الجمعة 16 أبريل 2021 م - ٣ رمضان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / معجزة الإسراء .. وواقعنا (1)

معجزة الإسراء .. وواقعنا (1)

محمود عدلي الشريف:
لقد أرسل الله رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم الرسالات، وآخر النبوات، وأمره بالتبليغ لما أوحاه إليه إلى الناس، فجاهد ـ عليه الصلاة والسلام ـ واجتهد، وشق على نفسه وما أشفق عليها، عساه أن يجد من يهتدي على يديه، حتى أن الله تعالى قال له:(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء ـ ٣)، فقد جهر ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ إليهم وأسرَّ، ولقيهم فرادى وجماعات، فما كلَّ وما ملَّ، ليلًا ونهارًا شتاءً وصيفًا، في قربهم وبعدهم، قاصيهم ودانيهم، بل وقد تصدى لهم تصديًا، ولما كان الشرك ملة واحدة، فقد صد المشركون عن دعوته كعادتهم في زمان ومكان ومع كل نبي ورسول، بل وقد اشتد ضلالهم وكفرهم بإيذائهم له، ولمن معه ممن آمن معه، بل والأمر أكبر من ذلك فقد وقفوا للحيلولة بينه وبين من يدعوهم، حتى أنه (صلى الله عليه وسلم) لما وجد قريشًا تصد الناس عنه، قرر أن يذهب هو بنفسه إلى الناس، وبينما هو في طريقه إلى الطائف ليبلغهم وحي ربه، إذا بقريش ترسل إلى أهل الطائف تحذرهم منه ومن دعوته، بل وأقنعوهم أن يضربوه ويزجروه ويطردوه، والعجيب أن هؤلاء الناس سمعوا لهم ونفذوا كلامهم، ولم يكن منهم رجل رشيد يقول لهم ألا نترك فرصة لنستمع إلى هذا الرجل؟ كلا والله بل اجتمع عاقلهم وسفيههم كبيرهم وصغيرهم أن يؤذوه (صلى الله عليه وسلم)، (فَعَمَدَ إِلَى ثَقِيفٍ يَرْجُو أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَنْصُرُوهُ فَوَجَدَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْهُمْ سَادَةَ ثَقِيفٍ وَهُمْ إِخْوَةٌ: عَبْدَ يَالِيلَ بْنَ عَمْرٍو وَحَبِيْبَ بْنَ عَمْرٍو وَمَسْعُودَ بْنَ عَمْرٍو فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَشَكَا إِلَيْهِمُ الْبَلَاءَ وَمَا انْتَهَكَ قَوْمُهُ مِنْهُ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَسْرِقُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللَّهُ بَعَثَكَ بشَيْءٍ قَطُّ وَقَالَ الْآخَرُ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هَذَا كَلِمَةً وَاحِدَةً أَبَدًا لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا لَأَنْتَ أَعْظَمُ شَرَفًا وَحَقًّا مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ وَقَالَ الْآخَرُ: أَعَجَزَ اللَّهُ أَنْ يُرْسِلَ غَيْرَكَ وَأَفْشَوْا ذَلِكَ فِي ثَقِيفٍ الَّذِي قَالَ لَهُمْ وَاجْتَمَعُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَقَعَدُوا لَهُ صَفَّيْنِ عَلَى طَرِيقِهِ فَأَخَذُوا بِأَيْدِيهِمُ الْحِجَارَةَ فَجَعَلَ لَا يَرْفَعُ رِجْلَهُ وَلَا يَضَعُهَا إِلَّا رَضَخُوهَا بِالْحِجَارَةِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَسْتَهْزِءُونَ وَيَسْخَرُونَ فَلَمَّا خَلَصَ مِنْ صَفَّيْهَمْ وَقَدَمَاهُ تَسِيلَانِ الدِّمَاءَ، عَمَدَ إِلَى حَائِطٍ مِنْ كُرُومِهِمْ فَأَتَى ظِلَّ حَبْلَةٍ مِنَ الْكَرْمِ فَجَلَسَ فِي أَصْلِهَا مَكْرُوبًا مُوجَعًا تَسِيلُ قَدَمَاهُ الدِّمَاءَ… الحديث) (دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص 294 ـ 295).
