الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: المسؤول الحكومي وفرضية البقاء للأصلح

في العمق: المسؤول الحكومي وفرضية البقاء للأصلح

د. رجب بن علي العويسي

يأتي إصدار النظام الأساسي للدولة بالمرسوم السلطاني (6/2021) وما نصَّت عليه المادة (65) منه على أن: “تنشأ لجنة تتبع السلطان، تختص بمتابعة وتقييم أداء الوزراء ومن في حكمهم، ووكلاء الوزارات ومن في حكمهم، ورؤساء وأعضاء مجالس إدارات الهيئات والمؤسسات العامة وغيرها من وحدات الجهاز الإداري للدولة، ورؤسائها أو رؤسائها التنفيذيين، ويصدر بتشكيلها ونظام عملها وتحديد اختصاصاتها الأخرى أمر سلطاني”؛ إيذانا بمرحلة جديدة في مسيرة البناء الوطني وترسيخ نهج دولة المؤسسات والقانون، وتعزيز منظومة التقييم والمتابعة والكفاءة والجودة، وتأكيد مبادئ التقييم والشفافية والمحاسبة والنزاهة التي لا بد أن تسود كافة قطاعات العمل، وأن تكون أساسا ثابتا راسخا لكل مراحل التنفيذ؛ وبالتالي فهي سابقة نوعية نحو تأطير منهج أصيل متكامل متناغم مع طبيعة المرحلة في بناء منظومة المحاسبة والرقابة الأدائية للمسؤول الحكومي جنبا إلى جنب، مع تفعيل أنظمة المتابعة والرقابة على وحدات الجهاز الإداري للدولة، وفق مسار وطني واضح، ومنهج إداري سليم، يجعل من منظومة المتابعة والتقييم والرقابة على الأداء الحكومي خيارا استراتيجيا لبناء عمان المستقبل، تعزيزا للنهج السامي الذي أكد عليه خطاب جلالة السلطان المعظم بقوله: “ومن أجل توفير الأسباب الداعمة؛ لتحقيق أهدافنا المستقبلية فإننا عازمون على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئ وتبني أحدث أساليبه، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة؛ لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات رؤيتنا وأهدافها” وهو الأمر ذاته الذي جاء خطاب جلالته في العيد الخمسين للنهضة العمانية مجسدا له ومعبرا بصدق عن جدية التوجُّه في نقل هذه المرتكزات إلى واقع عملي مؤطر وأدوات عمل مقننة واستراتيجيات أداء واضحة المعالم، وخطط وإجراءات ومبادرات تضمن لها كفاءة التطبيق وأولوية الاهتمام حيث ورد “كما أن العمل مستمر في مراجعة الجوانب التشريعية والرقابية وتطوير أدوات المساءلة والمحاسبة، لتكون ركيزة أساسية من ركائز عُمان المستقبل، مؤكدين على أهميتها الحاسمة في صون حقوق الوطن والمواطنين ودورها في ترسيخ العدالة والنـزاهة، وستحظى هذه المنظومة برعايتنا الخاصة بإذن الله تعالى”.
