الأربعاء 3 مارس 2021 م - ١٩ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / نظرة إلى التدريب والعمل المهني
نظرة إلى التدريب والعمل المهني

نظرة إلى التدريب والعمل المهني

م. سالم بن علي الحارثي:
بعض الدول تواجه صعوبة في توجه شبابها من الجنسين نحو العمل المهني؛ كونه من عناصر التنمية الاقتصادية، وذلك لما يشاع من عدم توفير العمل في المهن المهنية ذات المردود المادي الذي يمكن العاملين فيها من مواجهة أعباء الحياة. هل نستطيع أن نجزم أن شباب الخليج العربي لديه هذه الأسباب في عدم إقبالهم على العمل في ذلك المجال؟ وما الأسباب الأخرى لمساعدتهم في مواجهة الصعوبات التي تحول دون إقبالهم عليه؟ إذ قد يحتاج الأمر من الجهات المعنية المزيد من الوقت والجهد المتواصل لتحقيق الأهداف المنوطة بالتعليم الفني الذي تواصل الدول الاهتمام به عاما بعد عام. وربط ما إذا كانت أسباب العزوف ـ إن وجدت ـ مثل احترام المجتمع للتعليم المهني كاحترام التعليم الجامعي؟ أم سيظل البعض يُعده في مرتبة أقل من التعليم الجامعي؟ وما الجهود التي تبذل لتغيير التوجهات وغرس مفاهيم صحيحة لقيم العمل ودفع الشباب إلى مختلف أنواع المهن..؟ إذ دول الخليج العربي بذلت جهودا كبيرة للنهوض بالتعليم المهني وتوطين الوظائف بالقيام ببرامج وطنية لكل دولة بما يتناسب مع خصوصيتها، ولكن تكاد تكون النتائج متواضعة. هل أساليب التحفيز المتبعة لجذب الشباب أو القوانين والمبادرات لم تكن ناجحة كما خطط لها؟ ومن خلال البحث في بعض ما نشر ومقارنته بكفاءة سوق العمل الفني من استيعاب مخرجات المعاهد والكليات التقنية الفنية في الخليج عامة وسلطنة عمان خاصة من خلال دراسة ميدانية مبسطة من خلال استبانة تتطرق إلى بعض الإشكاليات، تجد بعض الآراء ونتائج الدراسة والتوصية من خلال تحليلها.
يرى البعض أن نسبة الإقبال على العمل المهني ما زالت متدنية، ولا يزال الشباب لا يستطيعون خوض غمار العمل المهني رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها عدة جهات بالدول للإقدام على العمل المهني، ويعود ذلك إلى نظرة المجتمع الدونية تجاه العمل المهني في حين تغيرت تجاه العديد من الأمور. وقد يشير البعض إلى أن دور الأسرة يجب أن يكون فاعلا تجاه الأبناء بتشجيعهم نحو التعليم والعمل المهني باعتباره أحد عناصر التنمية التي يشهدها المجتمع والتي تتطلب سواعد وطنية قادرة على العطاء والإبداع. ويضاف أيضا أن تدني الإقبال على الحرف المهنية يعود إلى غياب الحوافز وعدم الأمان في التعليم المهني وعدم احترامه من قبل بعض أفراد المجتمع، وأن العلاقة الأسرية تشكل الأساس في اختيار الطالب للالتحاق بالتعليم المهني.
هناك فريق آخر يرى أن كل من يرغب في الدخول في مجال العمل المهني عليه أن يمتلك القناعة الكافية لممارسة ذلك العمل، ويجب ألا يلتفت لنظرة الناس له وعدم تشجيعهم له لأن نظرتهم لن تتغير بين يوم وليلة؛ لأنها راسخة ولا يمكن إزالتها بسهولة، وتتطلب جهدا من الشاب والأسر للتغلب على نظرة الناس، وإشعارهم بأهمية تلك الأعمال من أجل النهضة والبناء.
إن الجيل الجديد يحتاج إلى التشجيع والتحفيز عن طريق عمل دورات مكثفة عن أهمية العمل المهني، وتبنِّي مشاريع جادة وبأجور مناسبة تشجعهم على ممارسة الأعمال المهنية وتدريبهم على المهارات اللازمة للحصول على الوظيفة لكن بعض الشباب يفضل العمل المريح. إن العمل المهني، علاوة على أنه شاق ويحتاج لجهد كبير، إلا أنه يستغرق اليوم كله، وبعد هذا التعب لا يستطيع الشاب أن يستمتع بوقته مع أقرانه فيبتعد عن كل المناسبات العائلية والاجتماعية ويقضي كل وقته بالعمل المهني الشاق، على العكس من الوظائف والدوام الحكومي يكون محددا بساعات عمل معينة.
