الأربعاء 3 مارس 2021 م - ١٩ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / فيس بوك يرفض منح مهنة النشر والصحافة قبلة الحياة
فيس بوك يرفض منح مهنة النشر والصحافة قبلة الحياة

فيس بوك يرفض منح مهنة النشر والصحافة قبلة الحياة

محمد عبدالصادق:
استيقظ الأستراليون على وقع اختفاء المواقع الإخبارية المحلية والعالمية من صفحاتهم على “فيس بوك”، كما اختفت صفحات الخدمات الحكومية كالصحة والطوارئ والشرطة ومصلحة الأرصاد الجوية، وغيرها من الجهات الحكومية التي صارت مؤخرا تعتمد على “فيس بوك” و”تويتر” في توصيل خدماتها للمواطنين. وامتد الحظر “الفيس بوكي” ليحجب المحتوى الإخباري الأسترالي في جميع أنحاء العالم، وهو محتوى ضخم نظرا لما تملكه أستراليا من دور نشر عملاقة، ويكفي امبراطورية روبرت مردوخ الإخبارية بما تحويه من شبكات تليفزيونية إخبارية وصحف ومواقع رقمية ومجلات متخصصة ذائعة الصيت.
اعترفت إدارة فيس بوك باضطرارها لاتخاذ هذا الإجراء العنيف ردا على إصدار الحكومة الأسترالية قانونا يجبر عمالقة التكنولوجيا فيس بوك وجوجل وتويتر على دفع مبالغ منتظمة للمؤسسات الإعلامية الأسترالية مقابل استخدام المحتوى الإخباري لإصداراتها.
انتقدت الحكومة الأسترالية سلوك “فيس بوك” ورأت فيه نوعا من البلطجة واستغلال القوة الغاشمة الذي تمارسه الشركة الرقمية العملاقة التي تملك قوة سوقية هائلة، حيث يزور 17 مليون أسترالي موقع “فيس بوك” كل شهر، وحذرت أستراليا من تداعيات حظر المحتوى الصحفي الموثوق، وخشيتها من أن يؤدي هذا الإجراء لإفساح المجال للأخبار “الفايك” ونشر الشائعات والأخبار المفبركة، وأكدت إصرارها المضي قدما في فرض الضريبة على عمالقة الإنترنت مقابل نشرها المحتوى الإخباري لوسائل الإعلام الأسترالية التي تضررت بشدة من جائحة “كورونا”، الذي نتج عنها توقف صحف عن الصدور الورقي وتسريح صحفيين وتقليص عدد الإصدارات، نتيجة تراجع إيراداتها وتدهور معدلات التوزيع، الأمر الذي رافقه عزوف المعلنين الذين تضررت أعمال معظمهم بسبب حظر كثير من الأنشطة الاقتصادية، واتجهوا للإنترنت للإعلان عن سلعهم ومنتجاتهم بأسعار زهيدة بحثا عن فرص مشاهدة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتستقوي شركات الإنترنت بموقف الإدارة الأميركية التي تقدم لها الحماية باعتبارها شركات أميركية تؤدي ضرائبها داخل أميركا، رغم أن 80% من إيراداتها تأتي من الخارج. وسبق لأميركا التلويح بفرض ضرائب على المنتجات الفرنسية عندما تجرأت فرنسا وفرضت ضرائب على شركات الإنترنت، كما فشلت منظمة التجارة العالمية في اتخاذ أعضائها 137 دولة قرارا موحدا بفرض ضرائب على الشركات الرقمية العملاقة التي تجني المليارات من حصيلة الإعلانات التي تجلبها من هذه الدول، وفوض رئيس المنظمة مجموعة العشرين لدراسة فرض هذه الضريبة بشكل موحد، أو إعطاء كل دولة حرية التصرف والتعامل الضريبي مع هذه الشركات من عدمه.
في دولنا العربية تعرضت صناعة الطباعة والنشر لضربات متتالية موجعة، جراء تغول شبكة الإنترنت وسطو مواقع التواصل الاجتماعي على قرائها وعلى غلة الإعلانات، التي طالما كانت المورد الرئيسي الذي يساعد هذه المؤسسات في تغطية مصاريفها، وأداء رسالتها ودورها التنويري في خدمة القارئ العربي على مدار العقود والسنوات السابقة، وحتى عندما تحولت هذه المؤسسات إلى إصدار صحفها إلكترونيا لم تجد المردود العادل من الإعلانات، بعدما ظهر نوع جديد من المعلنين يفضل التعامل مع نجوم مواقع التواصل الاجتماعي؛ الذين يطلق عليهم ألقاب من عينة “اليوتيوبر والبلوجر والفاشنيستا” يستغلون الشهرة ونسب المتابعة الكبيرة التي يحظى بها هؤلاء على مواقع التواصل الاجتماعي دون سبب معلوم ويدفعون لهم آلاف الدولارات مقابل الإعلان عبر “فيس بوك أو إنستجرام أو سناب شات”.
وإذا كانت أستراليا بدأت محاولاتها لإنقاذ صناعة النشر لديها واستطاعت انتزاع اتفاق مع شركة جوجل تدفع بموجبه لاتحاد الناشرين ملايين الدولارات شهريا مقابل استغلال المحتوى الذي تنتجه دور النشر الأسترالية، فما أحوجنا في دولنا العربية للتكتل والبحث عن صيغة قانونية ناجزة نحصل بمقتضاها على حقوقنا المنهوبة من قبل هذه الشركات العالمية، فالإحصائيات تقول إن كل 100 دولار تنفق على الإعلانات الرقمية في الدول العربية تصب 88 دولارا منها في حساب هذه الشركات والـ12 دولارا الباقية لا يصل دور النشر الرسمية منها سوى الفتات.

إلى الأعلى