الأربعاء 3 مارس 2021 م - ١٩ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / هل يحبس الخرف الناس داخل آلامهم؟
هل يحبس الخرف الناس داخل آلامهم؟

هل يحبس الخرف الناس داخل آلامهم؟

د. يوسف بن علي الملَّا:
يحكي لي ذلك الحفيد وجدَّته بين نوبات الألم، مستلقية على أحد أسرَّة المستشفى، يقول ومع استمرار الألم فجأة تتوقف الجدَّة عن الشكوى، لتسأل حفيدها مرارا وتكرارا: ماذا فعلت وما حدث؟ يستطرد الحفيد مكملا قصته بحزن ـ وبالأحرى قصة جدَّته ـ فيقول: جدتي تبلغ من العمر 80 عاما وهي في المراحل المتأخرة من مرض الزهايمر، وهذا يعني أنها لم تعد قادرة على تكوين ذكريات جديدة. وفي منتصف السنة الماضية سقطت وكسرت إحدى الفقرات، وللأسف على الفور، نسيت ما حدث. وهنا بات جليًّا لنا أن الألم أصبح هو الدليل الوحيد المتبقي على السقوط. فالأمر استغرق أسابيع، وزيارتين إلى المستشفى، لفهم سبب توقفها عن الأكل أو النهوض من السرير… وللأسف هي لا تتذكر!
وحقيقة هنا نعلم جميعا أن التعامل مع الألم في بعض الأحيان مسألة شائكة، ومهما يكن فأنت معي أنه عندما تشعر بالألم فهذا يعني أنك متيقِّن، وبالتالي سماع الألم منك هو الشك في أنك تشتكي. ولكن كما أدركنا من القصة، فعندما تمنع الحالة المعرفية للمريض التقييم الذاتي الموثوق، كما هو الحال بالنسبة للجدَّة، فإن قدرتنا على رؤية ألم الشخص ومعالجة ما نراه تكون محدودة بدرجة أكبر. وبالنسبة لمقدِّمي الرعاية الصحية وتعاملهم مع المصابين بالخرف، قد يصبح حل معاناتهم في بعض الأحيان شبه مستحيل. فعلى سبيل المثال، شكوى المريض من صداع متكرر، قد يكون فقط تشبيهًا من مريض الخرف بأنه أصلا غير قادر على التذكُّر!
والأهم من ذلك يمكن لمرض الزهايمر، وهو السبب الأكثر شيوعًا للخرف، أن يقوض عملية نقل الألم بأكملها، من الإدراك إلى التواصل. لذلك قد تلاحظ كيف يعبِّر الشخص المصاب بمرض الزهايمر بطرق متعددة كعدم ارتياحه بالتجول أو يأتي به الحال فيتذمر، وقد يرفض الأكل أو النوم. ومع ذلك فالسلوكيات نفسها قد تعبِّر عن الوحدة أو الجوع أو الحزن، ناهيك أنها قد تكون أعراض المرض نفسه. من ناحية أخرى لا يمنع الخرف أيًّا من مصادر الألم الأخرى والشائعة لكبار السن، بالطبع كالسرطان والتهاب المفاصل وهشاشة العظام والإصابات من السقوط وما إلى ذلك. ومع ذلك، فإنه يجعل تحديد هذا الألم أكثر صعوبة ويقل احتمالية العناية به.
ولعلِّي أقول هنا وبشكل مؤسف، إن المصاب بالخرف عندما يشعر بالألم ولا يفهمه، يمكن أن ينتهي به الأمر في المعاناة بصمت! لذلك استدرك الكثير من الباحثين ذلك من المرضى، واستحدثوا تقنية بحيث يقوم المريض بوصف آلامهم باستخدام كلمات تنقسم إلى ثلاث فئات: الحسية، والعاطفية، والتقييمية (فمثلا تحدد الفئة الحسية، جسدية الألم من خلال صفات مثل درجة الحرارة أو الوخز وهكذا..). وبشكل مؤسف، فمرض الزهايمر يسلب الإدراك بشكل لا رجعة فيه للشخص، وبالتالي من الجيد والمفيد طبيًّا الالتفات لهكذا مفهوم للألم، خصوصا وأنه مع تقدم المرض، يصبح الأمر أسوأ بشكل ما، فيفقد الشخص القدرة على تكوين ذكريات جديدة، واستخدام اللغة، والتحكم في العواطف، والإدراك النقدي للعالم المحيط به، أو تحليله.
ويعود ذلك الحفيد وفي تجربته الخاصة، فيقول كانت جدتي تئن طوال الليل حتى عندما أعطيناها مسكنات الألم الموصوفة لفقرتها المكسورة. توقفت فقط عندما كان أحدهم في الغرفة معها. ويستطرد قائلا: لقد استغرق الأمر وقتًا لكي تفهم أنها لم تكن تئن من الألم، بدت وكأنها تئن من الخوف! ويتضح لنا هنا بلا شك أنه فيما بعد أدَّى عدم إدراك مقدِّمي الرعاية لهذه الإشارات إلى سوء وصف أدوية المضادات النفسية لمرضى الخرف، متناسين أن حالات كتلك الحالة لا تنجم تغيراتهم السلوكية عن مرض عقلي، بل عن ضائقة عاطفية ناجمة عن ألم غير معالج. ما أود التأكيد عليه هنا، أنه يجب على المعالج أن يبحث عن إشارات أخرى للمريض تبين بأنهم غير مرتاحين، حيث يتطلب الأمر الكثير من الأسئلة والفحص الدقيق.
ختاما، نلاحظ كيف أن عددا من العائلات تتعامل مع هكذا حالات من مرض الزهايمر والخرف من تلقاء نفسها، وهذا خطأ. بل الأدعى تعاون الأسرة مع مختص رعاية المسنِّين مثلًا. وبشكل ما يمكن لأساسيات الرعاية كاللمس والتفاعل، ووجود شخص آخر قريب أن يساعد في تخفيف الألم لدى مرضى الخرف. وربما عندما تهتم أكثر بجدَّتك، وجدِّك أو والدتك، فتلك لحظات التواصل بينكم قد تبقي معاناتها الجسدية أخف. بل عندما تبحث في صناديق الصور القديمة معها أو معه، وتصرف انتباهها بقصص حول طفولتك وكيف كانت تملؤ حقيبتك بالتفاح والعصائر وأكياس رقائق البطاطس ـ إن صحَّ لي التعبير ـ فقد خففت عليها مصابها. ناصحا إياك أنه في أسوأ الأيام، أقلُّ ما يمكنك فعله من أجلها هو الاستلقاء في السرير بجانبها وهي تئن، ممسكا يدها… لعلَّها تقول لك بهدوء: أنا أحبك.. لست خائفة الآن!

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

إلى الأعلى