تعد الغالبية العظمى أن الرواتب الضعيفة هي السبب الرئيسي في بعد الشباب عن العمل المهني فالمردود المادي عن ممارسة العمل المهني ضعيف ولا يكفي متطلبات المعيشة بالإضافة إلى طول ساعات العمل والدوام الطويل والجهد الشاق والتعب البدني الذي لا يقابله عائد مادي قوي على العكس من الوظائف المكتبية التي لا تتطلب إلا جهدا بسيطا وفي نفس الوقت عائدها المادي أقوى.
هل الحل في زيادة حملات توعية للشباب بأهمية العمل المهني في البناء والتقدم وبيان احتياجات الدولة من الكفاءات، وتدشين مؤسسات دعم تربوي لتوجيه الطلاب من المرحلة الثانوية ومعرفة ميولهم واتجاهاتهم وتشجيعهم عليها حتى يبدعوا وينجحوا ويتألقوا، وبالتالي مطلوب مؤسسات لاكتشاف الميول والرغبات والتشجيع عليها بطريقة علمية وأكاديمية وإقناع أولياء الأمور بميول ورغبات آبائهم؟ أم يجب على الجهات والمؤسسات التربوية المعنية في الدولة تعزيز النظرة إلى العمل المهني والحرفي وتغيير المفاهيم والنظرة الاجتماعية السلبية للعمل المهني، وزيادة الوعي بقيمة العمل المهني والحرفي، وتشجيع الشباب من الجنسين الذين لم يتمكنوا من مواصلة تعليمهم على الانخراط في العمل المهني، وتعزيز دور التعليم الموجه لمعرفة الملكات والقدرات الفردية وتشجيعها، وحث وحفز الشباب لمعرفة ما لديهم من مواهب لاستثمارها وتنميتها والاستفادة منها ماديا واجتماعيا؟
إن التغيرات في مجال التكنولوجيا والاقتصاد تسير بخطوات متلاحقة، لذا كان لا بد لكل مجتمع من تحديث مهارات أفراده ومعارفهم على نحو مستمر ليتسنى لهم العيش والعمل الفعال في ظل مجتمع الاقتصاد المعرفي، وإدراكا منها بأن التعليم والتدريب يصقلان موهبة الفرد ويزيدان إنتاجيته ومردوده في العمل. ومواكبةً لهذا التوجُّه، فإن التعليم المهني نشاط مستمر مدى الحياة يؤهل المواطنين ليكونوا لبنات قوية في بناء صرح مجتمع حر، وأن كل طالب عنصر متفرد بميوله وحاجاته التي ينبغي توفيرها له لتفعيل جميع ما يكمن في شخصيته من قدرات من خلال الشراكة مع المختصين والأسرة والمجتمع، يجب على المؤسسات بضرورة تزويد الطالب بالبيئة التعليمية التربوية، حيث يكتسب مهارات أكاديمية ووظيفية متميزة تتناسب مع سوق العمل والتي تُعد من أساسيات النجاح الوظيفي في القرن الحادي والعشرين.
إن كثيرا من المؤسسات الصناعية الكبرى تقوم باستقطاب خريجي المعاهد والكليات التقنية لما يتوافر فيهم من تأسيس علمي متين ومتوازن قابل للتطوير المعرفي والترقية العلمية من خلال إعداد برامج تؤهلهم للعب دور ريادي في تلك المؤسسات في جميع المجالات، وهناك نجاحات كبيرة وخصوصا في مجال النفط والغاز والبنوك والعمل في الأعمال المهنية في قوات السلطان المسلحة، حيث كان العائد مجزيا والتدريب والتحفيز متوافرا.
إن التوجيه المهني يشكل اليوم للطلبة ولأولياء أمورهم وللمعلمين والمسؤولين همًّا أساسيًّا، حيث إنه خلال السنوات القليلة الماضية وبالرغم من إصلاح التعليم الصناعي والتجاري برزت ظاهرة جديدة لم تكن معهودة في السابق تتمثل في تركز اتجاه الطلبة نحو المسار التجاري والبنوك وبعض التخصصات الأدبية، والعزوف عن الالتحاق بالمسارات المهنية التقنية والعلمية، بأنه من الأهمية بمكان أن يكون هناك توازن بين التخصصات في المسارات الأكاديمية ومتطلبات السوق من جهة وبين النوعية المؤهلة للانخراط في هذه التخصصات.