وبالتالي ما يطرحه هذا التحول الذي حمله النظام الأساسي للدولة وأصَّله كقواعد عمل في المادتين (65، 66) دستورا للشعب العماني ومنهجا ومسارا لمنظومة الجهاز الإداري للدولة تقف فيه على كل محطات التغيير، وترسم خلاله ملامح المرحلة القادمة التي سيكون لها أثرها في جودة أداء المسؤول الحكومي بما تفرضه عليه من التزامات كثيرة ومتطلبات عديدة ومنهجيات ينبغي أن تكون حاضرة في فكره وقناعاته، مستوعبا لما يدور في واقع القطاع أو الوحدة التي يشرف عليها، ملتزما نهج الإصلاح ومبدأ التطوير المتوافق مع الاحتياج والمعبر عن روح المسؤولية والإخلاص، فيما يحمله من ميكانيزما القيادة وفقه التطوير والمبادرة، مرحلة يصبح فيها البقاء للأصلح ـ بعيدا عن عقدة المراكز الاجتماعية والاعتبارات الشخصية لإدارة المؤسسات ـ مجسدا رؤية “عمان 2040″ في واقع مهامه الوظيفية واختصاصات الوحدة الحكومية، وإثبات بصمة حضور له في ميدان التطوير والتجديد والمنافسة، وهي مرحلة لم يعد فيها مجال إلا للكفاءات المجيدة والنماذج المخلصة والقدوات الوطنية الملهمة والقيادات المؤسسية الواعدة، والرؤساء التنفيذيين الذين يمتلكون فقه التثمير في الموارد وحس المسؤولية في المحافظة على الثروات، ويجسدون صورة الولاء المتفرد لهذا الوطن، من يصنعون الفارق ويحملون الأمانة “عمان” بكل صدق وإخلاص وتضحية وتفانٍ، عاملين مجتهدين ساعين لنقل المواطن إلى مرحلة القوة ونهضة الأمل فيستشعر في نهج المسؤول الحكومي قوة في حجم الإنجاز المقدم الذي يلامس اهتمام المواطن وأولويات الوطن.
وعليه، فإن تأسيس منظومة متكاملة للمتابعة والتقييم والرقابة المنتجة لأداء المسؤول الحكومي خطوة استراتيجية في الاتجاه الصحيح والطريق الذي يجب أن يسلك للوصول إلى الإنتاجية المؤسسية، بما يضيف إلى جهود إعادة هيكلة جهاز الرقابة المالية والإدارية الذي نصَّت المادة (66) من النظام الأساسي للدولة على إنشائه حيث ورد: “ينشأ جهاز يسمى “جهاز الرقابة المالية والإدارية” يتبع السلطان، يختص بالمتابعة المالية والإدارية لوحدات الجهاز الإداري للدولة، وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة، وذلك على النحو الذي يبينه القانون. وعلى الجهاز إرسال نسخة من تقريره السنوي إلى كل من مجلس الوزراء ومجلس الدولة ومجلس الشورى”؛ نواتج نوعية ستظهر في كفاءة الأداء الحكومي وفاعليته، وستضع وحدات الجهاز الإداري للدولة أمام مرحلة حافلة بالعطاء والإنجازات لا مجال فيها للتخلف والأعذار، أو تصنع الالتزام والتهرب من المسؤوليات، في ظل ما يصنعه هذا المسار التقييمي من تحولات في منهجيات عمل المسؤول الحكومي وخطط أدائه، وتوجيه مساره التوجيه الأمثل الذي يحتكم فيه إلى الأدوات والمعايير، ويلتزم فيه منهجيات عمل واضحة المعالم، واستراتيجيات أداء مقننة، وأطر تشخيصية وتقييمية متكاملة، يقف فيها على واقع الممارسة، وعبر تشخيص سلوكه الوظيفي وقواعد الأداء المهني، ومسار التفكير لديه، وجوانب التأثير التي يمتلكها، ومحطات القوة التي يتميز بها، وجوانب القصور التي تظهر في شخصية رجل الدولة، وطموحاته وأولوياته، وأفكاره، وطريقة تفكيره، وثقافته، ورؤيته، ومنهج عمله، وأسلوبه في الأداء، ومدى توظيفه للخبرات، وحدسه بالمستقبل، وتشخيصه للأحداث، واستيعابه لمجريات الأمور، وقدرته على إثبات بصمة حضور له في انتزاع هواجس المواطن، وامتلاكه أدوات إنتاج الحلول، وفقه إدارة التحديات والظروف، والتثمير في الفرص، وكفاءة القرار الاستراتيجي، وحس الرقابة الذاتية لديه، بالإضافة إلى كفاءته في إدارة العمليات المؤسسية والقرار المؤسسي والشراكات الداخلية والخارجية ومستويات التنسيق والتكامل ووضوح فلسفة الأداء ونماذج العمل، وتعظيم مسار ثقافة العمل المؤسسي