Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

الاستراتيجية الدبلوماسية والأزمات الدولية (2)

سعدون بن حسين الحمداني

أ‌. سعدون بن حسين الحمداني:
مقال اليوم سوف نتعرف على مرتكزات الاستراتيجية النموذجية للدبلوماسية، بالإضافة إلى تعريف مصطلح الكارثة والتي هي أعلى درجات الأزمة.
هناك فرق كبير بين الاستراتيجية الدبلوماسية والتكتيك الدبلوماسي، فالاستراتيجية هي فن القيادة العامة في كل الأوقات الإيجابية والسلبية ولجميع المراحل بمختلف الأدوات والوسائل المتوافرة، أما التكتيك فهو فن قيادة لحالة معينة محدود المسؤولية والوقت والمستلزمات والأهداف.
إن أهم مرتكزات الاستراتيجية الدبلوماسية بأنها تنبئ على خريطة طريق ذات مقومات معلومة الأهداف مرسومة الأدوات والأساليب من قبل هرم الدولة تماشيًا مع المصالح الوطنية للبلد، بالإضافة إلى أنها تستند إلى الهدوء والحكمة والتأني باتخاذ القرار وسعة الصدر في تقبل الرأي الآخر بعيدا عن التخندق الحزبي والسياسي والديني جاعلا الحالة الإنسانية من أسمى مقومات المحافظة عليها، وتحقيق الرفاهية لها بمختلف الوسائل المتاحة بعيدًا عن الحروب وإراقة الدماء.
أما مفهوم الأزمة فهناك ملاصقات لها وهي الكارثة، وهي حالة مدمرة تنجم عن حدوث أضرار كبيرة تتجاوز كل الأرقام المتوقعة، سواء المادية أو البشرية، كما حدث في تسونامي في إندونيسيا عام 2004 بسبب زلزال قوته 9.1 ونتج عن هذه الكارثة وفاة 230000 شخص ودمار كبير.
إنَّ السلطنة في استراتيجيتها الدبلوماسية لديها ثوابت سياسة قائمة على حقائق جيوستراتيجية، وليس على التغيرات الأيديولوجية المتقلبة والمؤقتة، التي يمكن أن تتغير معها التحالفات في دولة لا تقبل التدخل في شؤون غيرها، وبالمقابل ترفض على الإطلاق التدخل في شؤونها الداخلية. اختارت السلطنة نهجا بقواعد واضحة أساسها علاقات متينة تقوم على الصداقات والتعاون والشفافية، تحكمها نظرة متأنية للواقع الإقليمي.
والأزمات كثيرة ومتنوعة لعبت السلطنة مختلف أنواعها مستندة إلى النهج الحكيم والإنساني الذي اختاره المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ متمثلة بوزارة الخارجية التي لعبت دورًا جبارًا ومؤثرًا في احتواء كثير من الأزمات التي تعصف بالمنطقة جعلت السلطنة أن تكون جوهرة السلام بالعالم على مدى أربعة عقود ونصف الماضية.
ومن أمثلة هذه الأزمات ما له علاقة بالجارة إيران الصديقة والتي ترتبط بالسلطنة بعلاقات وثيقة مبنية على التكاتف والدعم المشترك في القضايا والمواقف السياسية تجاه القضايا الإقليمية والعالمية، بالإضافة إلى العلاقات الوطيدة والروابط التاريخية القديمة بين البلدين الصديقين. تشترك السلطنة وإيران بأهم ممر مائي وهو مضيق هرمز، حيث تمر من خلاله 40% من تسويق النفط إلى العالم، بالإضافة إلى التعاون الاقتصادي المميز، حيث هناك إقبال كبير من رجال الأعمال الإيرانيين الذين لديهم الرغبة للدخول بالسوق العُمانية بمختلف المنتجات، ولا ننسى أن نذكر أن الجارة إيران هي من الدول المتقدمة في كثير من المجالات (الاقتصادية، الصناعية، العسكرية، والثقافية)، حيث هناك أكثر من 15 جامعة إيرانية حكومية معترفا بها من قبل السلطنة، بالإضافة إلى تبادل الزيارات بين الطرفين، كما تعُد الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أهم ركائز أمن الشرق الأوسط والعالم لما تمتلكه من خبرات وكفاءات علمية تضاهي بها الدول المتقدمة.
ومن هذه الأزمات التي عصفت بالمنطقة وبذلت حكومة السلطنة جهدًا استثنائيًّا وعملًا دؤوبًا على المستوى الإنساني مع الجارة إيران متمثلة بالخارجية العمانية، ومساعي طيبة لتحرير بحارة بريطانيين كانوا محتجزين عام 2007 وكذلك رهائن أميركيين عام 2011، بالإضافة إلى توسطها لدى طهران لتحرير رهائن غربيين في الأعوام الماضية أيضًا.
لعبت السلطنة عبر بوابتها وزارة الخارجية التي تملك النظرة الثاقبة والسياسة المحنكة الهادئة، حيث لعبت دورًا متميزًا في استضافة محادثات للوصول إلى اتفاق نهائي بشأن أزمة البرنامج النووي الإيراني في نوفمبر 2014 بهدف إزالة وحلحلة نقاط الخلاف العالقة، ونجحت مسقط، بعد إجراء محادثات ماراثونية بين الولايات المتحدة وإيران، في توقيع الاتفاق النووي في يوليو 2015، بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن (5+1).
إنَّ الاستراتيجيات الدبلوماسية بين البلدين الجارين الصديقين (السلطنة ـ إيران) تُعد نموذجًا راقيًا في التآخي واحترام الرأي الآخر والشراكة السياسية والاقتصادية الكبيرة بين البلدين الصديقين والالتقاء، والتشاور في كثير من الأهداف والأفكار التي جعلت منهم مثالا للعلاقات الدولية الحكيمة في إبحار السفينة بهدوء وبنظرة أخوية مشتركة رغم العواصف التي تدور هنا وهناك.
وفي يومنا هذا كأن جلالة السلطان قابوس (لم يرحل) حيث خطى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ أبقاه الله ـ بنفس الاستراتيجية الدبلوماسية الخارجية بدعم العلاقات الدولية مع الجميع بأُسس متينة مبنية على الاحترام المتبادل والشراكة الاقتصادية المتميزة من أجل المصالح الوطنية المشتركة، وكذلك بناء علاقات ثنائية متميزة ورصينة لمستقبل زاهر لشعوب الدول أجمع.

دبلوماسي سابق


تاريخ النشر: 23 فبراير,2021

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/416188

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014