الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع.. الشباب بين الشارع وشراع “الوطن”

شراع.. الشباب بين الشارع وشراع “الوطن”

خميس التوبي

على الرغم من تتابع الأحداث التي تشهدها الدول العربية جراء فوضى ما سمي “الربيع العربي”، وما أحدثه من سحابة داكنة من عدم اليقين، وأمواج متلاطمة من الافتراءات والأكاذيب لدك أسوار الاستقرار، فإن الشباب العربي لم يعرف عنه أنه “تربية شوارع” أو “ابن الشارع” تسيطر عليه أساليب “البلطجة” و”العنف” و”الإرهاب”، وإنما عرف عنه أنه ماخر بشراع الأمل والثقة واليقين نحو الجد والاجتهاد قانع بما تيسر له من أسباب الحياة، ومسخر طاقاته من أجل وطنه ومصلحته، فكان أيقونة الاستقرار وبيضة القبان في أي حراك سياسيًّا كان أو اجتماعيًّا، ومثالًا للمناضلين من أجل بناء الأوطان وتقدمها ورقيها، فامتطى صهوة العلم ولعق الصبر ليبدد ظلام الجهل وينال المجد، وحين داست حوافر المحتلين أرض العرب كان سهامًا في أقواس الأوطان لنحر الغزاة والمحتلين.
لقد مثلت فلسطين منذ نكبتها على أيدي المحتلين الصهاينة مدعومين بالقوى الامبريالية الاستعمارية الغربية إحدى العلامات الفارقة في التاريخ العربي، وإحدى المحطات التاريخية المهمة التي يتوقف عندها تاريخ الإنسانية في رفض مظاهر الاحتلال والاغتيال والتهجير ومقاومة الظلم ومقارعة الباطل والفساد.
وإزاء هذه المواقف النضالية والمفعمة بالحيوية التي قادها الشباب، كانت صحيفة “الوطن” التي احتفت أمس الأول بذكرى مولدها في الثامن والعشرين من يناير عام 1971م واحدة من وسائل الإعلام العربية القومية التي واكبت اجتراحات الشباب الفلسطيني بصفة خاصة والعربي بصفة عامة لوسائل مقاومتهم للاحتلال الصهيوني، وصمودهم في وجه أعتى القوى الامبريالية الاستعمارية التي دعمت اغتصاب جزء أصيل من التراب العربي، وأسهمت في نكبة الشعب الفلسطيني أحد أهم مكونات المجتمع العربي، فلم تكتفِ “الوطن” بتوثيق نضالات الشباب على مذابح الحرية، وإنما حرصت على إذكاء جذوة الحق بإثارة الحماس وتقوية العزائم وشحذ الهمم لدى الشباب بالكلمة الصادقة وبالرأي الأمين وبالقول المكين الرصين، مستفيدة من مناخ الحرية الذي أرسى ركائزه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ فكانت خير معبر عن الضمير الحي للمجتمع العماني، والناقل الأمين للمشاعر والمواقف العمانية الرسمية والشعبية.
وانطلاقًا من هذه الحرية في التعبير تواصل “الوطن” ـ وهي تخطو صوب عامها الرابع والأربعين ـ رسالتها عبر الكلمة الحرة والمصدر الموثوق والجسور الممتدة بين “الوطن وقرائها الأكارم على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم في إطار من الموضوعية وموثوقية الشرف الإعلامي الملتزم بقضايا الوطن والقضايا القومية وما يتصل بها من شؤون إقليمية ودولية، وظلت دائمًا وأبدًا نموذجًا في التواصل الجماهيري الناجح، وجسرًا للكلمة الحرة المسؤولية ومصدرًا موثوقًا للخبر، سباقة إليه في إطار من الحياد والموضوعية والتوازن والالتزام بالمهنية الصرفة وبمواثيق الشرف الإعلامي وبقضايا الوطن والأمة دونما إثارة مجانية أو تلفيق، متخذة من الشراع شعارًا لها تعبيرًا عن حرصها على الإبحار إلى قلب الحدث ونقله كما هو دون زيادة أو نقصان، وتعبيرًا عن الالتزام الأخلاقي والمهني بالبحث عن الحقيقة ونقلها كما هي، وعدم تحميل الخبر أو الحدث ما لا يطيق مع إعلاء أهمية احترام عقل القارئ ومشاعره.
وبينما كان مرتزقة الإعلام يمارسون فنون ابتزازهم واستخفافهم بعقل الشباب العربي وتغييب وعيه بنقل الفبركات والصور المشوهة التي أراد بها المستعمر الامبريالي الغربي المتحالف مع الاحتلال الصهيوني السيطرة على قوى التحكم والتفكير لدى الشباب العربي، كانت “الوطن” أحد خطوط الدفاع عنه وإحباط عمليات الاستهداف، فارقةً بين الحق والباطل بالكلمة الأمضى والبرهان الأقوى، مسلطةً الضوء على محاولات العبث المتعمد بفكر الشباب العربي ووعيهم، وحرفهم عن أولوياتهم وقضاياهم العادلة والمصيرية، لا سيما في ظل هذا الوضع العربي الراهن الملغم بألغام التزييف والتشويه، والمكتنز بفنون الابتزاز والتشهير وترويج الأكاذيب والشائعات، فوقع كثير من الشباب تحت طائلة التغرير والتشويه والفبركة وحُوِّلوا بفعل فاعل إلى معاول هدم وتدمير ضد أوطانهم وقضاياهم وأصبحوا سواء مع عدوهم في خندق واحد. ولكن تحت أسر الارتزاق والعمالة والتبعية العمياء كانت حالات الانكشاف والانفضاح تتوالى، حيث أخذت الأقنعة تسقط من على وجوه المتاجرين بالحقيقة وبقضايا الأمة، فبدأوا ومعهم وسائلهم بالانزواء والانطفاء. وفي ظل الانفتاح الذي يشهده العصر الحديث في وسائل الاتصال والإعلام، وخروج أغلبها عن سيطرة الدول ورقابتها تماهت الحدود بين العام والخاص، واقتحمت المحرمات واخترقت المحظورات واستبيحت الخصوصيات فانتهكت الحقوق، وكل هذه الانتهاكات تتم باسم الحرية والديمقراطية.
ولكون “الوطن” أول صحيفة عمانية تواكب مسيرة النهضة المباركة وتنطق بلسانها، ستظل ضمير النهضة العمانية ووعيها المستنير ونبضها الحي، والضمير الحي للشباب العماني خاصة والشباب العربي عامة، وستظل وسيلة دفاع عنهم وعن قضاياهم وقضايا أمتهم العادلة.

إلى الأعلى