الخميس 25 فبراير 2021 م - ١٣ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الأخـلاق والـقـيـم الـتربـويـة في الإسـلام (4)

الأخـلاق والـقـيـم الـتربـويـة في الإسـلام (4)

ناصر بن محمد الزيدي:
إن الـمـصـلـحـة الـحـقـيـقـيـة التي عـلى وفـق الـتـربـيـة الإسـلامـيـة ومـقـومـاتـهـا، تـتحــرك كـمـا يحـركـهـا خـالـق الـسـمـاوات والأرض، وخـالـق الـخـلـق مـن ذكـر وأنـثى، الـذي أمـرنـا بالـعــدل بـين عـبـاده سـبحـانـه وتعالى والـوزن بالـقـسـط ولا نـخـسـر الـمـيزان، قال تعالى في كـتابـه الـعـزيـز:(وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الـرحـمـن 7 ـ 9).

مـن هـذا الـمـنـطـلـق أقـول: إن إسـلامـنا الـذي يـتـرجـمه الـمسـلـمـون عـملـيًا تـعـامـلًا وسـلـوكًـا في سـائـر أقـطـار الـعـالـم الإسـلامي، يـنـكـر الـظـلـم والـعـدوان، كـذلك ربـّانـا إسـلامـنـا عـلى أن نـكـون كالـجـسـد الـواحـد نحـس بالأسى والـتـشـرد والـتـمـزق الأســري، إن ظـلـم أولـئـك الـبـراء الــذين قـتـلـوا وشـردوا، وهـدمـت بـيـوتـهـم عـلى رؤوسـهـم، ودفـنـوا تـحـت الأنـقـاض وهـم أحـيـاء، وانـتـهـكـت حـرمـاتهـم وأهـيـنـت كـرامـتـهـم، وسـلـبـت أمـوالـهـم ظـلـمـًا وعـدوانًـا، إنـنـا نـشـعـر بـأن أولـئـك ظـلـمـوا وإن الله عـلى نـصـرهـم لـقــديـر، وأن الله سـيـنـتـقـم لـنـصرة الـمـظـلـوم، ويـأخـذ الـظـالـم أخـذ عــزيـز مـقـتـدر ويـومـئـذ يـفـرح الـمـؤمـنـون بـنـصـر الله يـنـصـر الـمـظـلـوم عـلى الـظـالـم.

هـكـذا ربـانـا ديـنـنـا الحـنـيـف، وهـكـذا ربـانـا إسـلامـنـا الـعـظـيـم، ومـن ثـم فـإنـني أقـول:(وأنـنـي عـلى يـقـين) لا يـمـكـن لـهـذا الـعـمـل الـظـالم، أن يـكـون نـتـيـجـة يــد صـاحـبـهـا مـسـلـم صـادق الإسـلام، صـادق مـع نـفـسـه صـادق مـع ربـه، لا يـمـكـن أن يـصـدر هـذا الـعـمـل الـفـظـيـع عـن أنـاس صـدقـوا مـا عــاهــدوا الله سـبحـانـه وتعالى عـلى الإسـلام ونـصـرة الإسـلام والـنـصـيحـة للـمـسـلـمـين، وفي الإيـمـان بـه والخـضـوع لأوامـره.

نـعـم يـمـكـن أن نـعـثـر عـلى عـمـلاء، بـاعـوا ديـنـهـم بثـمـنٍ بـخـسٍ بــدنـيـا غـيرهـم، أن يـكـون عـونًـا عـلى إخـوانـهـم مـع الـشـيـطـان، وأن يـكـونـوا قـد بـاعــوا ضـمـائـرهــم لـجـهـة مـا، إلى الــذين يحـاربـون الله ورسـولـه ويـسـعـون في الأرض فـسـادًا، ويـريـدون أن يـمـزقـوا وحـدة الأمـة الإسـلامـيـة.

وكـم لـو فـكـرت جـيـدًا مـا يحـاك ضـد الإسـلام، فـهـم يـتـقـنـعـون بأقـنـعـة الإسـلام، ويـلـبـسـون الـزي الإسـلام يـسـعـون لـيـفـجـروا قـنـابـلـهـم الـمـوقـوتـة، داخـل الأسـرة الـمسـلـمـة، فـهـل يـوجـد مـن يـفـكـر جـيـدًا مـا حـل ويحـل بالـمسـلـميـن في أصـقـاع الأرض، ألا يـكـون الـسـبب الـوحـيـد الـمـتـبـادر إلى الـذهـن هـو الابـتـعـاد عـن روح الإسـلام، وعـزة الإسـلام، قال تعالى:(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عـمـران ـ 31).

أمـا يحـرك ذلك الـوضـع الـمـزري بالإنسـانـيـة، الـقـلـوب والـجـوانـح غــيرة، أين هـو الإسـلام الــذي جـعـلـه الله هـدى ورحـمـة، أيـن عـزة الإسـلام ونـور الإسـلام، إن الـتحـرك لـنـصـرة الـمسـلـمين عـلى ضـوء الـتـربـية الإسـلامـيـة، والـقـيـم الإسـلامـيـة، قال تعالى:(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الـصـف ـ 8).

هـل يـمـكـن أن يتسـرب إلى قـلـب مـؤمـن بالله، ولا إلى عـقـل مـفـكـر مـوضـوعي بـشكـل مـن الأشـكـال، ذلك لأنـنـا مـؤمـنـون بأن الله صـادق فـيـمـا أخـبر بـه، ومـنـجـز وعـده فـيـمـا وعـد، قال تعالى:(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَٰدُ) (غـافـر ـ 51)، وقال (صـلى الله عـلـيه وسـلـم):(سـيـبـلـغ هـذا الأمـر مـا بـلـغ اللـيـل والـنـهـار).

فـلا يـمـكـن أن يتسـرب الـيـاس إلى قـلـوب الـذي تـربـوا في ظـل الإيـمـان، بـل إنـني عـلى يـقـيـن وكـأني أرى ذلك واضحًـا جـلـيًا ضيـاء الإسـلام قـد انـبـثـق، مـن ظـلـمـات اللـيـل الـدامـس الـتي عـكـرت ضـيـاء الـنـور قـد بـدد تـلك الـغـيـوم فـتـلاشـت، فـعـم نـوره أرض الإسـلام مـن جـديـد، ورجـع الـمـسـلـمـون إلى حـضـيرة الإيـمـان، متـعـاونـيـن متـكاتـفـيـن مـتعـاضـديـن، يـشـد بـعـضـهـم بـعـضًـا عـلى نـور الـتـربـيـة الإسـلامـية وقـيـمـه الـراسـخـة.

إنـه لا شـك بـقـدر مـن يحـاك ضـد الإسـلام مـن أعــداء الإسـلام، بـقـدر مـا يــزداد الإسـلام قـوة ومـتـانـة، نـاشـرا لـواء الـعــدل لـيـنـعـم الـمسـلـمـون، بالخـير الـعـمـيـم والـبركـة الـمـبـاركـة، ولأمـر مـا جـعــل الله الـخـير والـشـر يـتـصـارعـان، فإذا اشـتـد الأمـر فـابـشـر بالـفـرج الـقـريـب، فـمـا مـن شــدة إلى ويـعـقـبـهـا رخـاء، ومـا مـن محـنـة إلا ووراءهـا مـنـحـة، والله بـيـده مـقـالـيـد الأمـور، لا يـقـع في مـلـكـه شـيء بـغـير إرادتـه.

* كاتب عماني

إلى الأعلى