والتقييم الذاتي وتشخيص البيئة المؤسسية وتحليلها، ودراسة جوانب القوة والضعف، والفرص والأولويات، والتحديات والتهديدات، للوصول إلى نموذج إداري يمتلك رؤية واضحة في التثمير في الموارد البشرية والمادية والمالية وإعادة رسم فرص النجاح لها بشكل يتناغم مع تطلعات المجتمع وتوقعات المستفيدين من خدمة المؤسسات، سواء كانوا من الداخل المؤسسي أم الخارج، وبالتالي حجم التوقعات الناتجة من هيكلة هذه المنظومة وتحديد اختصاصاتها وآليات عملها على أداء المسؤول الحكومي والتزامه وانضباطه وفقه التغيير الذي يحمله في خلده، ورؤية التطوير التي يتبناها في مؤسسته، ومستوى استيعابه للغايات الكبرى والخطوط العريضة التي جاءت الإرادة السامية بالعمل على تحقيقها والطموحات المتعاظمة للمجتمع للانتقال بعمان إلى مستوى طموحات مواطنيها وآمالهم في شتى المجالات؛ إذ جميعها تمثل مدخلات تضع المسؤول الحكومي أمام مرحلة جديدة عليه أن يتفاعل مع معطياتها بعمله، ويدرك مسؤولياته فيها بمهنية، ويحترم فيها إرادة التغيير وفقه التطوير، تجسيدا لمقتضيات العمل الوطني التي أراد سلطان البلاد المفدى أن تكون تعبيرا عن طموحات العمانيين، لذلك كان عليه التعايش مع متطلبات المرحلة، والصمود في وجه التغييرات المتسارعة، والتكيف مع حجم الالتزامات التي تقع عليه مسؤولية الوفاء بها نحو مؤسسته ومجتمعه ووطنه، واضعا نصب عينيه أن هذه المسؤولية تكليف عليه أن يؤديها كما يجب بكل أمانة وإخلاص وتفانٍ وإتقان، فيفتح أبواب مؤسسته أمام المراجعين وللمواطنين، كما يتسع صدره لقبول النقد والتعايش مع الاختلاف وتبسيط الإجراءات وتقليل الهدر في الوقت وغيره، بما تتطلبه من بصيرة نافذة وحكمة بالغة وإصرار راسخ وتضحيات جليلة، وشخصية ناجحة تمتلك الإخلاص وحسن الإدارة، تبني الأحلام والآمال من أجل عمان المستقبل، فهي لا تحتكم إلى العراقيل التي تمنعها من أداء مسؤولياتها بكل أمانة وكفاءة، ولا تتعذر بالظروف الاقتصادية والموازنات المالية التي لم تسعفها لأداء مهامها، بحيث تحمل في أولويتها إصلاح البيت الداخلي وترتيب أوضاعه في ظل اقترابها من اهتمامات المواطن وحرصها على تعزيز دوره الفاعل في رسم معالم التقدم في شخصه ومجتمعه ووطنه، بحيث تثبت للمواطن كفاءتها في أداء المهمة، وقدرتها على صناعة الإنجاز وقبول المنافسة ونقل المواطن من مرحلة الانتظار إلى إنتاج البدائل، في قيادتها لنموذج العمل الوطني المساهم في بناء عمان المستقبل، فهو يفكر بروح المستقبل، ويعمل بإرادة وهمم أبناء عمان الأماجد، ويعطر بيئة المؤسسة بما يمنحه من تآلفية في الأدوات، واهتمام بالإنجاز وروح وثابة للعمل وحفاظ على كيان المؤسسة، بما يغرسه من قيم العمل المسؤول، منتصرا للأفكار المتجددة والمبادئ الراسخة والمفاهيم النوعية التي تحفظ للمؤسسات نجاحها وتفوقها وللعاملين فيها حقوقهم وعطاءاتهم وإنجازاتهم، يبعث فيهم دافعية الإنجاز، ويسعى لأجل تحقيق مصالحهم باعتبارهم رصيد الوطن وثمرة إنجازه، يقرأ في المؤسسة بكل تفاصيلها منظومة عمل متكاملة، ومنهجيات أداء متناغمة في سبيل تحقيق إنجاز يفخر به الجميع، يصنع الإلهام في كل محاورها، والتجديد في هياكلها، والحافز في كوادرها، محافظا على المال العام، داعما للعدالة الوظيفية، مؤكدا على قيمة المواطنة المسؤولية في ظل ما يحمله من مبادئ العدل والمساواة وتكافؤ الفرص والحقوق والواجبات، لذلك لم تعد منظومة المتابعة والتقييم والرقابة في ظل المادتين (65 و66) حالة وقتية طارئة مرتبطة بزمن معين أو بوجود جهة رقابية مختصة تمتلك أدوات التقييم ولديها السلطة والصلاحيات الضبطية؛ بل في كونها ممارسة أصيلة لها قواعدها وأسسها وأحكامها التي يبينها القانون والتي بإذن الله ستتوافق مع رغبات المواطنين وطموحاتهم.
