الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اختبار العدالة في الولايات المتحدة

اختبار العدالة في الولايات المتحدة

كاظم الموسوي

” اضطر وزير العدل الأميركي، إريك هولدر، بعد رئيسه، الى الاعتراف عقب اجراء تحقيقات في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو بأن “شرطة المدينة تستخدم القوة المفرطة بشكل منهجي ومتكرر، وتنتهك الحقوق المدنية للمواطنين”. وقال الوزير إن التقرير خلص إلى أن عدم كفاية التدريب وغياب المساءلة يقفان وراء استخدام رجال الشرطة للقوة المفرطة،”
ـــــــــــــــــــــــــــ
كشفت الاحداث المتواصلة داخل الولايات المتحدة، بخصوص قتل مواطنين، من اصول افريقية، وقرارات محاكم اميركية منحازة مع القاتل (الابيض)، سجل العدالة الاميركية الرسمية. وقد عبّر الكشف عن فضيحة جديدة للإدارات الاميركية وسياساتها الداخلية والخارجية. وأعلنت مجريات العدالة والشعارات البراقة التي ترفعها الادارات الاميركية وتحاسب غيرها فيها طبيعة العدالة الاميركية وانحيازها الحقيقي واستمرارها في ممارساتها المخلة بالدستور الاميركي والقوانين الاخرى التي تتباهى بها الادارات الاميركية. وهي بمجملها تعكس ازمة العدالة الاميركية والقانون ولاسيما ما يتعلق بالعنصرية والعرقية والتاريخ الدامي لها. والرد الطبيعي عليها تصاعد التظاهرات والاحتجاجات في اغلب المدن الاميركية. وقعت في هذه الاحداث، في بلد وضع تمثال الحرية والعدالة على بواباته الرئيسية رمزا له، ضحايا جدد، وسيقع اكثر كلما امتدت هذه الاحتجاجات وتواصلت تضامنيا مع ما حصل، كما نشر لصورة رجل أبيض، يحمل لافتة كتب عليها: ” ليس بالضرورة أن تكون أسود لتحس بالغضب”. وتوالي قتل السود اثار تساؤلات مشروعة وردود افعال رسمية تكشف اختبارا واقعيا للعدالة الاميركية. لاسيما وان الضحايا هنا مواطنون اميركان، والقتلة رجال شرطة اميركان.
قدم مقتل الشاب الاسود مايكل براون في فيرغسون بولاية ميزوري في اغسطس الماضي صفحات من الازمة والعنصرية بين الدولة والشعب، ودفع الى المواجهة في الشارع، والى استخدام القوات الأمنية الغاز المسيل للدموع وأجهزة “ضبط الحشود طويلة المدى” التي تصدر أصواتا حادة ومؤلمة لتفريق المتظاهرين الذين ردوا بإلقاء الزجاجات الفارغة والحجارة وأحيانا قذائف المولوتوف الحارقة في حين أشارت تقارير إلى سماع طلقات نارية. بحسب ما ذكرت شبكة سي ان ان الاميركية.
هذه الاحداث اجبرت الرئيس الأميركي باراك أوباما لمناشدة المحتجين وقوى الامن الى التزام الهدوء، قائلا: “كأميركيين يتعين علينا استغلال هذه اللحظة للبحث عن قواسمنا الإنسانية التي تضررت بفعل ما حدث، فهناك حادثة قتل لشاب فقدناه وأسى يشعر به أبوان وإحباط لدى مجتمع ومبادئ مثالية نعتز بها كأسرة أميركية متحدة”. وأضاف أوباما: “في الوقت الذي يتصرف به معظم المتظاهرين بسلمية فإن أقلية صغيرة من الأفراد لا تقوم بنفس الشيء، وعلى الرغم من تفهمي للمشاعر الغاضبة جراء مقتل مايكل براون غير أن الاستسلام لذلك الغضب بالنهب وحمل السلاح وحتى مهاجمة الشرطة لن يؤدي إلا لزيادة التوترات”!.
لم تتوقف التظاهرات الاحتجاجية بل امتدت الى مدن اخرى. صحيفة الغارديان البريطانية (5/12/2014) نشرت تقريرا حول الاحتجاجات التي تشهدها المدن ضد قرار عدم معاقبة شرطي “ابيض” على صله بوفاة رجل “أسود” غير مسلح تحت عنوان “صرخة قوية من أجل العدالة في الولايات المتحدة.. لا استطيع التنفس”. نقلت فيه أجواء الاحتجاجات التي شهدتها نيويورك ومناطق اخرى، وترديد الكلمات الأخيرة للرجل الأسود اريك غارنر المصاب بالربو ـ حسب ما ظهر في تسجيل صوره أحد المارة ـ حيث شوهد يقول للشرطي أثناء القبض عليه “لا استطيع التنفس”. وأشارت الصحيفة إلى أن غارنر وهو أميركي من أصول افريقية وأب لستة أبناء اوقف من قبل الشرطة في شهر يوليو الماضي واظهر التسجيل، الذي انتشر عبر وسائل الاعلام، الشرطي الأبيض دانييل بانتيليو ممسكا بعنق غارنر أثناء توقيفه. وأضافت الصحيفة أن احد المتظاهرين الذين تجمعوا في ميدان تايمز سكوير اعتبر أن المعاملة التي تلقاها الأقليات في الولايات المتحدة تعيد أميركا في القرن الحادي والعشرين إلى عصور العبودية الأولى، قائلا:”نحن نعامل معاملة غير انسانية منذ جئنا الى هنا.. ومازلنا حتى الآن”.
واضاف قتل شرطي أميركي لمواطن أسود اخر في ولاية أريزونا جنوب الولايات المتحدة الأميركية بإطلاق النار عليه إثر اشتباهه خطأ في أنه يحمل سلاحا، محفزا جديدا لمسيرات الغضب. خصوصا والكثير من المدن الاميركية، وبينها نيويورك وواشنطن، تشهد تظاهرات احتجاجية على مقتل مواطنين في ظروف مماثلة وتبرئة المحاكم للقتلة. وأعلنت شرطة مدينة فينيكس في بيان، أن أحد عناصرها “حاول اعتقال مواطن أسود يدعى رومين بريزبون (34 سنة) للاشتباه باتجاره بالمخدرات”. وأضافت الشرطة أن بريزبون حاول الفرار من الشرطي الذي كان يحاول اعتقاله، مكتفية بالإشارة إلى أنه “أبيض يبلغ من العمر 30 سنة وله سبع سنوات من الخبرة”، ومؤكدة أن المشتبه به “رفض الاستجابة للعديد من الأوامر” التي وجهها إليه الشرطي. إلا ان وكيلة الدفاع عن عائلة القتيل، المحامية مارسي كراتر، أكدت ان “هناك العديد من الشهود الذين يشككون في رواية الشرطة”، مضيفة: “إنها مأساة. لم يكن مسلحا ولم يكن يشكل خطرا على أحد. نعتزم إجراء كل الملاحقات التي يسمح بها القانون”.
اضطر وزير العدل الأميركي، إريك هولدر، بعد رئيسه، الى الاعتراف عقب اجراء تحقيقات في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو بأن “شرطة المدينة تستخدم القوة المفرطة بشكل منهجي ومتكرر، وتنتهك الحقوق المدنية للمواطنين”. وقال الوزير إن التقرير خلص إلى أن عدم كفاية التدريب وغياب المساءلة يقفان وراء استخدام رجال الشرطة للقوة المفرطة، مضيفاً أن إدارة المدينة والشرطة الفيدرالية اتخذتا قرارا ببدء العمل على إصلاحات تهدف للتغلب على النواقص وإعادة تنظيم سير العمل.
ما تشهده الولايات المتحدة في شوارع مدنها وفي اروقة محاكمها، وإن اختلفت أسبابها او تباينت رداتها، يدور فيما تدعي هيئات حقوق الإنسان الأميركية في الداخل والخارج الدفاع عنه، ألا وهو أبسط الحقوق المدنية، “العيش الكريم” و”حرية التعبير”!. ولكنها تؤشر الى صورة واضحة عما يحصل وتثبت وقائع ناصعة!.
انطلاق مظاهرات الاحتجاج وتوسعها الان، يضع القوانين والسياسات الاميركية امام المحك او الاختبار. فهل تكون بداية لـ”ربيع أسود”! في أميركا على غرار ما سمته وسائل الاعلام الغربية، والأميركية منها، “بالربيع العربي”؟. وهل تطبق العدالة الاميركية مبادئها، وتحقق فعلا اعلان الرئيس الاميركي ابراهام لينكولن عام 1882 حول قانون “تحرير العبيد”، التي طالما طالبت بها العديد من الدول وأصدرت البيانات والعقوبات ضدها؟.

إلى الأعلى