الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. بيان الدوحة .. والمنهج السليم للحفاظ على المكتسبات

رأي الوطن .. بيان الدوحة .. والمنهج السليم للحفاظ على المكتسبات

لا تزال تجربة مجلس التعاون لدول الخليج العربي تحظى بكثير من الاهتمام رغم التجاذبات التي تشهدها مسيرة المجلس في ظل تطورات الأوضاع ومتغيرات الأحداث في المنطقة والعالم، وسط تباين في الآراء في مفاصل منها واتفاق في مفاصل أخرى، وهذا لا يعبر عن شكوك حول مسيرة المجلس واستمراره بقدر ما يعزز بقاءه ويثري تجربته؛ لأن تلك الآراء في مجملها تعبر عن حالة صحية وتعطي مسيرة المجلس قوةً وتماسكًا، ولا يمكن وضعها في إطار فرض رأي عضو على آخر.
وما من شك أن الأحداث والمتغيرات السياسية والاقتصادية ـ سخونة وبرودة ـ في المحيط الإقليمي والوسط الدولي وما يتمخض عنها من قراءات وتبلور أفكار وبناء مواقف أو إبدائها، تعد محكًّا حقيقيًّا لقوة التجارب الوحدوية، ومن بينها منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ذلك أن ولادة هذه المنظومة الخليجية من رحم الأحداث والمتغيرات السياسية والاقتصادية التي كانت في مرحلة مفصلية في صراع البقاء، ثم مرورها بأحداث ومتغيرات سياسية واقتصادية بين فترة وأخرى أكسب التجربة الخليجية كمنظومة وحدوية أمصالًا كافية لمقاومة فيروسات التفتيت والتدمير والإفشال، وما ساعد على تقبل الجسد الخليجي التحصين الكافي هو سمو الفكرة والتعقل والحكمة لدى أصحاب الجلالة والسمو قادة المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، انطلاقًا من مفهوم أن الاتفاق قوة، وأن المرء قليل بنفسه كثير بغيره، لا سيما وأن حجم التحديات وصلت في أغلب مراحلها إلى مستوى العواصف التي تتطلب اكتمالًا ووحدة صف وموقف لمواجهتها والتغلب عليها.
والبيان الذي خرج به مؤتمر القمة الخامسة والثلاثين في ختام أعماله بالعاصمة القطرية الدوحة أمس رسم خطى المنهج السليم للحفاظ على المكتسبات التي حققتها مسيرة المجلس على مدى ثلاثة عقود ونصف من الزمان وجعلت من هذه المسيرة نموذجًا يحتذى لكافة التجمعات الإقليمية والدولية، فقد عبر البيان عن العزم والإصرار على الاستمرار في الحفاظ على تلك المكتسبات والعمل على المزيد من البرامج التنموية في دول المجلس في إطارها الزمني المحدد، وكذلك التأكيد على إرساء مناخ الاستقرار والتعايش والتسامح ونبذ كافة أشكال التطرف والإرهاب والعنف، والتأكيد على القضايا العربية العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وأهمية استقرار الدول العربية التي تعاني من فوضى وإرهاب، ووجوب احترام سيادتها واستقلالها وإرادة شعوبها.
إن ما تضمنه البيان الختامي للقمة أمس من قرارات انطلاقًا من اعتبار المصالح الخليجية جزءًا من نسيج المصالح العربية والإقليمية والعالمية وهي أحد محركاتها في نفس الوقت، يرتب التزامات على دول المجلس كجزء من عناصر توفير مناخ الاستقرار لحركة النهضة الحالية القائمة على قدم وساق في دول المجلس كافة، ورغم حالة التفاؤل التي أحاطت البيان الختامي للقمة أمس، إلا أن المواطن الخليجي لا يزال يعلق آمالًا عريضة على نجاح مسيرة المجلس والعمل على بناء رؤية شاملة تضع مزيدًا من الموازين والقرارات الصائبة التي من شأنها أن تحافظ على الثوابت التي قام عليها مجلس التعاون، وتحقق آمال المواطن الخليجي وطموحاته وتعزز روح المواطنة الخليجية، وتبلغ بالمجلس إلى مرحلة التكامل المنشود في جميع المستويات. كما يعلق المواطن الخليجي وكل الأطراف المحبة للسلام والتعايش والتسامح والعيش الكريم والاستقرار الآمال في أن يتخلى المجلس عن سياسات تسببت بمضاعفة المعاناة للعديد من القضايا العربية، ويتبنى رؤية سياسية توحد لا تفرق، تقرب لا تبعد، عمادها لمُّ الشمل العربي ووحدة الصف، ورفض الاصطفافات السياسية والطائفية التي لغَّمَ بها الغرب المتدخل في الشؤون الداخلية دول المنطقة، وأجَّج الفتن بين الأهل، والإخوة، وبين الجار وجاره؛ فتاريخ الغرب معروف عنه أنه تاريخ استعماري يقوم على سياسة “فرق تسد”، وبالتالي ليس من مصلحته أن يرى دول المنطقة وشعوبها على تآلف وتكاتف وتواصل وتعاون، لأنه يرى فيها بكل بساطة ضياعًا لنزواته الاستعمارية وقضاءً على أمراض الهيمنة والقيادة. لذا كل الأمل أن تؤسس قمة الدوحة لانطلاقة جديدة في العلاقات الخليجية عبر تعزيز روح التآخي والتضامن، ولمِّ الشمل العربي ووحدته، ونبذ جميع أشكال التطرف والإرهاب والعنف والتدخلات في شؤون الدول واحترام إرادة شعوبها.

إلى الأعلى