الثلاثاء 2 مارس 2021 م - ١٨ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / الإعلام وترتيب الأولويات في توظيف الخريجين
الإعلام وترتيب الأولويات في توظيف الخريجين

الإعلام وترتيب الأولويات في توظيف الخريجين

د . محمد بن عوض المشيخي:
تقوم وسائل الإعلام بالدور المحوري في تشكيل الرأي العام في المجتمعات المعاصرة عن طريق التركيز على قضايا معيَّنة من منظور القائمين والمتحكمين بهذه الوسائل، فالقضايا التي تفرضها وسائل الإعلام وتكررها دون غيرها لفترات زمنية تستمر من ثلاثة أسابيع إلى ستة أشهر، تصبح هي نفسها في صلب اهتمامات وأولويات الجمهور. فمعظم الناس يعتقدون أن ما يحتل الصدارة عبر شاشات التلفاز، وأثير الإذاعة وصفحات الصحف، ومنابر وسائل التواصل الاجتماعي؛ هو الأهم والأجدر بالمتابعة، في حين يتم تجاهل القضايا الأقل أهمية، وبالتالي تُستبعَد من البث والنشر في البرامج والنشرات. فمن الوظائف الأساسية للسلطة الرابعة المتمثلة في وسائل الإعلام بشكل عام، والصحافة بشكل خاص؛ خلق الوعي والإدراك بين أفراد المجتمع عبر تزويد الناس بالمعلومات الصحيحة والتحليل الدقيق، الذي يعبِّر عن فهم أبعاد الأحداث ووضعها في مجراها الطبيعي.
فهذه الوسائل تلعب أدوارًا متعددة في عرض الآراء والنقاشات الجادة، حول مختلف القضايا الوطنية المطروحة على الساحة أثناء عملها. فهي همزة وصل بين صناع القرار والمجتمع.
عمانيًّا، ضجت هذا الأسبوع وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك وسائل الإعلام التقليدية، بقضية وطنية تتصدر منذ سنوات وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصًا منصة (تويتر) ألا وهي قضية (الباحثون عن عمل يستغيثون)، إذ وصلت وسوم هذه الفئة من الشباب بنهاية الأسبوع الماضي إلى مئتين وسبعين وَسْمًا، وهو لا ريب ملف أصبح حمله أثقل من جبال الحجر. وزارة العمل بدورها التي آلت إليها تركة ثقيلة متمثلة في وزارتَيْ القوى العاملة، والخدمة المدنية، وثلاث مؤسسات حكومية أخرى لها علاقة بتوظيف المواطنين في هذا البلد، أدركت جميعها أن صبر الشباب الذين انتظروا سنوات طويلة قد نفد. إذ ظهرت معاناة هؤلاء الشباب الذين ضيَّعوا أجمل سنوات عمرهم في انتظار أملٍ لم يتحقق، إلا بعد أن فاتهم قطار العمر المتمثل في تكوين أسرة، وإيجاد مصدر رزق ثابت.
فهذه المعاناة تسبَّبَ فيها بعض المسؤولين الذين يعتقدون أن الحكومة غيرُ مُلزَمة بتوظيف مواطنيها. ونظرًا للضغوط المتواصلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، اتخذ المسؤولون في الوزارة الجديدة بعض الخطوات المهمة باتجاه معالجة مشكلة الباحثين عن عمل، مثل تعمين ست مهن في شركات ومنشآت القطاع الخاص، والتي تتعلق بأنشطة التأمين، وبيع السيارات، وترتيب البضائع في المحلات وغيرها من الأعمال التجارية والتسويقية، كما قامت الوزارة بتعمين مهنة سائقي صهاريج المياه في مطلع هذا العام. ولا شك في أن المجتمع يتطلع إلى تعمين الوظائف القيادية العليا في مختلف القطاعات، والتي تقدر بعشرات الآلاف في القطاع الخاص وحده، وذلك لكي تحتضن هذه القيادات الوطنية عند منحها الفرصة، الكوادر العمانية المستجدة في الوظائف البسيطة التي تركز عليها الوزارة طوال العقود الماضية، كما أن هناك أعدادًا كبيرةً من الباحثين عن عمل من حَمَلة الشهادات العليا كالماجستير والدكتوراه، خصوصًا أولئك الذين قد يكونون ضمن الملتحقين ببرامج تدريبية، وعلى وجه الخصوص في برنامجَيْ (تنفيذ) و(اعتماد) اللذين يهدفان إلى تدريب وتطوير القيادات العمانية في القطاعين العام والخاص. وفي وقتٍ متزامن مع تلك القرارات استضاف برنامج (مِنْ عُمان) في تلفزيون (سلطنة عمان) معالي وزير العمل الذي كشف خطة وزارته حول توظيف المواطنين، وذلك قبيل المؤتمر الصحفي الذي عقد أمس؛ لعرض تفاصيل خطة التوظيف بإسهاب.
