الجمعة 5 مارس 2021 م - ٢١ رجب ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: السّلام في مبادئ النظام الأساسي للدولة

في العمق: السّلام في مبادئ النظام الأساسي للدولة

د. رجب بن علي العويسي

تُعد مفردة السلام في الحياة السياسية العمانية المعاصرة مبدأ أصيلا له مفاهيمه ومحدداته، وأصوله وقواعده، ومعالمه ومرتكزاته، وموجهاته واستراتيجياته، وأطره الفلسفية ومنطلقاته الفكرية، وأوجدت له الدولة المنصات الداعمة لنقله إلى حيز التطبيق؛ ممارسة أصيلة، وإطار عمل وطني مبني على قواعد وأسس ثابتة، تعززها منظومة القوانين والتشريعات والأوامر السامية، وتثبتها جملة الاستراتيجيات والخطط والمبادرات والبرامج الموجهة لخدمة مفردة السلام وتحقيق أهدافها في الداخل والخارج العماني، حيث جاء في الخطاب التاريخي الأول لتولي حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم مقاليد الحكم في البلاد في الحادي عشر من يناير 2020: “فإننا سوف نرتسم خطى السلطان الراحل مُؤكدين على الثوابت التي اختطها لسياسة بلادنا الخارجية القائمة على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، واحترام سيادة الدول وعلى التَّعاون الدولي في مختلف المجالات، كما سنبقى كما عهدنا العالم في عهد المغفور له بإذن الله تعالى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور داعين ومساهمين في حل الخلافات بالطرق السلمية وباذلين الجهد لإيجاد حلول مرضية لها بروح من الوفاق والتفاهم”.
لقد حفل النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني (6/2021) في مبادئه السياسية والأمنية والثقافية، بالحديث عن مفردة السلام، صراحة تارة وضمنيا تارة أخرى، فقد جاء في المادة (12) المبادئ السياسية للدولة “توثيق عرى التعاون وتأكيد أواصر الصداقة مع جميع الدول والشعوب على أساس من الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومراعاة المواثيق والمعاهدات الدولية والإقليمية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة، وبما يؤدي إلى إرساء السلام والأمن بين الدول والشعوب؛ وجاء في المادة(17) المبادئ الأمنية “السلام هدف الدولة، وسلامة الوطن أمانة في عنق كل مواطن”؛ ولمّا كان تحقيق السلام ورعايته مسؤولية وطنية تبدأ مع النشء منذ نعومة أظافره وتعمل مؤسسات التعليم والتنشئة الاجتماعية والثقافية والفكرية على تأصيله في فقه الأجيال، وتربية الشخصية العمانية على السلام العادل الداعم لمبادئ الحق والعدل والمساواة، فقد جاء في المادة (16) المبادئ الثقافية “التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية العمانية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب، وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والروحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح والتآلف”.
وأثبت نهج السلام العماني خلال العقود الخمسة الماضية جدواه وسلامته وأصالته وكفاءة تأثيره وحضوره الفاعل في المنظومة الإقليمية والعربية والدولية، منطلقا من مصداقية السياسة العمانية وثوابتها الأساسية لعالم تسوده المحبة والإخاء والاستقرار والطمأنينة وحفظ الحقوق والتعاون والتفاهم، والوصول إلى حالة أكثر مواءمة وشراكة بين مصالح الدول، تؤمن بالمصالح المشتركة، والعلاقات الودية، ولقد عكست الشخصية العمانية المبنية على الوضوح والهدوء والمصداقية والشفافية صدق التوجُّه وسُمو المبدأ ومصداقية المواقف؛ ثباتها الفكري وحضورها في رسم خريطة العالم، والوقوف على قضاياه، وإعادة هندسة السلوك العالمي في مواجهة حالة التنمّر السياسي العالمي وانعدام الثقة بين حكوماته، ليشكل السلام العماني مدخلا استعاد به العالم أنفاسه وأدرك مسؤولياته، واستطاع أن يحافظ على وحدة كيانه في مواجهة التحديات الاقتصادية والأزمات والجوائح، واتجهت رؤية السلام العماني إلى توحيد الصف العالمي في استئصال الحروب، وإضعاف الفكر المتطرف نحوها، وغرس معاني الوفاء للإنسان، والحفاظ على ما أنجزته البشرية في تأريخها المشرق في حمايته وصون كرامته وحقوقه، فاستحقت بذلك تقدير العالم واهتمامه بدورها الحضاري العالمي في رعاية السلام والأمن الدوليين، “لقد عکس توافد قادة العالم ووفود الهيئات والمنظمات الدولية، تقديرًا عالميًّا، للمكانة الدولية للسلطان الراحل ـ السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيَّب الله ثراه ـ ومكانة السلطنة، التي كرَّس حياته من أجل تحقيقها”.
على أن الحديث عن السلام في المبادئ السياسية والأمنية والثقافية للنظام الأساسي للدولة يجسد ما تحمله هذه المفردة من حضور في تفاصيل الحياة العامة للمواطن العماني، ومرتكزات بناء الدولة العمانية وأجندة العمل الوطني؛ فالسلام في المبادئ السياسية، تأصيل منهجي في رسم فلسفة السياسة العمانية والدبلوماسية الحكيمة لعمان محليا إقليميا وعالميا، حتى أصبحت وجهة العالم أجمع، وبيت خبرة عالميا أصيلا في كفاءة مدخلاته ورقي مفاهيمه ومفرداته، وفق أسس راسخة تقوم على التعايش السلمي بين جميع الشعوب، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وحل المنازعات بالطرق السلمية، ودعم التعاون الدولي في كافة المجالات، والقضايا الإنسانية المشتركة، في ظل الاحترام المتبادل لحقوق السيادة الوطنية ومد جسور الود والتواصل مع الآخرين، وفتح آفاق الشراكة والعلاقات الطيبة مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة على امتداد العالم وفق أسس واضحة ومحددة ومعروفة للجميع، واعتماد لغة الحوار المشترك وتعزيز تآلفية القيم والمشتركات القيمة والأخلاقية والحضارية العالمية ودور العلوم والأدب والثقافة والفكر والتعليم والاقتصاد والبرلمان، وغيرها في رسم ملامح السلام العماني وتوظيفها في خدمة الإنسانية.
كما أن السلام في المبادئ الأمنية يعكس تلك العلاقة الوثيقة بين السلام والأمن والأدوار التكاملية بين المنظومتين، فوضعت الأمن والسلام في معيارية العمل وموجهات الأداء، حفاظا على إنسان التنمية وحماية له ووقوفا معه، وصونا لمكتسبات النهضة؛ فالأمن هو الحافظ للسلام والمعزز لاستدامته وحضوره في كل مجريات الحياة اليومية، حتى يصبح السلام عقيدة حياة ومنهج عمل لتحقيق التقدم والتطور في مختلف جوانب الحياة اليومية؛ والسلام طريق إنتاج الأمن وترسيخ معايير جودة الأمان في الحياة اليومية، لتعبر عن مفهوم أعمق للمسؤولية الفردية والمجتمعية وطبيعة الدور المأمول وفاعلية الممارسة المجتمعية النابعة من حسٍّ وطني راقٍ ومسؤول، وإدراك ذاتي ومجتمعي بأن سلامة الوطن والمواطنين ورعاية مصالحهم أمانة في عنق كل مواطن، فتؤسس في المواطن تحصينات دفاعية نحو الوطن ومصالحه، ووقائية أكثر استدامة في بناء الذات المستوعبة لأحداث الوطن ومستجداته والقادرة على رسم معالمه في سلوك المواطن وقناعاته وأخلاقه والتزامه، منطلقا في ذلك من الدور الأمني لعمان في مراحل التاريخ المختلفة، فتربِّي في المواطن قيم التعاون والتصالح ومساعدة الآخرين والتعددية وقبول الآخر المختلف، وتعزز فيه العزة والكرامة والمنعة الوطنية، وعززت السياسة العمانية من موجهات بناء منظومة الأمن والسلام وتناغمهما في رسم معالم الاستقرار والأمن وتحقيق مستويات متقدمة في حصول السلطنة على الدرجة صفر في تعرضها للهجمات الإرهابية وأعلى مستوى لها في الجاهزية الأمنية، وعكست هذه المعالجة العمانية الأصيلة للأمن والسلام مرحلة متقدمة من النضج الفكري والنفسي والوعي الذي يعيشه المجتمع، وهو ما عزز من جهود السلطنة في القضاء على أسباب التطرف الديني والفكري والسياسي، ودعوة دول العالم للتعاون من أجل العمل معا