الجمعة 5 مارس 2021 م - ٢١ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / إنها حقا مواقع للتواصل

إنها حقا مواقع للتواصل

فوزي رمضان
صحفي مصري

اشتهرت بالسمعة السيئة، واقترنت بنشر الإشاعات، والأخبار الكاذبة والتزييف والتزوير، يشار إلى أصابعها الخفية في إحداث الفتن والتنمر وانتهاك الخصوصية، لكن ماذا تقول عندما يصاب شخص ما لسوء في طريق خالٍ من الحياة مع ليل أسود دامس، ويتعرض لحادث مؤسف يفقد فيه الوعي من الآلام، وتتهشم سيارته ويتحطم هاتفه ويصاب ذووه بالجنون، عندما لا يسمع لساعات طويلة قاتلة سوى رسالة واحدة (الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير متاح)؟
وعندما تفشل دوريات نجدة الشرطة في العثور عليه بالسرعة المطلوبة، إذا بأحد المارة يشاهد الحادث بالمصادفة، ولم يفعل أكثر من نشر صورة هوية وسيارة صاحب الحادث ومكانه على أحد مواقع التواصل حتى يتم التعرف عليه، وفي أقل من دقيقة يتم عمل “شير” لـ”لبوست” على غالبية مواقع التواصل الاجتماعي، ليهرع بعدها العشرات لموقع الحادث للنجدة والإنقاذ؛ تلك واقعة حقيقية عايشتها مع أقرب البشر لقلبي.
حقيقة لقد تخطت تلك المواقع، كونها عالما افتراضيا هلاميا، إلى حيث أصبحت الواقع الحي الحقيقي، تستخدم في الخير كما في الشر، كالنيران التي تحرق لكن نستخدمها، والسكين الذي يقتل ومع ذلك نحتاج إليه، باتت تلك المواقع تتناول الحقائق والوقائع والأحداث، كما هي في واقع الحياة اليومية، دون الخضوع لسيناريو معيَّن، يتضمن كمية من التزيين والتنميق المخالف للواقع.
في الآونة الأخيرة حفلت تلك المواقع بالكثير من الموضوعات التي شغلت الرأي العام، واستحثت فيها المسؤولين إلى اتخاذ الإجراءات والتدابير، التي من شأنها التحقق من المخالفات ومعاقبة مرتكبيها. في مصر مثلا، أجبر الرأي الجمعي لجمهور دولة مواقع التوصل، على إقالة ثلاثة من الوزراء تخطوا حاجز اللياقة والأدب في التحدث مع المواطنين، وعدد آخر كبير من المسؤولين عاثوا الفساد في الأرض، ومؤخرا كان لسطوة تلك المواقع أن أجبرت هيئة الرئاسة المصرية على التحقيق الفوري مع مذيع مصري تطاول على فتيات صعيد مصر في برنامجه التلفزيوني، اتهم ذويهم بإنجابهم من أجل العمل كخدم في منازل العاصمة والتكسب من عملهم، مما أطاح به وحذفه من قوائم نقابة الإعلاميين وإحالته للنائب العام، إضافة إلى طرده من القناة التي يعمل بها، بعد تغريمها وإنذارها بسحب تراخيص البث.
من قبل تسببت مواقع التواصل في الإطاحة بجوزيف بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) مع نائبه ميشيل بلاتيني، بعدما نشرت وقائع ملفات فساد كبيرة طالت إدارة الاتحاد. أيضا ومن خلال الصور التي نشرت على تلك المواقع، والتي فضحت الممارسات غير الأخلاقية لجنود أميركيين في سجن أبوغريب إبان فترة الاحتلال الأميركي للعراق، وارتكابهم أفعالا شاذة في حق السجناء العراقيين، مما أثار سخط العالم وشجبه لتلك الأفعال الهمجية، كما لا ننسى كيف أسهمت تلك المواقع في اندلاع ثورات المسمى بالربيع العربي.
لكن، ولقدرة تلك المواقع على سرعة نشر الخبر والمعلومة، باتت إحدى الوسائل لقياس اتجاهات الرأي العام حيال قضايا حيوية تهم المجتمع، ومنها التعرف على أولويات الرأي العام والقضايا التي تشغله، كذلك حصر الفئات العمرية النشطة، التي تتحمس لمواجهة أوجه الخلل والقصور في المجتمع، والضغط على المسؤولين لإصلاح هذا الخلل.
ولكونها شبكة عنكبوتية للتواصل الاجتماعي، فقد استغلتها شركات الأعمال والتجارة للتسويق لمنتجاتها والترويج لبضائعها وخدماتها، وبات أكثر من60% من أصحاب الأعمال يلجؤون إليها للبحث عن موظفين؛ لتشغيل وحداتهم التجارية والإنتاجية. أيضا لم يكن مستغربا أن يكون لقادة الدول حسابات شخصية على مواقع التواصل؛ من أجل التواصل المباشر مع شعوبهم، وأشهرهم الرئيس الأميركي ترامب المنتهية ولايته، حين استخدم بكثافة موقع “تويتر” الشهير لبث انطباعاته السياسية لكافة دول العالم.
لا ننسى كيف حولت تلك المواقع الإنسان العادي من متلقٍّ بسيط لا حول له ولا قوة إلى مرسل له تأثير في طرح رأيه دون أدنى تكلفة أو جهود كبيرة، وكان لتكاتف هؤلاء البسطاء وانفتاحهم على الآخر انعكاسات أكثر تأثيرا على القضايا المجتمعية، وأصبح صوته على مواقع التواصل أشد أثرا من صندوق الانتخابات نفسها، هذا المواطن البسيط بات يقلق، بل ويرعب أي صاحب سلطة يحيد عن الحق والنزاهة، فقط نشر فيديو صغير على مواقع التواصل عن سلوك هذا المسؤول المنحرف كفيل بفقدانه وظيفته خلال ساعات قليلة، من خلال قوة وتأثير وضغط الرأي الجمعي لتلك المواقع.. إذن هي حقا مواقع للتواصل… أي تواصل.

إلى الأعلى