فقد أوضح معالي الوزير أن خطة الوزارة تستهدف توظيف أكثر من 80% من الباحثين عن عمل، والمقدر عددهم بحوالي 65 ألفَ مواطن، خلال عامَيْ (2021م)، و(2022م)، حيث تمحورت خطة وزارة العمل حول سياسة الإحلال في القطاع الخاص الذي أثبت طوال السنوات الماضية تفضيله للوافدين على أبناء جلدتهم من المواطنين، على الرغم من الدعم السخي الذي قدمته الحكومة لهذه المؤسسات الخاصة طوال العقود الخمسة الماضية في مجالَيْ الدعم المالي المباشر، والقروض، وكذلك منح الأراضي، والإعفاء من الضرائب، وغيرها من المزايا.
ويعود عزوف بعض الشركات الخاصة عن توظيف العمانيين إلى أسباب ومخاوف تتمثل في النقاط الآتية:
1- لدى معظم أصحاب الأعمال اعتقاد خاطئ بأن المواطن أقل خبرةً من الوافد، مهما كانت شهادته وخبراته التدريبية، وبالتالي ليس بإمكانه إدارة الشركة بنفس النجاح الذي تحققه إدارة الوافد لها، خصوصًا في مجال التسويق.
2- وجود رجال أعمال يفضلون بقاء أعمالهم ودخلهم السنوي من أنشطتهم التجارية بعيدةً عن عيون المواطنين، حتى لا يتم اكتشافها وتسريبها للآخرين، فهؤلاء التجار يشعرون بالاطمئنان لوجود الوافد أكثر من المواطن.
3- الخوف من منافسة هؤلاء الموظفين لرجال الأعمال، وتحولهم إلى ممارسة التجارة، فيصبحون بالتالي منافسين محتملين للمؤسسات التي كانوا يعملون فيها بالأمس القريب.
4- أثبتت الأيام وجود فئة من التجار، يعلنونها صراحةً، أن لا حق لوزارة العمل أن تجبر الشركات على توظيف العمانيين، بل يعتقد هؤلاء أن على الحكومة أن تتولَّى توظيف مواطنيها في القطاع العام، فقد سمعنا من هؤلاء التجار أنهم يفضلون إغلاق شركاتهم، بدلًا من التعاون مع الجهات المختصة التي تدير ملف الباحثين عن عمل.
5- بعض الوظائف في شركات القطاع الخاص رواتبها أقل من الوظائف التي يفترض أن يعمل فيها المواطن، أي حوالي مئتين وخمسين ريالًا فقط، لكن الشركة تتحمل السكن والتذاكر اللذين يشكلان تكاليف إضافية غير منظورة لدى تلك الشركات.
من هنا يتوجب على القطاع الحكومي أن يستوعب جزءًا من التوظيف بشكلٍ فوري تزامنًا مع الإحلال في القطاع الخاص، وبما يتناسب مع الوظائف الشاغرة في الوزارات حاليًّا، فقد كشفت الأرقام التي نشرها مركز الإحصاء والمعلومات مؤخرًا أن هناك ما يقارب اثني عَشَرَ ألفَ وافد، غادروا القطاع الحكومي في العام المنصرم (2020م)، في حين بلغ عدد الوافدين الذين غادروا السلطنة من القطاع الخاص في نفس الفترة من العام الماضي مئتين وخمسةً وعشرين ألفَ وافد، وهذه الأرقام سوف تساعد الوزارة على تطبيق سياسة الإحلال في القطاعين العام والخاص. كما أن تطلعات وآمال الباحثين عن عمل هي أن يتم توظيفهم على الدرجات الشاغرة لمن تمت إحالتهم إلى التقاعد في عام (2020م)، خصوصًا أولئك الذين أكملوا ثلاثين عامًا في الخدمة.
لقد غاب عمن يتولون وضع الخطط المستقبلية في هذا البلد الكنوز الواعدة من الثروة المعدنية التي لم يتم استغلالها بالشكل المطلوب، خصوصًا الكروم، والجبس، واستصلاح الأراضي الزراعية الغنية بالمياه في الصحاري العمانية، لا سيما منطقة نجد في محافظة ظفار، حيث يمكن تأسيس شركات صغيرة تدار من الشباب المتخرجين من الكليات ذات الاختصاص بهذه المجالات، خصوصًا المعادن والزراعة، كخريجي أقسام الجيولوجيا، والهندسة، والإدارة، والاقتصاد، والزراعة. فيمكن لجهاز الاستثمار وبنك التنمية أن يدعما هذه الشركات الصغيرة متى وُجِدت. إذ كشفت الدراسات أن السلطنة تعد الأولى عالميًّا في إنتاج الجبس، وعلى الرغم من ذلك، نجد أن نسبة مساهمة قطاع التعدين في الإنتاج المحلي الإجمالي لا يتجاوز (0.5%).
ختامًا، فإن تعمين القطاعات الأكاديمية في الجامعات والكليات الحكومية والخاصة، والتي تُقدَّر بنَسَبٍ كبيرة تصل في بعض الجامعات الخاصة إلى أرقام قياسية وغير منطقية، قد أصبحت ضرورةً مُلِحَّة يجب وضع خطة وطنية مُزمَّنة لتحديد خطواتها الإجرائي، وتوضيح معالمها التنفيذية؛ لكون هذا القطاع الأكاديمي يشكل حجر الأساس لفكر المجتمع العماني، ومستقبله التعليمي والتربوي.

أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

إلى الأعلى