وهذا يعطينا تغييرًا لواقعنا بكل جوانبه، فطالب العلم الذي يجد صعوبة في طلبه سواء في المال أو السكن أو التلقي أو صعوبة في ما يدرس، أو غير ذلك فنقول له تجلد كما تجلد رسولك العظيم، ولم يثنيه عن تبليغ دعوة ربه حتى في أشد أشد الصعاب، ومن يجد صعوبة في تربية أولاده أو يلاقي منهم بعض الشقاق أو العقوق أو المخالفة، فنقول له أما يكفيك ما لاقى رسولنا الكريم ليس من أهله وأولاده وحسب بل من الناس جميعًا، على الرغم من أن الله تعالى أمره أن يخفف عن نفسه، إلا أنه (صلى الله عليه وسلم) لم يدخر أي جهد مهما كلفه ذلك، ومن يجد صعوبة في عمله أو من تجد فظاظة من زوجها أو من يجد نشوزًا من زوجته أو من يجد أي صعوبة تحول بينه وبين ما يصبو إليه، فنقول لهم انظروا إلى رسولكم العظيم كيف أدمى أهل الطائف قدماه، وهو أشرف خلق الله، فمن نحن؟ حتى نمل أو نجزع من مشاكلة قد نراها عظيمة، ولو تأملناها بلحظة هدوء لوجدناها بسيطة مهما عظمت، فما لاقاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سبيل تبليغ دعوة الله إلى الناس أعظم.
وإذا وجدت ـ أخي الكريم ـ أن المشاكل أو الصعوبات أو الاختلافات أو الخلافات أو أي شيء من المضايقات اليومية والتي لا يخلو منها يوم، فاعلم أن هذا من الطبيعي، فلسنا نعيش في الجنة، وإنما نعيش في دار الدنيا التي قال الله تعالى عنها:(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد ـ 20)، فما أنعم الله عليك من خير ويسر فمنه سبحانه، وما دون ذلك فاحمده واصبر على ما أنت عليه، ثم الجأ إلى الله، فهو تعالى هو المعين وعليه التكلان، وهو ـ جلّ وعلا ـ المستعان، وهذا ما علمنا إياه رسولنا (صلى الله عليه وسلم) فلم تكتفي قريش بصدها بل ودعت ما حولها من القرى للصدود، فأنىّ لرسول الله أن يبلغ! وكيف له أن يبلغ وقد أغلقت أمامه كل الطرق، وسدت كل السبل، بل لم يجد الصد سلبيًا، بل وجده إيجابيًا فقد صدوا بقلوبهم وأسماعهم وبآذانهم بل وبأيديهم يضربوا وبألسنتهم يسبوا، وهنا كان الملجأ الوحيد إلى هو باب الله تعالى الذي لا يغلق أبدا، ولهذا لجأ (صلى الله عليه وسلم) إليه،(فلما اطمأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال فيما ذكر لي: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) (سيرة ابن هشام، ت: السقا 1/ 420).
فما أحوجنا إلى اللجوء إلى الله ونحن في هذا الزمن الذي انتشر فيه فيروس كرونا الذي فتك بالملايين، فما أحوجنا أن نركن إلى الله ونأوي إليه، فهو سبحانه غياث المستغيثين، ومجيب المضطرين، ولهذا لما لجأ رسولنا إلى ربه لما ضاقت به السبل ـ كما هو واقعنا ـ جاء المدد والعون من الله بما لا يتوقع ولم يكن في الحسبان، فقد من الله عليه بمعجزة لم يكن مثلها لنبي أو لرسول قبله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولأن أبوابه مفتحة لكل لائج، وتلا تزدحم بأي داخل، فقد فتح له أبواب السماء بعد أن أغلقت أبواب الأرض، وقد جاء في الحديث فيما روي (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ) (صحيح مسلم 1/ 523، ورقم الحديث 172 ـ 758)، ولو بحثت عن دليل على ذلك، لوجد أن كل واحد منا معه على أدلة كثيرة إذا سألته عن ضيق حلً به، كيف أخرجه الله تعالى منه ووسع عليه ضيقه؟! إنه الله القريب المجيب ، ولهذا جاء جبريل ـ عليه السلام ـ يزف البشرى إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. وللحديث تكملة.

*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى