الجمعة 26 فبراير 2021 م - ١٤ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الكوثر .. دراسة نصية دلالية (1)

سورة الكوثر .. دراسة نصية دلالية (1)

د.جمال عبد العزيز أحمد:
تتسم لغة القرآن الكريم بالمرونة، والعطاء، واستيعاب الزمان، والمكان، وتتميز بتعدد الأوجه الإعرابية، التي تُعطِي أبعادًا دلالية جديدة، تتوافق مع المقاصد العامة للدين، وأهدافه، ومراميه السامية التي نزلت لصالح الإنسان، ومنفعته، وتختص بميزات ليس لغيرها من سائر اللغات، وجعلها الله سيدة اللغات، وأنزل بها كتابه الكريم، وقال:(بِلسانٍ عَربيٍ مُبين)، وقال عن إحكامه، ودقة كل حرف فيه، واتساع مدلولاته، ومرونة معانيه عبر السنين، وعلى مدى الحياة كلها، وأنه لا يفنى على كثرة الرد، وتابع التلاوات، ولا تَخلَق، أو تبلَى عجائبه، بل تستمر عطاءاته، وتتوالى فيوضاته، وأن أحدا مهما كان لا يمكن أن يدرك كنهه كله، ولا يقف على دلالاته، ويحيط بها قاطبةً:(وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (لقمان ـ 27)، وقال في هذا السياق أيضًا:(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف ـ 109)، والمعنى: أن آيات الكتاب العزيز لا يمكن أن تتحجر، أو تقف أمام الزمن، وعقليات أهله مكتوفة الأيدي، قاصرة عاجزة، وإنما هي لغة معطاء، زاخرة، تستوعب الأحقاب والسنين، وتمد كل زمن قوم، وعقلية أهله بما يناسبهم، وبما يرون معه إعجازها، وعطاءها الثر، وتفاعلها التام مع كلِّ معطيات العلم، ومتطلبات التقنية والحضارة بكل مفاهيمها وأعمالها، لأن الله خلق العقل والزمن والتطور، ويعلم وقته وزمنه، ولغة كتابه تبيِّن عن جلال كل مرحلة: أن كتاب الله يستوعبها هي، وما بعدها، لأنها منزَّلة من لدن عليٍّ حكيم، الذي قال فيمحكم كتابه:(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء ـ 82)، وأن كتابه كتابٌ كريم عزيز، لا يمكن أن يتسرب إليه باطل لا من قبل ولا من بعد:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت 41 ـ 42)، وأنه لو لم يكن من عند الله، وكان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، قال تعالى:(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء ـ 82).
وهنا ندير التحليل الدلالي والنصي حول سورة تُعَدُّ أقل السور القرآنية كلماتٍ، وعددَ آياتٍ، لنرى كيف تحملت كل تلك الدلالات، وكل تلك الوسائل، وفيها كل تلك الإمكانات اللغوية، ووجهات النظر اللغوية التي تضمنتها، واشتملت عليها، يقول اللهتعالى:(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (الكوثر 1 ـ 3).
هي ثلاث آيات فقط، جاءت الآية الأولى هي صورة أسلوب التوكيد، والثانية على صورة أسلوب الشرط الذي قد حذفت جملة الشرط فيه، وبقيت جملة الجواب التي هي جملة أمرية، أو أسلوب أمر إنشائي، ثم خُتِمَتِ الآيةُ الثالثة بأسلوب توكيد، بداخله كذلك أسلوب توكيد آخر، ونبدأ بالآية الأولى، حيث انكسرت فيها همزة (إن) وجوبا لوقوعها في أول الكلام حقيقة، وجاءت في بداية الآية والسورة؛ لتبين توكيدها، وعمق ما دخلت عليه من دلالة العطاء، وتمكينه من نفس القارئ الكريم للقرآن الكريم، وقد تولى الله بذاته العلية توكيد عطائه لرسوله الكريم، وذلك من خلال استعمال (نا) التي هي نون العظمة التي تجلت في الضمير (نا) في (إنا)، وكذلك الضمير(نا) في (نا) الدالة على الفاعلين في الفعل: (أعطيناك)، ومن المعلوم أن القرآن الكريم عندما يريد أن يبيِّن جلال شيء، ويبرز عظمته، وكماله ـ يستعمل (نا) الدالة على العظمة والجلال، فكلمة (إنا) جاءت فيها كلمتان، الأولى(نا) المدغمة في (إن) التي تفيد التوكيد، وتعميق المعنى، وغرسه في قلب، وفؤاد القارئ والمستمع، والثانية (نا) الفاعل للفعل (أعطى)، ولك في قوله تعالى:(إنا أعطيناك الكوثر)، و(نا) هنا هي الضمير الذي يعود على الله ـ جلَّ جلاله ـ الذي تكلم بها مشعرًا إيانا بعظمة، وقدسية، وكمال ما بعده من فعل خاص بالرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، والفعل (أعطى) فعل ماضٍ مع أنها نزلت يومها على الرسول في الدنيا، أيْ أنه لم ير فيه النهر أو الحوض واقعًا في حياته الشريفة، ولم يُعطَ شيئا من الناحية الواقعية، لكنَّ التعبير هنا بالماضي، كأنه ناله، وأخذه، وأُعطِيَ إياه، وتمتع به لأن ما عند الله موجود، موجود، وكرم الله لا حَدَّ له، ولا شائبة تحوم حوله، ولا حرج عليه، وهو كذلك كناية عن حصوله، وحدوثه، وما أخبر الله به حاصل حاصل، تام تام، فالتعبير بالماضي (نا) كناية عن تحققه تحققا تاما، شاملا، جامعا، مانعا، و(نا) هنا تدل على كماله، واتساعه، وجلال العطاء، وواسع النعماء، والكاف في (أعطيناك) قد خصَّت المعطَى، وجعلته مشمولا به وحده، دون أيِّ أحد من البشر جميعا، وهو من خصائص الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وهو في الوقت نفسه كناية كذلك عن مكانة الرسول الكريم عند ربه، ومنزلته عند مولاه، حيث خصَّه وحده دون سائر الأنبياء، ودون بقية البشر بنهر الكوثر، فليس لنبي، ولا لولي، ولا لمَلَكٍ من الملائكة أنه نال تلك المنزلة، أو أُعْطِيَ هذا العطاء، فالكاف فيها تخصيص، وبيان للمنزلة، والمكانة، والقدر، وفيها كذلك بيان بجمال الاصطفاء، وجلال الاجتباء، وتمام النعماء، وتعريف الكوثر هنا (الكوثر) لإظهار مدى حجمه، ومدى سعته، ومدى عظمته، وكونه قد أصبح معروفا، ذكرتْه كتبُ السِّيَر بأوصاف يحار العقل فيها، ويندُّ عن الخيال في تصوره، ويصعب في الأصل على التخيل، فما جاء عن طوله، وعرضه، وكيزانه، وحافتيه، وطينِه، وحصبائه، ولونه، وطعمه، وطيوره، كثير كثير، ومنه ما ورد في السنة الصحيحة ـ مختصرًا ـمن صفاته، وأوصافه التي ذُكِرت، والحوض الذي هو وارد في أرض المحشر ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(بينا أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟. قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك. قال: فضرب الملك بيده، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر).

* كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى