الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يا الذاهبون إلى الحل في جنيف..

يا الذاهبون إلى الحل في جنيف..

علي عقلة عرسان

”وصل الناس من جراء الاقتتال والتدمير والرعب والإرهاب وظروف العيش إلى الضيق بكل من يقول وما يقال، وبكل من وما حولهم من أوضاع، وتاقوا إلى الأمن والاستقرار توق المصحرين في الحر إلى الماء، ولكنهم لا يتوالى عليهم سوى لمع السراب في رأد الضحى، وما يزدحم به الفضاء من كذب الإعلام وفجور السياسة، الأمر الذي يزيدهم بؤساً ويأساً، ويجعلهم يمقتون حتى بعض من وما يحبون. ”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الوضع الإنساني للسوريين ضاغط على كل سياسي ومسؤول ومواطن ومعني شريف بالأزمة السورية في العالم، ولا ينحصر الوضع الإنساني بالمحاصرين على أولويتهم بالعناية، ولكنه يشمل المشردين عن بيوتهم وديارهم ووطنهم، والجرحى والمعوقين والمرضى، والمعتقلين والموقوفين والمختطفين، كما يشمل المعدمين الذين تخنقهم ظروف العيش بسبب تجار السياسة وتجار الأزمات الذين يتاجرون بكل شيء، ابتداء من الدم وانتهاء بالماء ورغيف الخبز، وبالهواء إن هم ملكوا مفاتيح الفضاء، ويضيِّقون على الناس آخر مدى للعيش، إذ يستهدفونهم في أرزاقهم ومواردهم وقوت يومهم بلا رحمة، مستغلين الأوضاع المأساوية المتفاقمة في سوريا منذ ثلاث سنوات تقريباً، أسوأ استغلال وأبشعه، ويضاف إلى ما خلقه كل ذلك ما أضافه إلى الحرب المنهكة المهلكة، الحصارُ الاقتصادي العربي والدولي، والحربُ المعلنة على الليرة السورية التي فقدت ثلثي قيمتها حتى الآن، ووصل سعر صرفها في وقت من أوقات الأزمة/ الحرب إلى سدس قيمتها.. ومن المعروف والمفهوم أن أول من يتضرر من ذلك كله هو صاحب الدخل المحدود والطبقات الفقيرة في المجتمع، أما الحيتان ومن يرعاها ومن في حكمها فذاك ربيع جشعهم الذي لا ينتهي، ولا يكتفون بمال الدنيا كله لو صار إليهم.
وقد وصل الناس من جراء الاقتتال والتدمير والرعب والإرهاب وظروف العيش إلى الضيق بكل من يقول وما يقال، وبكل من وما حولهم من أوضاع، وتاقوا إلى الأمن والاستقرار توق المصحرين في الحر إلى الماء، ولكنهم لا يتوالى عليهم سوى لمع السراب في رأد الضحى، وما يزدحم به الفضاء من كذب الإعلام وفجور السياسة، الأمر الذي يزيدهم بؤساً ويأساً، ويجعلهم يمقتون حتى بعض من وما يحبون.
الأيام التي مضت بعد افتتاح مؤتمر جنيف2 حفلت بتراشق الوفدين المعنيين بالحل السياسي للأزمة السورية، بالمكائد والخدع والشطارات السياسية المدبرة والاتهامات المعهودة، ولم نسمع في هذا المجال جديداً على ما سمعناه من ذلك طوال السنوات الماصية.. ومن باب التكتيك يدخل وفد الدُّوَل المداخل الإنسانية، مركزاً على/ أو مستثمراً في إجماع المشاركين في افتتاح المؤتمر في مونترو على الوضع الإنساني، لكنه يدخله بالتجزئة مبتدئاً بالمحاصرين في حمص، كما رسم له السفير روبرت فورد ليحرج وفد الدولة السورية ويكسب الرأي العام وثقة المعارضات السورية الواقفة على مسافة منه، بينما يدخل وفد الدولة السورية المدخل الإنساني مجاراة لكن بصورة شاملة لكل المحاصرين في كل الأماكن من البلاد، ويرى أن هذه الجزئية تدخل في الحل الشامل ذا الباب السياسي الواسع، مؤكداً ما سبق وأعلنه من موسكو قبل افتتاح المؤتمر من مبادرات ذات طابع إنساني تشمل ممرات لإيصال الغذاء والدواء وإخراج النساء والأطفال من موقع الحصار، وإطلاق سراح 5500 معتقل كبادرات لمد جسور الثقة.. وتستمر المماحكات التي تكشف عن دمامل في النفوس وتقيح للجروح وأوضاع لا يليق بالبشر أن يتركوها تطغى أو تستمر بينما يعيش الناس الماساة تلو المأساة .. وينشر الإعلام المعني بالغسيل الوسخ ما يشاء مما يقال ومما لا يقال، ومن شائعات “وفبركات” وتصريحات.. فهو جزء من اللعبة السياسية وهذه أيام ربيعه، ربيع الكذب والافتراء والتبعية لسياسات قاصرة أوصلته.. لا.. لا.. بل جعلته يتعرى وتنكشف حقيقته بوصفه خادماً للسياسة وبضاعة في السوق يقتنيها من يدفع، تلك التي أصبح عليها للأسف الشديد في هذا الزمن الرديء، ليس عربيًّا فقط وإنما عالميًّا أيضاً، ومن يتابع يدهش من هول ما يعرف.. وحين ينقلب من يفترض به أن ينقل الحقيقة ويجلوها ويدافع عنها إلى عدو لها وكافر بها ومتخذٍ إياها تَجْراً.. ولا يتورع عن تلويث كل من يعترض طريقه ويقول لا وكفى، أو ينهى عن اتباع ذلك النهج الذي يسبب فتناً وموتاً وخراباً.
إن الجانب الإنساني، على أهميته، ينبغي أن يكون مفتاحاً للأبواب السياسية التي اعتدنا على أنها تُغلق كل باب وتفتح كل باب.. ولا ضير أو غضاضة في أن تكون المبادرات الإنسانية المتعلقة بالمحاصرين وإيصال الغذاء والدواء للمحتاجين إليه، وإخراج المدنيين لا سيما النساء والأطفال من دائرة الارتهان لهم دروعاً بشرية.. لا ضرر ولا غضاضة في أن تكون عامة وشاملة لكل من يعاني من ذلك ويتعرض إلى شيء منه، ولا يؤخذ على أي من المتفاوضين إذا قال بذلك وسلك إليه الطريق المستقيم، فهو فعل يستفيد منه كل السوريين المعنيين، ومن يقول إنه للسوريين جميعاً ينبغي أن يخدمهم ويعنى بهم ويخدمهم جميعاً.. سواء أكانوا في حمص أو في حلب أو في مخيم اليرموك أو في نبل والزهراء وغير ذلك كله من الأماكن .. ولكن التمترس حول حالة جزئية مثل يكشف المتمرس فيها ويكشف تكتيكه، أوأنه بالأحرى يكشف حقيقة أنه لا يسيطر على الأرض التي يدعي أنه صاحب الحضور والقرار فيها والسيطرة عليها.. وحين يكون الأمر كذلك فإن على المعني بالأمر أن يعلن الحقيقة قبل تورطه، ليظهر جليًّا ما له وما عليه ومن يمثل وما لا يمثل.. ولا يكفي أن نقول عن شخص” .. فخامة الرئيس.. ” كما قال أحد الوزراء في مونترو عن معارض ليصبح ذلك الشخص رئيساً لجمهورية، بل إن ذلك يكشف مخباً ويفضح مطمحاً حيث يريد القائل إن يرفع صنيعته إلى مرتبة رئيس جمهورية أو أن يوحي بذلك.. وكم عانت سورية المظلومة من مثل هذه الظواهر والحالات والإحالات الشاذة ابتداء من ظاهرة الرتب العسكرية الخُلَّبيَّة التي أسست للنقمة في أوساط معروفة، وانتهاء بزعماء بلا زعامة، ومعارضين بلا معارضة حقيقية وفق المواصفات العالمية والقانونية والأخلاقية، وساسة يتعاطون التجارة فيفقد الواحد منهم صفته الأساسية وتصبح إحدى الصفتين الازدواجيتين بوابة للأخرى، وعلى هذه الحالة ينطبق الحديث: ” إذا اتجر الراعي هلكت الرعية”، والعكس يصح حين يصبح التاجر سياسيًّا فإنه يمارس ما اعتاد عليه، ويرى أن من حقه أن يحول البلد إلى سوق، فهو يتقن مهنته ويسعى إلى ما يعزز مكانته في السوق، وعندها يجر على السياسة والتجارة والناس والبلاد مفاسد لها بداية وليس لها نهاية.. إلا بـ..
في جنيف يقارب بعضهم الأزمة السورية/ الكارثة الوطنية والإنسانية مقاربات سياسية/ تجارية، بمناظير قيادات ميدانية لا صلة له بها لا بالحروب ولا الميادين ولا الأبعاد النهائية لأزمات بهذا الحجم وهذه ارتدادات، وشأن بعضهم في هذا يذكرني بوزير دفاع صهيوني هو عمير بيرتس ساقته الانتخابات السياسية والتوازنات الحزبية في الكيان الصهيوني إلى موقع وزير الدفاع وهو قائد عمالي صلته ضعيفة بالشأن العسكري، فذهب يوماً بحكم منصبه إلى الميدان والمواقع المتقدمة ليحضر مناورة أو تدريبات عسكرية، وهناك أخذ المنظار ووضعه على عينيه ووجهه نحو الأهداف المحددة ولكنه لم ير شيئاً، وبدت من رأسه اهتزازات لفتت نظر بعض الضباط القريبين منه، فلاحظ ذلك الضابط أن الوزير لم يرفع الغطاء عن عدستي المنظار، ولذلك فهو ينظر إلى الميدان دون أن يرى إلا ظلاماً وكأنه في العماء المطلق، فرفع الضابط الغطاء عن العدستين وصحح وضع المنظار والناظر من خلاله ليرى..إلخ”، ولا نظن أنه رأى.. ولكن ظهرت من ذلك الوزير بادرة لم تظهر ممن هم على شاكلته في جنيف2 حيث قال، حين انكشف أمره:” أنا لست عسكريًّا وقد جئت إلى هنا.. “.
في جنيف المرجعية واضحة محددة وملزمة لمن قبل بها وأقبل عليها، وكل من يشارك في الحوار/ التفاوض لتطبيقها يدرك ذلك وليس غبيًّا.. ولكن من يريد أن يأخذ من تلك المرجعية ما يراه مفيداً له، أو أن يقدم بعضاً منها على بعض لغرض في نفسه ويرجئ منها ما لا يرى أنه في صالحه لينطلي ذلك على غريمه.. إنما يستهين بعقل الآخرين، ويظهر شطارة ليست في صالح الوطن والشعب لأنها تعيق حل الأزمة وتعقد الوضع أكثر فأكثر، ومن يصر منذ 30 حزيران/ يونيو 2012 على تنفيذ بنود دون بنود من بيان جنيف 1 في تكتيك جُرب وأستخلصت منه عبر ودروس عندما أقر وبدأ الخطو الأول باتجاه تنفيذ بعض بنوده، لا يريد حلاً شاملاً ولا يجرؤ على حل شامل، وربما ليس بيده ولا من مصلحته الوصول إلى حل!؟.. إن الرؤية المنطقية تقوم على أساس أخذ بيان جنيف1 وخطة كوفي عنان مع ما اتفق عليه بصورة عامة وأصبح توجهاً دوليًّا نحو حل سياسي بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118 كتلة واحدة شاملة ومتكاملة، لأنها أساس الحل ومرجعيته، وما التجزئة والرقيع إلا لإخفاء نيات مبيتة والتعبير الصارخ عن ضعف أو عجز، الأمر الذي يجعل مسارات الدم والبؤس والمعاناة البشرية للسوريين في ازدياد، ويعيق حتى المبادرات ذات الأهداف الإنسانية.. وعلى من يزعم أنه ذهب إلى جنيف من أجل الحل السياسي ووقف المأساة وحقن الدم وتخفيف معاناة السوريين أن يعي جيداً أن الحل يقوم على أساس المصلحة العامة للشعب والوطن وليس على أساس حساباته الشخصية أو الفئوية أو الطائفية أو العرقية أو المذهبية أو مصلحة هذا الفريق أو ذاك، هذا السياسي أو ذاك.. ومصلحة البلد المدمر والشعب المكلوم تتجسد في وقف الاقتتال وإنهاء العنف وترك سوريا للسوريين المخلصين لوطنهم، المنتمين لأرضهم وتربتهم الثقافية، الحاملين لهويتهم، المستقلين إرادة وقراراً ورؤية مستقبلية.. أن يحلحلوا العقد ويفكوا ما تشابك من خيوط الصوف في غزل غزلوه جميعاً وشبكوه وعقدوه جميعاً.. وإذا كان هناك من يعجز عن ذلك لسبب ما، “ذاتي أو خارجي”، أن يتنحى تاركاً المهمة لمن يقدر على خدمة الشعب والوطن والعدالة والحقيقة باقتدار وكفاءة وجرأة ومسؤولية، فحياة الناس ليست لعبة بيد أناس وتجارة بيد آخرين، ولا هي وسيلة لتصفية حسابات وللتشفي والثأر أو للتعالي والظهور والـ “بروزة” في الإعلام الذي يترامى عليه كثيرون ممن نرى منهم ألسنة في فم، وعقدة أفاع في قلب، وتشابك رؤى وآراء ومواقف متضادة في جمجمة واحدة ضَعُف فيها أداء العقل بمنطق يستند إلى رؤية إنسانية ووطنية شاملة وضمير حي وروح متسامٍ. ومن أسف أننا ما زلنا نسمع حتى اليوم من معارضين في جنيف دعوة لتدخل خارجي بالقوة المسلحة عبر مجلس الأمن أو خارجه، قوة يأتي بهم حكاماً على جثث السوريين وعلى حساب استقلال الوطن وثوابته التاريخية وخياراته القومية، وذلك الصنف من الناس لم يستوعب بعد أن ذلك أمر مضى عهده، وسيف بادح علِّق زينة في جدار، وأن الحرب الدائر رحاها في سوريا تؤسس لما هو شر من التدخل الخارجي مما يأتي على حياته وحياة سواه؟! ومن أسف أن بعض من هم هناك ما زال يظهر صلفه وعنجهيته ويشهر حقده بوجه الشعب وليس بوجه من ظلمه أو من كشف عورته فأعاق مراميه وأفشل خططه فسبب نقمته؟!.. ونحن نرى الكثير من المناورات والخدع والمكر ممن يضعون أنفسهم في “العلالي” ولا يرون معاناة من يدفع ثمن ذلك دماً، ولا يشعرون بوجوده وإنما يتخذونه ذريعة ودريئة، وهم لا يرون أو لا يدركون مخاطر التفاف أفاعي الحقد والفتن المذهبية على الخصوص التي تشكل مستنقعات آسنة سامة وتنشر أوبئتها في محيط يمتد بشريًّا وجغرافيًّا ليشمل أمة تحمل من العقيدة والتراث ما يصلحها ويصلح الناس لو فُهم فهماً سليماً وطُبق تطبيقاً صحيحاً، ولو لم يداخل الداعين إلى دينها وقيمها ومثلها أو المستظلين بظل ذلك، خبثٌ وشهوات ونعرات وثارات وسوء طوية، حيث يقولون القول الحسن وتحت أباطهم الخناجر السامة؟!
يا أيها الذاهب باسم السوريين وسوريا الوطن والتاريخ إلى جنيف لتصنع سلماً وتقيم عدلاً وتوقف جريان الدم وسيول البؤس وتكسر شوكة الإرهاب والهمجية وتضع حداً للاحتراب والمعاناة .. انظر إلى نفسك أولاً فأصلحها، واعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه، واعرف أنك تحمل أمانة تتصل بالبلاد والعباد وبحياة الناس ومعاناتهم ومن أطفال ونساء وشيوخ وأبرياء كثر، وأنك ستقف أمام ضميرك يوماً إن صحا، وأمام الشعب أيضاً إن صحا هو الآخر، لتُسأل عما قصرت في أدائه، وعما أدركت من بادرة خيرة لم تقتنصها، وحسن نية آخر أو موآتاة ظرف لم تستثمر فيهما الجهد الجهيد بإخلاص لتصل إلى الأمن والسلم بعد حقن الدم، من أجل شعبك ووطنك والحقيقة والروح التي حرم الله أن تُزهق إلا بالحق والعدل.. وتذكر أن العالم ينظر إلى السوريين الذين غصت بهم المسالك وتقطعت بهم الدروب، وهم يريدون الأمن والكرامة في وطنهم.. وأنه ينتظر نهاية لمأساتهم وحلاً لمشكلاتهم التي جعلت منهم مجالاً للشفقة وميداناً لحسنات المحسنين، وحالة يجتمع بسببها “المانحون” ليجودوا على السوريين برغيف خبز وحليب طفل وغطاء جسد، بعد أن كانت سوريا مكتفية وكافية ولا يحتاج المواطن فيها إلى من يتحسَّن عليه، ولا هو يعرض نفسه لانتهاكات يخجل منها كل شريف، وستبقى تلاحق أجيالاً منا وأجيالاً..
فاتقوا الله يا الذاهبون إلى الحل في جنيف الحل، واعرفوا أن ظرفاً حكم وحكَّمكم في رقاب العباد وأنكم لستم في منجى من رب العباد.. هذا إذا كنتم مؤمنين وذكرتم، ولم تكونوا ممن استفاق على الإيمان بعد أن كان يحاسب غيره عليه..
آه.. وكم في الحياة من شجون، ولكن لله سبحانه في خلقه شؤون وشؤون.

إلى الأعلى