الحبيبة وكادرها الدبلوماسي في أعيادها الوطنية في مختلف دول العالم يعكسون الحضارة العربية الأصيلة وقوميتها العريقة والهوية الوطنية العمانية المتميزة من خلال ملابسهم التقليدية وثقافتهم وسلوكهم العربي الأصيل، وبالتالي فإن الدبلوماسي يعكس حضارة بلده، ويكون بذلك هو الجهة الإعلامية الدعائية لدولته أينما كان وأينما حضر، وعليه فالدبلوماسية والإعلام متلازمان في الهدف مختلفان بالاستراتيجية.

** (المصدر: معجم الدبلوماسية والشؤون الدولية)

دبلوماسي سابق

إلى الأعلى