الجمعة 16 أبريل 2021 م - ٣ رمضان ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / آراء / نبض طبيب: استوصوا بهم خيرا
نبض طبيب: استوصوا بهم خيرا

نبض طبيب: استوصوا بهم خيرا

د. رقية بنت إسماعيل الظاهرية:
كوني طبيبة يجعلني دائمًا أنظر للعالم بعيون الأطباء، التواصل مع المرضى ليس بالأمر الهيِّن لك كطبيب، تتجاذب العلاقة بين مدٍّ وجزْرٍ، وتستنزف طاقتك؛ كونهم لا يعلمون تفاصيلك المتعبة وإلا تعاملوا معك بعذوبة وواقعية أكثر.
ولكن رحلتي اليوم في تجاويف عقل المريض، سآخذكم لنستكشف كيف يبدو المنظر من منطق المريض، وما يدور في ذهنه، وكيف يستشعر الأحداث بمشاعر مبهمة، كيف تساوره الظنون فيشهق على ناصية ضياعه وهو قادم لموعده أو وهو ممدَّد على سريره لدخول غرفة العمليات، وحتى كيف كان يجوب البلاد من طبيب إلى طبيب ليبحث عنك ويستنير بك في علته؟
حضر لفحص جرح قدمه وهو مصاب بالسكر، كان يقضم الساعات ألمًا، لا يقوى على تحمل صفِّ الانتظار، أرهقته الإجراءات لفتح الزيارة الطبية رغم سلاستها، إلا أنه شارد البال لا يأبه حتى لرد التحيات، وكأنها صمت جوارحه، بالرغم من سعير الوجع في قدمه إلا أن مخاض التفكير بتقطيع أوصاله ينهش قلبه ويعصر أوردته بخيار البتر الذي قد يكون بانتظاره، كيف سيتخلى عن جزء من جسده؟ وهل بالفعل ستقطع قدمه؟ يزفر زفرة فترتطم روحه بقاع يهشم كل بضعة فيه فتتركه مبتور الآمال وهو ينبض بالحياة.
وفي الردهة الأخرى امرأة حامل على صدد الدخول لفحص تشوهات الجنين، كانت مرتعبة ومثقلة تبدو الأكثر اضطرابًا وشحوبًا في قاعة الانتظار، سَئمت الممرضات من كثرة الرد عليها بأن الطبيبة ذهبت لحالة طارئة في الأقسام وستعود، تعاود أدراجها بعيون بائسة تتذكر طفلها المريض في المنزل الذي ابتلاه الله بعيوب خلقية منذُ الولادة تخشى من أن تكون رحلة رحمها هذه أيضًا خاسرة، فقلبها لا يقوى على رؤية قرَّة عَيْنها ممددًا على شواطئ العجز ثانيةً، بعد أن أغرقتها مياه الخذلان مسبقًا، وقذفت بروحها في نزيف لا يبرأ.
وهناك، قادِمٌ لموعده لمعرفة نتيجة الخزعة بسبب الاشتباه بورم خبيث، اكتنفته المخاوف وسكنه اليأس، يتوجَّس بِدُنُو أجَله على هامش الوجود، تبتلعه الأفكار وتبصقه إلى أرض يباب عاريًا من كل شيء إلا الأوجاع وصخب الموت، يدور فيها طيف عائلته وشريط حياته التي باتت خريفًا، يشعر بالانهيار والخطر المحدق ويظل يسأل: هل حقًّا انتهت رحلة حياتي؟! ما زال الطبيب يناظر جهاز الحاسوب (الكمبيوتر) فيرن الهاتف فتقفز روحه خوفًا وذعرًا، فيرد الطبيب بلغة غير مفهومة، وبعد الانتظار الحارق أبلغه الطبيب لم تظهر النتيجة بعد، فبقي يصرخُ في أعماقه، وقد سَئِمَ وجع الانتظار الذي يسلب عافيته المنهكة.
بقدر ما يتعاطف الطبيب مع معاناة المريض ووجعه يظل غير ملمٍّ بمدى ألَمه، وأي حنظل ملأ لحظاته، التي لا يعلمها إلا الله، فأنت تتخيل وتظن بأنك تستشعر وجعه وظروفه، ولكن صدقني أنك لا تفعل؛ لأنك لم تجرب فلا يشعر إلا من قاسَى، ولكلِّ مريض قصة ومعاناة مختلفة، تأخذه بين المرض والضعف والابتلاء بأوجاع لا يعلم بها إلا الله، ليست فقط أوجاعًا جسدية قد لا تبرأ، بل انكسار نفس، حديث الأطباء بلغتهم الصعبة، وتضارب آرائهم يرعبه، فحوصات ووخز إبر باستمرار، وانتظار النتائج المفزعة التي تدور حوله، ذل الضعف والانكسار، والرهبة من الموت والغموض الذي يحيط به، تأخذه الأفكار بين أهل الدنيا وأهل الآخرة.
أيها الطبيب استقبل مرضاك وأحسن ضيافتهم، قدِّم العلاج لهم كما تحب أن يقدم لك، ستباغتك الحياة يومًا وستمرض، فلا تبخل عليهم من حنوك، شد على أيديهم، ولا تتوانَ عن مساندة أرواحهم، تعابير وجهك تعني لهم الكثير ابتسامتك الصادقة وسماحة خلقك تخفف عنهم.
أيها الطبيب اصنع مجدًا خاصًّا من نجاحات خارقة بمهنية احتوائك لمريضك، وأن تحوِّل الفزع حبورًا وتحوِّل الظلمات نورًا، خاطب الناس على قدر عقولهم ووجعهم، ولا تحكم عليهم على قدر عقلك وشهاداتك. عندما يأتيك مريض وأنت بكامل قوتك تذكر أنه بأسوأ حالات ضعفه، قد يحيد عن المنطق في حيرة وتشتت، قد تخرج للعلن على شكل نوبات غضب فاحْتَوِهَا؛ لأنك العنصر الأقوى في العملية العلاجية، أخرجه من عتمته بعد أن ذابت خيوط الشمس بين عَيْنَيْه، ازرع أسطوانة الأمل وقاتل كصنديد شجاع يقود معارك، فينتصر ليس بعلمه فقط، بل بدماثة خلقه.
العلاج لا يقف عند معرفة المرض، بل يذهب بعيدًا إلى إدراك أقوال تُعلنها عَيْنا المريض ولا ينطق بها لسانه! حتمًا إنها ستخبرك أنه يوم عادي لك، لكنه لي استثنائي!! مَرَضي بالنسبة لك حالة، ولكنه لي حياة! حديثك مع الممرضة بلغتكم الطبية قد يكون عاديًّا، ولكن قد أفسره بشكلٍ مرعب، فاستوصوا بهم خيرًا.

طبيبة مختصة في قانون وأخلاقيات مهنة الطب

إلى الأعلى