الأربعاء 3 مارس 2021 م - ١٩ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / علي الريامي يقدم قراءة في الرواية التاريخية “يوم سلطانة”
علي الريامي يقدم قراءة في الرواية التاريخية “يوم سلطانة”

علي الريامي يقدم قراءة في الرواية التاريخية “يوم سلطانة”

مسقط – الوطن :
قدم علي بن سعيد الريامي أستاذ مساعد بقسم التاريخ في جامعة السلطان قابوس قراءة في الرواية التاريخية (يوم سلطانة) الصادرة مؤخراً عن دار لبان، للكاتب معاذ الرقادي وهي من الروايات التاريخية العمانية وتدور أحداثها حول
(رحلة البحث عن الجذور من ضواحي موسكو إلى الكابيتول).
ويقول الريامي : كنت قد تعرفت على معاذ مذ كان طالباً في قسم التاريخ بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، في جامعة السلطان قابوس، وهو شاب طموح ويتمتع بمواهب متعددة، وتمثل هذه الرواية باكورة أعماله السردية.
الرقادي على ما يبدو شغوف بالتاريخ، ومن هذا العمل أراد أن يوظف السرد الأدبي لتقريب المعرفة التاريخية المتعلقة بأحداث هامة في التاريخ العماني، باستخدام تقنية الاسترداد التاريخي، راسماً بذلك سيناريوهات لأحداث مرّكبة، يتداخل فيها الحقيقي بالخيالي؛ – لمقتضيات الحبكة الروائية -، في رحلة البحث والتقصي وفكّ لغز اختفاء عقد من اللؤلؤ “مليء بالتاريخ والحكايات” يعود تاريخه إلى رحلة السفينة سلطانة إلى نيويورك سنة 1840، بقيادة القبطان العماني أحمد بن النعمان الكعبي، أول سفير لحاكم عربي إلى الولايات المتحدة الأميركية.
في رواية يوم سلطانة، يأخذنا الرقادي إلى فضاءات مكانية متعددة، فجذوة ولادة الحدث تبدأ من رحلة بطلة الرواية (رشيدة)، من موسكو إلى نيويورك في رحلة البحث عن الجذور، تتعقب عقد اللؤلؤ الذي تعود ملكيته إلى جدها الأكبر (مسعود)، أحد أفراد البعثة العربية التي أبحرت من زنجبار إلى نيويورك في فترة حكم السلطان سعيد بن سلطان.
تتحفنا الرواية بمعلومات تاريخية مهمة تتعلق بوصول السفينة سلطانة إلى مرفأ نيويورك، في العام 1840، والاهتمام الرسمي الذي حظيت به البعثة العربية، كما تقدم للقراء وصفاً لحمولة السفينة سلطانة من البضائع والهدايا، التي قدمت للرئيس الأميركي آنذاك مارتن فان بيورين Martin Van Buren)) 1841-1837، كما تضمنت معلومات عن طاقم السفينة وجنسياتهم المتعددة وثقافاتهم المختلفة من عرب وأفارقه وهنود وإنجليز، ومن البرتغال وفرنسا، وهو ما يؤكد على فكرة التعايش باعتباره من مقتضيات الاجتماع البشري.
في ثنايا السرد تطالعنا الرواية أيضاً بأهم التطورات الصناعية، ووسائل الاتصال المتطورة في الولايات المتحدة الأميركية في منتصف القرن التاسع عشر، من ذلك على سبيل المثال التلغراف، واستخدام المحرك البخاري في القطارات والسفن، فضلاً عن أوجه التطور الحضاري آنذاك كالصحف (صحيفة نيويورك هيرالد تريبيونNew York Herald Tribune) التي تأسست في العام 1835،وبورصة (وول ستريتWall Street)، وغيرها من مظاهر المدنية الغربية في منتصف القرن التاسع عشر.
ما يميز الرواية فكرة التقصي والبحث، ولعل اهتمامات معاذ بالتطبيقات الحاسوبية وتوظيف التقنية، وقواعد البيانات، ومحركات البحث، فضلاً عن توظيف علم النفس والسلوك البشري، وما يعرف بعلم التواصل غير اللفظي، يضفي بعداً تشويقياً في تتبع خيوط القضية وتحليلها، وأحسب أن هذا اتجاه جديد في السرد الروائي العماني، يكشف عن ثقافة الكاتب، وقدرته على توظيف معارفه وتجاربه في خدمة الحبكة الروائية.
كذلك تبرز الرواية قضايا حساسة من قبيل تلك المتعلقة بالعبودية، وقضية الانقلابات العسكرية، وما تجره من ويلات، وقضية التهجير القسري عن الأوطان، وقضية الاصطفافات والتكتلات الدولية في الأزمات، مثال ذلك الدعم الذي قدمته الكتلة الشيوعية آنذاك لحزب الأفرو_شيرازي بقيادة عبيد كرومي في انقلابه العسكري على الحكم العربي في العام 1964م، وإلى جانب ذلك تعرّج الرواية لبعض القضايا السياسية المعاصرة، مثل حرب القرم الأخيرة، وشخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
من جهة أخرى كانت الأقوال المقتبسة لكبار الفلاسفة والمفكرين والكتاب من أمثال سقراط، أرسطو، أفلاطون،سيجموند فرويد،شوبنهاور، ألبير كامو، سوفاج، نجيب محفوظ، محمد حسنين هيكل، وغيرهم، التي صاحبت عناوين فصول الرواية، جاءت منسجمة، مع الأفكار المضمّنة في السرد الروائي، ولعلي أختم بمقولة رائعة منها تلك المقتبسة عن الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل من الفصل الثاني للرواية: (تاريخ كل أمة خط متصل، وقد يصعد الخط أو يهبط، وقد يدور حول نفسه، أو ينحني، ولكنه لا ينقطع).
هكذا يشكل التاريخ منعطفاً مهماً في حياة الإنسان، وحياة الأمم وبناء وعيه بمفهوم الأمة، وقراءته لكن بوعي ليس استحضار لماض قد رحل، بقدر ما هو استحضار لتجليات وجدانية، ومشاعر إنسانية، وهذه الرواية أقرب ما تكون استذكاراً لذلك الفردوس المفقود في رحلة البحث عن الجذور.

إلى الأعلى