ينبغي على الجهات المعنية إنشاء مدارس حديثة تشمل المعامل والقاعات وفتح تخصصات حديثة في جميع المسارات العلمية التي تشبع حاجة السوق، وتكون هناك بدائل لاختيار الطلبة، وتخدم في نفس الوقت ذوي الكفاءات المرجوة والموهوبين الذين يميلون إلى الأعمال التقنية والحرفية حتى لا تضيع الأموال هدرا مع طلبة غير مهيئين لمثل هذه التخصصات ولا يرغبون في الانخراط فيها.
إن ظروفنا الآن مهيأة للتكاتف يدا بيد للنهوض بمجتمعنا إلى ما وصل إليه الآخرون، فقنوات التواصل بين جميع الوزارات من أهم دعائم التقدم، وأقصد بذلك مؤسسات التعليم العالي من أجل العمل على اتفاق بين متطلبات السوق والتخصصات في التعليم الثانوي والجامعي حتى تتاح الفرصة لجميع المستويات من الطلبة كل حسب قدراته وميوله، وبالتالي يتحدد مصير الأجيال القادمة حتى لا تتبعثر طاقاتهم نتيجة التعتيم المخيم على أفكارهم، فالتوضيح وإعطاء الفرص وفتح مجالات أخرى تشبع الاحتياجات الراهنة مطلب كل فرد على هذه الأرض الطيبة، لافتة إلى ان التلاحم بين تلك الوزارات من أجل تخريج جيل قادر على العطاء المستمر يشكل دعائم قوية لما نتطلع إليه، فالمرحلة العصرية تنتظر منا جميعا أن نصل إلى أفضل الغايات، وينبغي علينا أن نعي أن تقدم المجتمع وتأخره مسؤولية تتحملها جميع وزارات الدولة ومؤسساتها وأفرادها.
إن التعليم المهني والتقني لم يعد ولا يجب أن يكون مأوى للفاشلين أو لأولئك الذين استحالت عليهم مدارس وجامعات لأي سبب كان، فيجب أن ننظر إلى هذا النوع من التعليم بعين صادقة تعبر عن الواقع، وترى فيه القدرة على البناء والصناعة والإنتاج، فالنظرة الدونية لبعض الأسر وأفراد المجتمع للتعليم المهني والتقني لها تبعاتها السيئة والوخيمة، وإن تحسنت قليلا عن الماضي، لأنها تشمل جميع مكوناته فتضر بها، من هيئتيه الإدارية والتعليمية ومناهجه إلى طلابه وصولًا إلى المعهد الفني التربوي الذي يُعد أفراد الهيئة التعليمية والذي يشكل العمود الفقري لقطاع التعليم المهني والتقني الرسمي.
يجب على الجهات المعنية أن تتخذ إجراءات حقيقية بهدف تفعيل واقع التعليم المهني والتقني الصناعي باستيعاب طلاب جيدين للحصول على خريجين لديهم خبرات عملية وفنية وتأمين فرص العمل المناسبة لجميع الخريجين لإلغاء النظرة الخاطئة لبعض أفراد المجتمع تجاه التعليم المهني والتقني، وتبسيط فكرة التلمذة الصناعية لدى القطاع الخاص للاستفادة من خبرات خريجي المعاهد الصناعية والتقنية بالشكل الأمثل.
إن اختيار طلبة من ضعيفي التحصيل الدراسي للدراسة في معاهد وكليات التعليم المهني والتقني يسيء إلى التعليم المهني، ويكون فاشلا في المدرسة وسوق العمل والشارع، ونطمح لاستقبال طلاب جيدين في المرحلة الثانوية دبلوم التعليم العام، ففي ظل توافر المخابر الحديثة والكادر التدريسي المتميز سنجد ثروة بشرية حقيقية تمتلك خبرات علمية وفنية.
دول الخليج عامة لديها تحديات كبيرة في توطين أبنائها في المجال الفني وقد مضت سنوات تشكل هاجسا لأصحاب القرار، ولكن بعد الدراسة الميدانية لقد طفت على السطح مشكلتان تبرزان أكثر من غيرهما وهما العمالة الوافدة ذات الدخل المتدني، وتأهيل المواطنين فنيا. إذ هناك تجارب ناجحة في التدريب المهني في قطاع النفط والغاز والبنوك والأعمال الفنية في القوات المسلحة، حيث التدريب كان كافيا والدخل مجزيا، كما ذكرنا آنفا.

salimalharthi@hotmail.com

إلى الأعلى