أخيرا، فإن منظومة المتابعة والرقابة على الأداء الحكومي الواردة في الفصل السادس من النظام الأساسي للدولة، سواء في شقها المتعلق بمتابعة وتقييم أداء المسؤول الحكومي والشخصيات الاعتبارية أو كذلك في شقها الآخر المتعلق بالمتابعة والرقابة على وحدات الجهاز المالية والإدارية للدولة، تضع عمان أمام مرجلة جديدة عنوانها النزاهة التي يجب أن تسري في كل مفاصل العمل الوطني وحلقاته، تحفظ الحقوق وتصون الموارد، وتستثمر في ممتلكات هذا الوطن الغالي وثرواته، وتقرأ في إنسانه أداة القوة ومعين النجاح، حامي حمى الوطن، والحافظ لحدوده وقواعده، الراسخ نهجا، الواثق خطى، إنها استحقاقات تضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه اختلاس المال العام أو الإساءة إلى الوظيفة العامة، أو محاولة العبث بالأداء المؤسسي أو إدخال المزاجية والذاتية والشخصنة في الممارسة المهنية فتشوه معالمها، وتُعتم بهاءها، وتسدل الستار على إشراقتها، وتُنقص من توازنها، وتسيء لعدالتها، وتخرجها عن ذائقتها الجمالية، وروحها العطرة، مرتكزات ترسم طريق العدل في مواجهة ارتفاع حجم التظلمات في الجهاز الإداري للدولة وما تفصح عنه أرقام الدعاوى المرفوعة إلى محكمة القضاء الإداري، وغيرها خير مثال يعكس الأمل القادم والرؤية الطموحة من نافذية العمل بهذه المنظومة، وانعكاساتها على كفاءة الأداء الحكومي وإنتاجيته؛ وهي بما تحمله من موجهات ومرتكزات لانحسار الفساد وفتح ملفاته والبحث عن أرصدة الاختلاسات التي نالت من حق الوطن والمواطن، فإن الأنظار تتجه إلى ما تحمله هاتان المادتان من تفاصيل دقيقة محكمة قادمة لبناء منظومة كفؤة للمتابعة والرقابة على الأداء الحكومي عامة وأداء المسؤول الحكومي على وجه الخصوص الذي تصبح فيه القوة والاستمرارية والبقاء للأصلح القادر على حمل الأمانة وأدائها على أكمل وجه واصدق حال، متجاوزا كل الاعتبارات الاجتماعية والتعليمية وغيرها؛ إنها رسالة لكل من نال شرف الثقة السامية لجلالة السلطان وكلفه القانون بحمل الأمانة وإنفاذ الوعد والوفاء بالعهد والبر بالقسم في أن يكونوا خيرا لوطنهم، صونا لثرواته، وأمانا لأبنائه، واحتواء لشبابه، وقدوة لمواطنيه، فالمسؤولية كبيرة، والمهمة جسيمة، والأمانة ثقيلة، والصدق فيها واجب، والإخلاص لها فرض، وعمان تستحق أكثر وأكثر، فأخلصوا العمل، وأتقنوا المهمة، وأنجزوا الوعد الذي قطعتموه على أنفسكم، فالناقد بصير والدرب شاق وطويل، لكنه سهل يسير على من راعى حق الله والوطن والمواطن فيه.

إلى الأعلى