في اقتلاع مسبباتها وجذورها والقضاء على جميع مظاهر التطرف والتشدد، كما يؤسس لشخصية المواطن العماني الشامخ في عليائه، الراقي في تصرفاته، المهذب في أخلاقه، الحافظ لحمى وطنه عبر محاربة الشائعات، والتعالي على صيحات الخلاف الديني التي تسيء إلى أخلاقيات الإنسان ومبادئه وقيمه، أو تلك التي تعرض أمنه الشخصي، الجسدي والفكري والنفسي للضرر؛ تحقيقا للطمأنينة والسكينة ودعوة إلى التعايش السلمي والتسامح التعددية والوئام الإنساني وتشجيع الحوار والالتقاء والتفاهم بين الشعوب والأمم، واستشعار لعظمة العسكرية العمانية في كل ميادين العمل والواجب، وتقدير دورها الوطني في حماية الوطن وضمان سلامة أراضيه وكفالة الأمن والطمأنينة للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
كما أن الإشارة إلى السّلام في المبادئ الثقافية للنظام الأساسي للدولة تأسيس لنهج التكامل في منظومة العمل الوطني بقطاعاتها التعليمية والثقافية والاجتماعية والأسرية والإعلامية في غرس فقه السلام في حياة الأجيال وتعزيز حضوره في ممارساتهم، وتجسيده في مواقفهم، واستلهام روح مفردة السلام لتمتد في كل تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، ليصبح منطق العمل، ومنهج الحوار، وأساس التواصل، ومد خيوط الالتقاء بين الماضي التليد والحاضر المشرق، فالإشارة إلى دور التعليم والثقافة والإعلام وغيرها في ترسيخ فقه السلام، إنما يستهدف بناء نموذج حضاري لنهضة السلام في أخلاقيات الإنسان والبناء الفكري والمعرفي والنفسي للأجيال، في مواقف الحياة وعلاقته مع الآخر، وتصالحه مع الذات، وفي تعاطيه مع منصات التواصل الاجتماعي وكتاباته وتغريداته وردود أفعاله ووجهات نظره وآرائه السياسية والفكرية والعقدية وغيرها، لتوليد سلام القوة والمنهجية والحجة والبرهان وقوة الدليل، والعمل وفق أطر واضحة واستراتيجيات دقيقة، ومنهجيات تقوم على إدراك الأجيال لعمق مفاهيم السلام العماني وأصوله ومرتكزاته ومبادئه، ودور الدبلوماسية العمانية، وتعامل السلطنة مع الاتفاقيات الأممية المعنية بالسلام، والتشريعات الداعمة لنهج السلام العماني؛ واستيعاب المتغيرات الدولية التي تواجه منظومة السلام، وبالتالي تأصيل فقه السلام في الأجيال على منطق من القوة وأساس من المبدأ، ومنهجا في العمل المتواصل الذي لا ينقطع أو يكون عرضة للتغيير أو مدخلا للتنازل بل تصبح عقيدة حياة ومنهجا أصيلا لا يتغير بتغير الزمان والمكان والظروف والأحوال.
وعليه، فإن ما يمكن أن يقدمه التعليم اليوم والمؤسسات الأخرى في ظل منطق السلام؛ إنما يضع السلام العماني أمام استحقاقات قادمة، تنعكس إيجابا على كل مفردات الحياة اليومية للمواطن العماني، وتعمق في ذات الأجيال التفاصيل الدقيقة التي قامت عليها مفردة السلام ومساحات نموها، لتصبح أكثر استدامة فيتعامل معها باحترافية، ويضمن حضورها في تفاصيل حياته اليومية، ويحافظ على بقائها في سلوكه الحضاري، وتعامله مع مفردات التطور الإنساني وموقعه في أحداث العالم المختلفة، ليبقى السلام العماني معادلة القوة من أجل عالم يسوده الأمن والوئام والتسامح والتعايش.

إلى الأعلى